أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> نحن من الداخل

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن من الداخل

 

مقدمة

 

نحن من الداخل ، أو نحن على حقيقتنا ، صورة يشوبها الكثير من النقص والخلل،  وقد لا يلام الباحث إذا اكتسى حديثه بالأسى وهو يدقق في واقعنا الذهني والنفسي.

لقد انتشرت على المدى الواسع سحابة سوداء مظلمة ، وتنفست الأرواح هواءً ملوثاً قديماً ، واستولت على القلوب كآبة آثمة ، وتحفز الأذى في كل مكان وهاجر المختار الحبيب بتعاليمه السمحاء .

 

وليس هذا الكلام مبالغةً في التشاؤم لدى وصف تجربتنا عموماً ، فلقد وصفت بهذا باكراً جداً كما روي [1] :

"فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة ... "

 

لقد مشى بنا تاريخنا على نحو هابط حتى وصلنا إلى أكثر الأمم إنحطاطاً ، وذلك على النقيض تماماً من الوعد المقطوع "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله".

 

إن هذا لن يقودنا حتماً في التشكيك في الوعود السامية المقدسة لصالح تبرئتنا نحن، إننا نحن المتهمون الحقيقيون ، وعلينا أن نتأمل في صورتنا بعين ثاقبة لتشخيص ما هو منحرف وغير مستقيم تحت ثوبنا الأبيض الذي نعتني به إلى أقصى حد .

 

علينا أن نكون حقيقين صادقين ، جريئين في الحكم على أنفسنا ، ننظر في شخصيتنا الفردية ، وفي مركباتنا الإجتماعية والسياسية ، في مؤسساتنا عامةً ، في أنشطتنا في التبادل والتواصل وغير ذلك ، حتى نتمكن بعد ذلك من تحديد وجهتنا التي تقودنا إلى نهضة حقيقة لا نهضة مزيفة .

 

إن الخطوط السوداء التي تقوم بإزاء أزهى ألوان الصورة وأكثرها إضاءةً وبريقاً تحتل في صورتنا بالذات موقعاً مميزاً ، فالمستور عندنا وغير المعلن هو الأكثر أهمية ، فهو الذي لا يتم المعنى إلا به ، فهو تسع أعشارنا أو ما يزيد ؟؟؟

ففي واقعنا نتعادى مع الغد ، ونتوارى بقلقنا وخوفنا تحت خط أحمر كان قد ألغانا، فلا نعرف عن غدنا إلا وهو قد أصبح خلفنا ماضياً. نعم هكذا نساق إلى غدنا مقيدين في أعماقنا ، كالخراف إلى الذبح ، لا نقوى على تغيير حرف من تاريخ بائس كتب علينا قبل أوانه .

 

وفي واقعنا أجنحة تتكسر وهي الأجمل والأحلى ، تتكسر وهي بعد في أول رحلتها، فتستحيل "تحت" إلى رقعة مهملة بعد أن كانت "فوق" علماً يرفرف عبر الآفاق .

وفي واقعنا يد سوداء قادرة ، تكمّ وتحتجز لكنها تلثم وتبارك قبل كل ذلك وبعده في مراسم مقلوبة معكوسة. وفي واقعنا تقتل الأرواح يومياً ، والقتل هنا ليس جريمة يعاقب عليها القانون !!

 

في واقعنا أحلام تغفو من غير سكون أو راحة ، أحلام تؤذيها اليقظة وتخاف أن تشق طريقها إلى الواقع من ألف هولٍ وهول . وفيه أيضاً آه أصدق من كل الكلام، قيلت حينما لم تعد تنفع الكلمات ، ولم تعد تسمع .

 

 

إن لوحتنا تقرأ في خطوطها السوداء ، في حفرها وأنفاقها وفي سلة مهملاتها . دعك من أعلامنا التي تتبارى مجداً إلى عنان السماء ومن أصواتنا الهادرة التي نبطش بها ، وشعارتنا العاصفة التي نطير فوق بساط ريحها لنرى الأمم والشعوب كلها تحتنا .

 

تعال إلى حفرنا الغائرة وزوايانا المعتمة ، لترى كيف تنكس أحلامنا ، كيف تداس عزائمنا ، وكيف ندعى إلى السكر في الإحتفاء بتدنيس مقدساتنا.

 

عجيبة لوحتنا هذه فهي تريك الإبتسامة ناضرةً كالآتية من الفجر ، وتخفي عن ناظريك آلاف السياط الموجعة التي هي بعدد ما لدينا من الآمال التي محيت قبل أن تتناسب ألوان الصورة وتصبح سائغةً للناظرين .

 

ترى لو كشفت عن أعيننا الغشاوة العمياء والأستار الثقيلة المعتمة ، ونظرنا بعين ثاقبة ، وتلاشت كل المظاهر المزيفة حولنا وخفتت الأصوات الواهية الفارغة ؟ ترى ما سيتبقى لدينا من أمور ؟ هل ستبق ديموقرطياتنا المضحكة المبكية التي يفوز فيها الفائز بالأرقام المغرورة البلهاء ؟ هل ستبقى كرسي الحكم التي يتربع عليها من يلبس مثلنا ، ويصفف شعره مثلنا ، وينطق الثاء والطاء والضاد مثلنا ؟

هل سيبقى قوس العدالة معلقاً على جدران المحاكم في كل مكان ؟ هل ستبقى معاهدنا ، مؤسساتنا ، دراساتنا ، أم أنها ستبتلع جميعاً في ثقوبٍ سوداء ، يسير البصر إليها إلى غير رجعة ، فهي أمر فوق الوعي والإدراك ، ولا دليل على وجوده إلا الشخوص إلى مقبرته والإمحاء في طيات سواده .

 

1- عوامل النهضة

 

تعبر كل نهضةٍ في تاريخنا عن حيازةٍ – جزئية – لجملةٍ من العوامل والعناصر الخاصة التي تكفي في قانون محسوب وطبيعي لإنتاج هذه النهضة .

 

إن الباحث المتتبع سوف يستطيع تلمس هذه العناصر من خلال دراسة هذه النهضات عبر تاريخنا واستعراضها واحدةً واحدةً .

 

ونحن لو توقفنا قيلاً عن تجربة نهضة الإسلام في الأندلس على سبيل المثال ، لوجدنا أنها - كما يرى غارودي [2] - تعبر عن دفقٍ حضاري وغليانٍ في الإزدهار الذهني والروحي ، لا عن غزوٍ عسكري يستند إلى القهر والغلبة .

 

ففي الوقت الذي كانت تتنازع فيه شمال أسبانيا حروب وصراعات دامية ذات شعارات دينية عقيمة ، كان أبو القاسم الزهراوي يخرج من وراء جفنيه المغمضة المباضع المبتكرة والآلات الدقيقة التي تساعد على الوضع ، ويصنف في الطب حتى أضحى حجةً في أوروبا بعد أن ترجمت أعماله على مدة خمسمائة عام .

وكان الزرقلا في الفلك يصف قبل كيبلر مدار الكواكب ، ويساهم في تطوير الأسطرلاب التي  يستخدم في قياس الإرتفاعات .

كذلك جاء البطروجي لينقض قانون بطليمس سابقاً بذلك كوبرنيك بأعوامٍ طوال .

كذلك كانت أعمال ابن الطفيل وابن الرشد وأمثالهم في الفلسفة وغيرهم في الهندسة والفنون ومجالات أخرى عديدة ، تعبيراً عن مستوى عالٍ من النشاط الذهني والإزدهار الروحي .

 

لم تكن هذه النهضة مجرد قلمٍ يضع تحت كل شيءٍ رقماً خاصاً يدل عليه ، ثم يحاول فهم الوجود برمته في ما نتج لديه من المعادلات الرقمية .

 

إنها وثبة غير متوقعة ، ونبوغ يستعصي على التفسير التارخي ، راح يبحث في حقيقة الأشياء ، ثم يتأمل في أصل هذه الحقائق وغاياتها ، ويحاول اكتشاف العلاقات الخفية والضوابط التي لا ترى ، على منهجٍ توحيدي مشتق من أول إضاءةٍ نبوية لمعت على تلك الكثبان التافهة المنسية .

 

لقد وضع هذا العقل الجديد في سياق متناسق متماسك متحدٍ المعادلة والقانون والفلسفة والمنطق والحكمة .

 

لقد فطن إلى ما تحويه هذه المفترقات لو ضم بعضها إلى بعض من الصور الجميلة التي لا ترى من جهة واحدة ، صور بجناحين يتجاوزان الرقم والمادة إلى العوالم السامية البعيدة .

 

يقول غارودي تحت عنوان "خرافة الغزو العربي لأسبانيا" : لقد احتاج النبي محمد (ص) إلى اثنين وعشرين عاماً وإلى تسع عشرة حملةً وغزوة لكي يعم الإسلام الجزيرة العربية ، بينما احتاج المسلمون إلى ما يقل عن ثلاث سنوات وإلى معركةٍ واحدةٍ فقط (قرب قادس) لعبور أسبانيا برمتها .

 

وهو قد ساق أيضاً شهادةً طويلة للكاتب الأسباني الكبير بلاسكو إيبانيز عن بلاده أذكر هنا بعضها : "في أسبانيا لم يأتي الإنبعاث من الشمال مع القبائل البربرية بل جاء من الجنوب برفقة العرب الفاتحين . لقد كانت حملةً ممدنة أكثر من كونها غزواً ... وهكذا دخلت إلى بلادنا هذه الثقافة الشابة والقوية والنشيطة ذات صنوف التقدم المدهشة السريعة ... ولم يكن ذلك غزو يفرض نفسه بقوة السلاح ، لقد كان بالأحرى مجتمعاً جديداً يمد جذوره القوية في كل مكان ... ففي حين كانت شعوب الشمال تبيد بعضها البعض في حروب دينية وتتصرف كقبائل بربرية ، بلغ عدد سكان أسبانيا أكثر من ثلاثين مليون نسمة .

في خضم هذه الوفرة السكانية كانت تتمازج وتتفاعل كل الأعراق وكل الأديان ... وفي داخل هذا المزيج الخصب من الشعوب والأجناس ، كانت تتعايش بسلام كل الأفكار وكل العادات وكل المكتشفات التي تحققت حتى ذلك الحين على الأرض ، كل الفنون وكل العلوم وكل الصناعات وكل الإختراعات وكل المدن القديمة ... ومعهم أيضاً جاء الحساب العشري والجبر والخيمياء والكيمياء والطب وعلم الكونيات والشعر المقفى .

ووجد الفلاسفة اليونانيون الذين كانوا على وشك أن يطويهم النسيان ، وجدوا خلاصهم بمرافقة العرب في فتوحاتهم إذ كان أرسطو يتربع على عرش جامعة قرطبة الشهيرة" [3] .

 

ونحن لو عدنا أساساً إلى الوراء ، إلى السنة التي توفي فيه النبي الأكرم (ص)    (632م) نجد أنه لم يمض أكثر من مائة عام حتى وجد الإسلام نفسه في قلب أوروبا ، والمثير للدهشة أن الراية كانت تحملها جيوش من البربر ، سكان الأصقاع البعيدة وغير المعروفة . والسؤال هنا كيف نستطيع أن نفسر إنتقال الجذوة الإسلامية بهذه السرعة وهذه الطريقة الحضارية المدهشة ؟

 

هناك أمران تحتاج إلى وجودهما أي نهضةٍ :

 

 إنتاج النماذج الفردية النوعية

 

لقد اهتم النبي (ص) منذ اللحظة الأولى ، وبموجب تعاليم الوحي الألهي بالكلمة فرفع من شأنها ، ولم يحفل كثيراً في أيامه الأولى بإنشاء معسكرات للتدريب العضلي أو مصانع للسيوف ذات الجودة العالية .

 

لقد عملت مدرسته على إنتاج الأفراد الذين يحملون الخصائص التي تليق بحمل رسالةٍ كالإسلام من الوعي والذهن الحر والشجاعة والشرف وغير ذلك .

 

ومن الشواهد الدقيقة على ذلك ما ذكره التاريخ عن معركة أحد ، حين أشيع خبر كاذب عن موت صاحب الرسالة في ذلك الوقت المبكر من أيام الإسلام الأولى، وكانت ردة الفعل أصواتاً تعالت تدعو إلى الموت دفاعاً عن مبادئ محمد المقدسة، وفي ذلك أصدق تعبير عن العمل المتواصل والجاد الذي مكن النبي (ص) من إيجاد الرابط المباشر ، المستقل عنه ، بين أفراد ٍ مؤمنين نوعيين ومبادئ الإسلام السامية ، وكان ذلك في مدةٍ وجيزة قصيرة [4] .

 

يقول المؤرخ فيليب حتي [5] : "ولو أن امرءاً جرؤ في مستهل القرن السابع الميلادي أن يتنبأ أن جيوشاً لم يعلم بها من قبل أحد ، ولم يشعر بقوتها من قبل أحد ستخرج من الجزيرة العربية ـ التي لم تكن مركزاً من مراكز الحضارة والعمران ـ لتتحدى القوتين العالميتين ، فارس وبيزنطية ، فتقوض أركان الأولى وتسلخ عن الثانية أغنى مقاطعاتها ، نقول ، لو أن إمرءاً تنبأ أن شيئاً من هذا سيحدث لاتهم بالغفلة والخبال . ولكن هذا ما وقع فعلاً . فإن الجزيرة العربية ، الجافة القاحلة ، تغيرت ، وكأن تغيرها كان بفعل عصاً سحرية ، إلى منبت أبطال وعظماء لم يعرف العالم له مثيلاً لا في نوعهم ولا في عدهم . وكل ذلك تم بقيادة النبي (ص) . "

 

إن هؤلاء الأفراد الذين أنتجتهم التربية الإسلامية هم الذين مشوا إلى كل ناحية وصل إليها نفوذ المسلمين ، لقد كان هؤلاء أصحاب الفتوحات الحقيقة للعقول والقلوب والضمائر ، التي طاولت أجيال المستقبل ، ولولاهم لم تكن الفتوحات سوى غلبةٍ مؤقتة سوف تنكفئ يوماً أمام قوةٍ جديدة .

 

إن مرحلة العمل على إنتاج النماذج النوعية تكون دائماً حقبةً مستورةً في مقدمة أي نهضة بشرية ، فليس ذلك مقتصراً على نهضة معينة فحسب .

فالنهضة الأوروبية المعاصرة على سبيل المثال ، عرفت في بدايتها مدارس آمنت بضرورة إنتاج أفراد يتحلون بخصائص عالية ، ولم تبدأ الأسماء والمؤسسات الكبيرة بالظهور إلا في الأجيال اللاحقة التي تلت عمل هذه المدارس .

 

تستوقفنا بشكل خاص مدرسة فيتورينو في إيطاليا سنة 1378 التي ذاع صيتها في إيطاليا في ذلك الوقت .

كان فيتورينو يؤمن بضرورة أن يتحلى طلابه بقوة التقوى ودقة العلم ووضوحه ورقة وغنى في الروح ، وذلك من دون إهمال الجانب البدني .

فهو لذلك كان يكلف طلابه بنظام عبادات صارم ، كما كان يشتغل بتعليمهم آداب اللغات والرياضيات ويهذب أرواحهم بالفنون المتنوعة ويعتني بصحتهم وقوتهم حيث يلزمهم برياضات كالفروسية وغيرها[6] .

لقد وضعت مدرسة فيتورينو وما شابهها أحجار الأساس في بناء النهضة الأوروبية ، وأنتجت الشعلة الصغيرة التي بدأت تكبر مع الأجيال .

 

 

 

البناء الإجتماعي النوعي

 

لقد بنى الإسلام مجتمعاً ذا علاقات عادلة متسامحة ، يلتزم الحقوق ويؤمن بالرحمة والتواصل ، مجتمعاً بسيطاً بلا طبقات ، تنتج فيه الثروة وتوزع بغير ظلم ولا أذى، وتتفاضل الناس في الإمتيازات دون أن يكون في ذلك أي فضل حيث لا فضل إلا بالتقوى :

الله فوق الخلق فيها وحده

والناس تحت لوائها أكفاء[7]

 

فكان لهذا المجتمع جاذبية كبرى شدت إليه الأقرب والأبعد على حد سواء ، لقد استطاع مجتمع كهذا أن يقنع الشعوب الداخلة – حديثاً – تحت نفوذه أنه مجتمع خلاص ، لا قوة للنهب والقهر .

 

هذا ميشال السوري يصف وصول المسلمين بالعبارات التالية : " فقد بعث من الجنوب بأبناء إسماعيل لكي يحررنا وينقذنا على أيديهم ، لم يكن إنعتاقنا من الوحشية الرومانية بالغنم البسيط ... وكذلك عيشنا في سلام "[8] .

 

وكذلك المؤرخ دوزي ، في كتابه تاريخ مسلمي أسبانيا يبين لنا كيف أثرت العلاقات التي بني على أساسها المجتمع الإسلامي في إحداث النهضة الأندلسية: "لقد كان الفتح العربي نعمة لأسبانيا فقد أحدث ثورة إجتماعية عظيمة ... كان العرب يحكمون وفق الطريقة الآتية : لقد تم تخفيض الضرائب إلى أبعد حد      – قياساً إلى ضرائب الحكومات السابقة - ، فصادر العرب أراضي الأغنياء التي كانت مقسمة إلى مقاطاعت إقطاعية مترامية الأطراف وكانت تزرع بواسطة مزارعين أقنان أو أرقاء ساخطين ، ووزعوها – أي العرب - بالتساوي على أولئك الذين كانوا يعملون فيها . وكان المالكون الجدد يزرعونها ويستخدمونها بحماس تام ويحصلون منها على محصول أوفر وأفضل . وجرى تحرير التجارة من القيود ومن الرسوم الكبيرة التي كانت تبهظها وتسحقها ، فإزدهرت التجارة وتطورت كثيراً ..." .

 

إن إعجاز المجتمع الإسلامي لم يقتصر فقط على قابليات النمو والإزدهار التي أوجدها في كل اتجاه ، فهو أيضاً صيغة وتركيبة استطاعت أن تصمد محافظة على أصالتها أمام أعتى القوى الغازية ، التي تمتلك أحدث آلات السيطرة ، وأمهر أدوات المحو. ففي السنغال مثلاً خرج الفرنسيون بعد ثلاثمائة عام من الإحتلال، عملوا خلاله كل ما في وسعهم لإستئصال هذا الإسلام ، بدون أي نتيجة ، إن نسبة المسلمين في السنغال هي اليوم أكثر من 90% رغم هذا التاريخ الطويل من محاولات الإلغاء والتذويب . لقد كانت صوفية أحمد دوبامبا وأشعار الشيخ الخديم أقوى وأقدر من حملات التبشير والتغريب الفرنسية المزودة بكل أشكال الدعم المادي والقوة .

 

وأكثر ما يثير الإستغراب في تاريخ هذا المجتمع هو تمكنه من الإنتصار حضارياً وهو في حالةٍ من الهزيمة العسكرية . إن هذا هو الذي حصل بالضبط في تجربة الغزو المغولي ، حينما هزم المنتصر من داخله هذه المرة بشكل غير مسبوق . ولهذا الأمر ما يشبهه ولو جزئياً حتى في أيامنا هذه .

 

2- نحن من الداخل

 

بعد هذا الإستعراض السريع لما يمكن أن يعتبر عاملاً من عوامل النهضة نأتي للتأمل في واقعنا وفي مجتمعاتنا المتغربة المستعربة .

 

نحن أولاً بقية أمة مهزومة متناثرة ، تحول أهلها إلى رسوم ديموغرافية موزعة بشكل مدروس لا تملك ولا تؤثر ، نحن إذاً نمثل خارطةً جديدة تعبر فيها رسومنا عن أشكال وتضاريس بشرية جامدة ، يتحكم بمصيرها ومستقبلها خطوط ترسم وخطوط تمحى ، نحن أيضاً نرسم ونمحى ونعطى اللون الأزرق والأحمر ليصبح اللون أقدس من قرابة الدم والتاريخ ، وذلك حينما تشاء اليد القادرة ذات الأمر النافذ في مصائرنا .

 

لقد تسربت الهزيمة إلى كل شيء عندنا ، إلى مؤسساتنا السياسية والإجتماعية والعلمية ، إلى علاقاتنا وحوافزنا ، لقد قلبت الهزيمة المعاني والقيم ، فأصبحنا نفكر بشكل منكوس مقلوب .

 
الوطن والأنظمة

 

إن وطننا لم يعد القالب العزيز الذي استعصى على الكواسر في تماسكه ، بل تحول – بعد أن أضحى لقيمات – إلى طعام للحشرات ، والملفت أن هذا التقسيم لم يقتصر على الأرض فقط بل تعداه إلى ما هو أخطر من ذلك . فها نحن نتبادل التهم ونتعادى في السراب ونفلسف في ما بيننا مقاييس فارغة بحجج تقاليدية تارة وأخرى مبدئية وثالثة ورابعة وخامسة ...

من يصدق أن وطن الأعزاء الكبار غدا لعبة على طاولة سايكس بيكو (هذه لك وهذه لي) . إمضاء واحد يفترس شعباً بأسره ، كلمة واحدة تحني مليون رقبة ، شحطة واحدة تقلب أرضاً طيبةً مسالمةً على أبنائها الوادعين الآمنين .

 

لم تعد حدودنا ذماراً مقدسةً ، بل أصبحت آثاراً تحكي عن الوطن العريق الذي أشبع تمزيقاً ، وجراحات على وجهه المرهف لم تندمل . اللافتات في كل مكان "العبور ممنوع" ، وعليك أن تفهم وحدك أن العبور الممنوع هو مصافحة ممنوعة وتواصل ممنوع ، وتخاطر ممنوع وتشاكٍ وتداعٍ ممنوعان . من أين أتت كل هذه الممنوعات هل هي من ضرورات التشكل الطبيعي المتصل بتاريخ البشر وبناء حضارتهم "حضارة التمزق والتشرذم والممنوع" .

 

ومنذ أن منيت الأمة بهزيمتها النكراء ، وأشبعت محواً كل معالمها القيمة تحت أقدام الغزاة . عادت أقطارها إلى الظهور تباعاً على خارطة الدول المستقلة ، بأطياف وألوان مستعارة ، وركب لها جميع اللوازم الشكلية لوطن مستقل ، حتى لا يكون لأهلها أي شك في حريتهم أو في إستقلالهم .

 

غير أنها اوطان ولدت على يد محتلها ، فخرجت شوهاء مضطربة ، فهي كثيرة الضجيج والحركة ، ولكن خبط عشواء على غير هدىً ، ذات شهية مفتوحة ، لا مثيل لها على الإلتقاط والإستهلاك ، وهي أكثر ما تستسيغ فتات الموائد البعيدة التي لن تتوقف عن التعلق بها في يوم من الأيام . كل ما فيها حي متوتر ، وعاطل متوقف في آن ، يتداخل فيها الموت والحياة بطريقة خاصة تزيد في غرابة هذه الخلقة العجيبة ، وتدل بشكل واضح على مهارة صانعها ومنتجها . لها قلب ينبض أكثر من المعتاد بحماسةٍ واندفاع ، إلا أنه قلب يضخ في العروق البالية دفقاً هوائياً فارغاً يفضي إلى جيوب وأوصال منتفخة تحمد الله على هذه الحياة الكريمة.

 

ولهذا كانت الأنظمة التي تحكمنا في غالبيتها قمعية إستبدادية أعيد إحياؤها بالملامح القديمة نفسها ، من الحكم بالسوط والقضاء بالمزاج وتتداول السلطة بطريقة هزلية ، والأنكى من كل ذلك أن كثيراً منها يعيش على دم غريب أسود يجري في عروقه بموجب عقد الإستعباد للأمة ونهب ثروتها . هكذا تحولت الشعوب إلى فرق من الخدم تموت من الظمأ وهي تحمل الماء على أكتافها إلى ألآفاق البعيدة .

وهكذا فقط غادرت الثروة معنى البركة والنعمة حين أصبحت تباع اللقمة في الأسواق بحفنة من ذل وحين أصبح التمرغ أدباً وفضلاً يجزى عليه صاحبه بكرامة العيش المرفه . حين صارت التخمة والجوع جاران متعانقان متنافران معاً، وحينما إزداد القصر شموخاً دون أن تحرجه الأسقف التي تترنح هبوطاً فوق جدرانها البالية إلى جواره .

 

لم تجد الشعوب الهائمة بداً من طلب النجدة من الذئب المتربص بها ، وهو الذي ينتظر هذا الموعد بفارغ الصبر :

 

لا يلام الذئب في عدوانه

إن يك الراعي عدو الغنم[9]

 

المؤسسات

 

إن المؤسسة هي الخلية الأولى التي تحبس في داخلها الساعد والهمة ، الفكر والعزيمة ، النشاط والحركة ، وهي لذلك تحبس في داخلها الأمة جميعاً وتختصر حاضرها ومستقبلها . ولهذا كانت المؤسسات دائماً هي السجل الأدق لواقع الحال ، والترجة الأمينة لما هو كامن في بواطن هذه الأمة ومدخراتها .

 

ومن الحزين فعلاً أن المؤسسات عندنا ولدت من رحم التركيبة السلطوية الحاكمة وليس العكس . إنها خرافة بناء الهرم من أعلى إلى أسفل تتحقق عندنا ، فتبني قمماً معلقة لا أساس لها ، وتريد أن نستبدل عيوننا بعيون أخرى ترى المشهد معقولاً ولا يثير أي تساؤل .

 

إن مشهد الفوضى والعبث الإداري والنوايا الزائغة ، وترهل القوانين وتخلفها ، كل ذلك جعل من مؤسساتنا خراباً تافهاً ، غير أنه لا يزال يرتفع على أعمدة ويخفي نفسه وراء قيافة مصطنعة ، يجيد تخبئة عيوبه وراء لباقته الخاصة ، ويعتني للغاية بمخارج حروفه.

 

هناك تبدأ قوالب الحثالة بالتشكل ، فالنفوس تنقبض وتتحفز لللأذى ، وتحل غصة الشؤم في القلب محل إقامتها في الأبدي ، وتفرغ علاقات الأفراد سوى من لغة التشكيك والتشفي والهتك والإيقاع وما إلى ذلك ، أما الكرامة والعزة فهما أول شمعتان تطفئهما الأيادي السوداء المتكاثرة في بداية الرحلة . إنها تريد إنساناً منطفئاً فارغاً ، يتباهى بعرض كتفيه وكثافة شاربه ، وعدد الزخارف والتحف في زوايا بيته . إنسان ينتفخ وينحني بين لحظة وأخرى ، وهو هنا وهناك مدرب متمرس يعرف كيف يقوم بدوره بكل إتقان .

 

وليس في هذا تشاؤم مأزوم ومزاعم جائرة مبالغ فيها ، فإن المؤسسات في أوطاننا لا تقوم على مقررات واضحة مقروئة محترمة ، يجتمع فيها الناس على علاقات متوازنة متعادلة ، كل عزيز في موقعه وفي عمله بحسب ما يحسنه وما يتقنه . ولو كان الأمر كذلك ، لأرتفع المجتمع بأعمدته ليحمل بنياناً متقناً جميلاً مقنعاً يجد كل فيه بعضاً من ذاته ومن حلمه . في مثل هذا المجتمع لا يهزم النور إلا النور مثله أبهى منه ، فينسحب من أمامه مقراً ومعترفاً بطريقة هادئة وسعيدة . ولا يعود في مثل هذا المجتمع أية حاجة إلى الستائر المعتمة المجرمة التي تحبس ورائها آلاف الأنوار الساطعة .

 

لكننا نشاهد في مجتمعاتنا المؤسسات المتنوعة ، (السياسية والإقتصادية والإجتماعية والعلمية وغير ذلك ) نجدها جميعاً قد ركبت بطريقة مأزومة لتتناسب بذلك مع البنيان العام.

 

التقدم والتطور

 

إذا كان التقدم يرتفع على عامود أساسي هو عامود العلم والمعرفة ، فإننا لا بد من اختبار الموقف الحقيقي من العلم والمؤسسة العلمية في بلداننا وذلك بعد تمزيق جميع الأقنعة المستعارة .

 

إننا نجد مع الأسف تخاطراً غريباً في تصريحات السياسين في طول بلداننا وعرضها توحي بنظرة استخفاف بالمؤسسة العلمية وبما تنتجه ، فهي بالنسبة لهم بئر معطلة تخسف فيها الثروة وتزهق فيها الأرقام ، ويضيع في أوردتها التي تنتفخ يوماً بعد يوم ماءاً صافياً كانت ستجترح به المعاجز في المشاريع السياسية الأخرى ذات الوعود السحرية .

 

إن رجل العلم والمعرفة يسير عندنا خلف رجل السياسة ، فالثاني صاحب فضل ، يطاع لمنته ، ويلتمس رضاه لمكانته وقدرته ، فهو الذي يستطيع بمرسوم واحد أن ينتج العشرات من حملة الألقاب العلمية العالية ، طالما أن شيئاً لن يضطر ذلك المنتج "بمرسوم" إلى نزع قبعته والتحدث بما هو تحتها . وأي شيء في مجتمع الماء الكدر الراكد يمكن أن يشير إلى النقطة الموحلة الجديدة ؟

 

ليس غريباً أن يهمش الحكم عندنا بالمرة كفاءات المعرفة والعلم ، فلا يلتمس رأياً حكيماً ولا يستهدي بأنوار معارفهم العالية ، فهو لا يستشيرهم ولا يستأنس بتعقلهم وتحليلهم . نعم ، هو يقبل بهم كموظفين محترفين يعملون في ماكنته وفق ضوابط وأهداف حددت لهم سلفاً . والملفت أن الكثير من هؤلاء ليسوا بفوق أن يتهافت على أبواب المسؤولين وأعتابهم لأجل أن يحظى الواحد منهم بحفنة من شرفٍ مستعارٍ في التعيينات والمناقلات الوظيفية والمنصبية .

 

لم يعد يشغلهم بناء وتشكيل الوعي الذي يحاسب ويسائل ويحرج في المسائلة . لقد نامت عيون النواطير من ذوي البصر الحديدي النافذ ، والمنطق الذي لا يخدع ، فإن للعناقيد حساباتٍ غير تلك التي توضع على لوح الدرس في الصفوف المختلفة.

ولو نظرنا بعيداً عن السياسة إلى ما تطرحه هذه المؤسسات العلمية وتنتجه من الأعداد الكبيرة من حملة الشهادات الكبيرة كل سنة . لا بد أننا سنشاهد بوضوحٍ الفئات الإجتماعية التالية :

 

أ‌-       الفئة الأولى : وهم الذين وجدوا أنفسهم فجأة في سوق عملٍ لا يحتاجهم وبالتالي لا يريدهم ، قد أقفل أمامهم أبوابه بأحكام ، وهم ممن لا حيلة له ولا قدرة له على السفر والهجرة . هؤلاء لم يترددوا في طرح شهاداتهم جانباً ، وانكبوا على تحصيل رزقهم بوسائل كان بوسعهم العمل بها والكسب من خلالها منذ سنين طويلة ، كالمهندس الذي يعمل سائقاً لسيارة أجرة أو أستاذ الفيزياء الذي أضحى بائعاً للخردوات ، أو أستاذ علم النفس الذي أصبح موزعاً للأدوية ، وما إلى ذلك مما يعرفه ولا ينكره كل من يعيش في بلادنا .إن هذه المهن ليست وضيعة أو معيبة بحد ذاتها لكن هذا يعبر بشكل جلي عن مستوى الفساد والفوضى التي تدفع الإنسان إلى أن يسير في دراسته الجامعية معصوب العينين محجوباً عما ينتظره في سوقه المحلي ، فهو يرتطم به ارتطاماً يبقيه مترنحاً ، تأكله الحسرة على ما أنفق في تلك السنين الطويلة.

 

ب-الفئة الثانية : وهم الفئة الذي آثرو الهجرة والابتعاد عن أوطانهم بعد أن لم يجدوا فيه عملاً أصلاً , أو أن ما هو متوفر من الوظائف العلمية لا يتناسب مع المستوى التخصصي الذي وصلوا إليه . فهم خبراء في أدق وأعقد ما وصلت إليه المعارف الحديثة ، فكيف يعملون فيما يتعاطاه مجتمعهم من الأنظمة والتقنيات البدائية . إنهم فئة نابغة إكتشفتها المؤسسة العلمية عندنا بوصفها أداة حفر وتنقيب ممتازة ، ثم ها هم الآن ينتقلون – وفق برنامج مدروس – إلى الوظائف التي تنتظرهم في العوالم البعيدة .

 

ت-الفئة الثالثة : وهم الذين مخروا عباب السوق المحلي وشغلوا وظائفه بناءاً على كفاءاتهم العلمية . وجد هؤلاء أنفسهم في مجالاتٍ لا تحتاج منهم سوى بعض الخبرة التي سوف يحصلون عليها في أيام توظيفهم الأولى . المشاكل محصورة معروفة ، والحلول مستوردة جاهزة ، وليس عليهم في هذا المجال إلا التنسق بين هذه وتلك . الأعمال أكثرها تجميعي تطبيقي أما التصميم والأبداع فهو مقتصر على فئة محدودة ممن له خبرة حرفية عالية ، ولا تتعداهم في غالب الأحوال إلى الذين يحملون شهاداتٍ تعطيهم " نظرياً" القدرة على ولوج عالم التصميم بنجاح . إن هذه الفئة تحققت أن عليها أن تطرح جانباً جزءاً كبيراً من الدراسات التي حصلتها في أيام الدراسة ، فهي حشو زائد لا علاقة له بالسوق . ذلك السوق الذي تتساوى فيه جميع الكفاءات والقدرات – حتى المزور منها – بعد أن أصبحت وظائفه مجرد تكرارٍ رتيبٍ لا علاقة له بالتفكير والإبداع .

 

ث- الفئة الرابعة : وهم الفئة – المحظوظة – الذين استحالت ألقابهم العلمية العالية إلى تحفٍ وزخارف يحتاج إليها المجتمع الفارغ لإنتاج قيافته المتقنة ، فهم في المؤسسات التعليمية والصناعية والتجارية والحزبية ، وفي كل مكان يريد أن يبدو مختالاً . إنهم فئة لا تنتج شيئاً وتعيش فقط على بريق ألقابها في مجتمعٍ يمثل الزخرف تسعة أعشاره أو ما يزيد .

 

إن استعراض هذه الفئات من مجتمعاتنا ستمكننا من الإجابة على تساؤلاتنا الكثيرة المتجددة : لماذا لا نكون أغنياء بالرغم من كثرة الغمار التي تطرحها مواسم الحصاد كل عامٍ عندنا ؟ هل أضحت فارغةً تلك السنابل المتموجة المذهبة بعد أن ذهب الخير الحقيقي بعيداً تاركاً لنا الأشكال والمناظر فحسب.

 

 

 

 القضايا الكبرى

 

لعل أكبر مؤشرات البؤس في واقعنا هو ذلك الإسفاف في ما يشغلنا من قضايا ، ولقد ذكرنا فيما سبق كيف أخذنا نتعادى في السراب ونرفع من شأن التوافه من أجل تحويلها إلى قضايا كبرى يتوقع ان تشغلنا أولاً ثم تنتقل بالوراثة إلى الأجيال المتعاقبة .

 

لقد ضيّق على القضية الفلسطينة مثلاً حتى اقتربت في شكلها ومضمونها من سائر ما يشغلنا من القضايا الأخرى ، وما اكثرها. لقد صار بالإمكان إدراجها مع أزمة الصحراء الغربية ، والربع الخالي وجزر فشة الدبل وحوار ومنطقة حلايب إلى سلسلة لا تنتهي مما يجب أن ترثه الأجيال كقضايا كبيرة .

 

لقد أبقي على الأسماء الكبيرة في واقعنا بعد أن جرّدت من كل محتوى ، فالسيادة والإستقلال عنوان معتنى به للغاية في الطقوس والمراسيم والأعلام والأناشيد وما إلى ذلك ، مبقين على خطوطٍ سوداء صغيرة تكاد لا ترى وفيها كل المعنى . فإن ورائها الحاكم الحقيقي وهي تحوي السر الذي يحرم بلوغه ولا يهتدي إلى معرفته سوى الحفنة القليلة . وبها يقلب الثناء في وضح النهار إلى أنشطة المطاردة والمحاسبة والأقتصاص والتنكيل في الليل .

 

ولا نزال نحدث بنعمة الله على ما نملكه من الثروة ونبكي عليه في آن . ها نحن نملك النفط ، وهو كنزنا الخرافي ، ولكن هل حرّك هذا الكنز ساكناً في تغيير صورتنا ؟ وهل استحالت أقفارنا إلى حدائق وجنات ؟ هل محى جهل وأميتنا وبنيت لنا المشاهد والمعاهد وسائر ما نحتاج إليه من معان كبيرة ؟ هل اختفت مشاهد البؤس ام ظلت العلامة الثابتة في عالم المتغيرات ؟ هل هذا الكنز هو ملك لنا أم أننا وإياه في جيوب الآخرين وأرصدتهم ؟ هل صحيح أن أولئك الذين لا يزالون يتدفؤون على روث الماشية ، ويضيئون لياليهم بالشموع أو بقناديل الزيت في أحسن الأحوال هم المالكون الحقيقيون لهذا الكنز ؟ أم أولئك الذين تتنافس في مدنهم ناطحات السحاب وتعادل نفقاتهم على تصنيع الوجبات الجاهزة للحيوانات الأليفة جميع ما يصرف في عواصمنا على الأمور الأساسية .

 

والتصدي لدسائس ومؤامرات الأعداء لا يزال أيضاً من قضايانا الكبرى ، فها نحن ندعو الأمة وننبهها المرة بعد المرة إلى الأعداء الذين يريدون قتلنا ونهبنا والدوس على كرامتنا . غير أن هذا لم ينفع شيءً في التعرف على العدو الذي جاء ليقتلنا وفق نتائج قلم الإحصاء وأرقام الدراسات الإقتصادية ، واستنتاجات مناهج البحث الجديدة في علم الإجتماع ، وهو قتل وافق القتيل عليه قبل القاتل ثم قام بدفع ثمن آلة القتل المستخدمة من لقمته الفقيرة ، وكانت وصيته دائماً لمن تبقى من أهله وولده بالفرار إلى أحضان قاتله والرضى عنده حياة الخدم ، والتعلم في معاهده فلسفة الأرقام والمعادلات ، واعتماد وحدة قياسه الأدق وتطبيق جداوله على أهله وربوعه وأريافه وحقوله وهوائه ومائه .

 

لم ينفعنا كل هذا الحديث الصاخب عن قدسية الدفاع في وجه الأعداء بعد أن لبست قبضة الحديد الخشنة القاسية قفازاً حريرياً ناعماً ، وأصبحت لا تهمس بسرها إلا في أذن ضحيتها ، بعد إردائها طبعاً .

 

هكذا نسخت قضية الدفاع الكبرى حينما ارتسمت على شفتي الذبيحة الحمقاء تهنئةً لحد السيف المستتر وذلك بما تبقى من رمق الحياة .

 

كثيرة كثيرة هي قضايانا الكبرى التي انقلبت إلى كلمات جوفاء نرددها صباح مساء من دون ان تحمل أي معنى أو أي جدوى .

 

 

3- خطوة الألف ميل 

 

 

إن الحديث عن المأساة مهما كان قاسياً ومحبطاً ، فهو ضروري جداً حينما يكون حديثاً واقعياً شريفاً ، وذلك أن إغماض الجفون عن وجود الخطر لا يلغيه . إن الإنسان الطامح الذي يحب واقعه ويسعى به إلى مستقبلٍ زاهر لا بد له أن يرى هذا الواقع على حقيقته قبل أن يخطو أي خطوة ، ولهذه القراءة أثر كبير يتحكم بمستوى نجاح أو فشل مسيرته . إن ستر العيوب لا يكون بالأقنعة ، بل على العكس يتم من خلال الجهد المبذول للإصلاح في أكثر أشكاله نصوعاً وبراءةً وتصارحاً .

 

ولذلك فإن القراءة حينما تكون صريحة وصادقةً ، لن تقود إلى الإحباط واليأس مهما كانت مرةً وتعيسة ، بل على العكس من ذلك ستجد الشعلة لها في مداد الألم ما لن تجده في واحات الرخاء ، وستحفز المأساة في قلب الضعف عبقريةً وعزيمةًً تضعه فوق مقاييس القوة وقوانين الشدة ، وستفتش الجوارح التي كويت تحت نار البؤس عن الأدوية ووسائل العلاج في تحرٍ هو الأدق الأعمق والأكثر صدقاً ورهافةً .

 

وأول ما سوف يتحلى به الباحث في قلب المأساة ، والمبتلي بمختلف العثرات والضياعات والإخفاقات التي تم ذكرها ، أول ما سيتحلى به هو الإقلاع عن المعتقد الفارغ بالعصا السحرية التي ستلقف كل ما لديه من المشاكل مبقية على واقعٍ لا يشوبه أية شائبة . سيجد نفسه مرتاحاً في تسليمه لقوانين التغير والتغيير في الطبيعة ، من غير أن يكترث بقصر باع مفرداته أو بتنكس أعلامه أو بخفوت نبرته . سيعمل بإصرارٍ لا عناد فيه ، وحماسٍ لا إنفعال فيه ، وحلمٍ لا خيال فيه، وعزيمةٍ لا شبهة فيها ، وانطلاقٍ لا تهور فيه ، وعنايةٍ لا جبن فيها ، سيكون قانعاً بالحقيقة فهي أكبر أسمائه وأعز ثروته وأقوى قوته ، فهو لا يخترع ولا يزين ولا يشبّه .

إن باحثاً جاداً مقتنعاً بان الحل لن ينزل بصيغة سحرية تمر مرور البرق ، بل هو هدف سيكون دون الوصول إليه الكثير من العقبات والتحديات التي لن يتم تجاوزها بغير أدوات التغيير المستلة من نفس قوانين الطبيعة بمنتهى التسليم والإستسلام .

 

إن السؤال سيصبح عوضاً عن الحل ، ما هو الطريق إلى الحل وهذ الطريق مهما كان طويلاً فإن من الممكن إجتيازه طالما ان له خطوةً أولى فما هي خطوة هذا الطريق الأولى ؟

 

1-            البناء النوعي:

 

ولو عدنا على بدءٍ وأردنا ان نصنع عوامل النهضة كما ذكرت سابقاً فلن نجد بداً أولاً من رفع متوسط النشاط ومتوسط الإجتهاد من مجتمعاتنا برمتها ، وليس لهذا سوى معنىً عمليٍ واحد وهو أن يأخذ الإنسان على عاتقه أن يفعل ذلك على مستواه الشخصي ، وذلك برفع عدد ساعات عمله والإهتمام بتحسين مستواه التخصصي عموماً ، من خلال بذل الجهد المركز ومن خلال المثابرة وغير ذلك.

 

ولسوف تشعرنا المقارنة البسيطة بين متوسط النشاط والإجتهاد لدى أعدائنا وبينما لدينا نحن بوجود فارقٍ هائلٍ ومرعبٍ يقنعنا بعبثية رفع شعارات كسر القيد في موقفٍ لم نعد له عدّته .

 

وعليه ينبغي أن لا يكون الحافز محصوراً في وظيفة عيش ، واللقمة كفاف اليوم (رغم الإيمان بتردي أوضاعنا) . لا بد ان يعبر ذلك عن صحوة أملٍ بغدٍ أفضل مشرقٍ وبنهضة موعودةٍ سوف يكون النوع والنموذج الجيد واحداً من أهم أسس نجاحها .

 

ولا بد لنا في هذا الموضع بالذات أن نناقش ما اعتبر سعياً من أجل التحسين النوعي على مدى أكثر من قرن من الزمن ، وما رافق حيازة الإمتيازات النوعية من مشكلاتٍ أعاقت السعي وحولت مساره بعيداً عن الهدف الأساسي المنشود.

 

أ- التحصيل من الخارج:

 

ليست حركة سفر الأدمغة إلى الخارج هي دائماً عملاً واعداً سيؤتي ثماره بعد حين ، بل هي أحياناً نزف موجع وعطاء بلا حساب لهذا الخارج في مقابل القليل من العوائد .

 

الطريقة التي نُستخدم بها في الآلة الغربية ، حيث نمنح أوسمة معنوية ومادية مهمة بدلاً عن حلول جزئية لناحية جزئية في زاوية من زوايا الآلة التقنية الكبرى، وهذه الخبرة المكتسبة قد لا تساوي شيءًِ بالنسبة لطبيعة مشاكلنا المختلفة جذرياً عما أسلفنا . نحن هناك لا نصنع سيارة أو قطاراً أو طيارة ، وإنما نقدم بحثاً يفضي إلى زيادة بعض المليمتراتت على صفيحة أو أسطوانة هنا أو هناك ، وذلك وفقاً لحسابات رياضية وفيزيائية تكون قد استغرقت أعواماً . والهدف من ذلك هو التخفيف من التلوث أو كسر الرقم القياسي في السرعة أو ما إلى ذلك .

 

منذ ما يزيد على المئتي عام ، تلوح الأيدي بعد الأيدي مودعةً من بدت عليهم معالم النبوغ في بلادنا ، وهو في طريقه إلى الغرب لتحقيق نفسه من خلال الكشوف الذي سوف يحرزها هنالك . حيث سيوضع ذلك الفذ الهائم ، الباحث عن نفسه الوافد من أرض اللا إنتماء ، أمام أحدث ما وصلت إليه التقنية الحديثة من المشكلات بوصفه الآلة الأمثل ، فيزهق في سبيل إيجاد حلول لها أزهى أيام العمر، ولا يعود إلى وطنه إلا خائراً منهوكاً لا يجد ما يفعله سوى تسلق المواقع الاجتماعية والتشرف بألقابه في مختلف المحافل .

 

ومما قد يزيده عن وطنه بعداً تلك الهوة الواسعة والتفاوت الهائل بين غربته التي أعطته موقعاً مميزاً في سلمها ، فهو صاحب كرسي في جامعة أو شركة ، إسمه بارز على صفحات الكثير من المجلات العلمية المميزة ، معتنى برفاهيته المادية إلى أبعد الحدود . أما مجتمعه فهو غارق في التخبط ، موازينه مختلة ، يوصد أمامه الأبواب بإحكام فلا يجد بدأ من التوسل "بأشكاله الأكثر صالو نية" بين يدي من لا كفاءة ولا قيمة له .

 

وإذا أحب ذلك المتغرب أن يكون يوماً وفياً للمجتمع الذي أنتجه أياً تكن الظروف، وأراد أن يضع جميع إمكانياته وخبراته التي اكتسبها في غربته في الخدمة ، فإن المشكلة هي أن هذه الخبرة فائض لا حاجة فيه لبلد لا يزال مترنحاً في أوليات المجالات كافة ، وإذا وجد ثم مشاريع للتنمية والتطوير , فإنها في مجملها بدايات قد لا يتناسب معها سوى الخبرة التي تولدت محلياً من خلال مكابدة نوع خاص من المشاكل ، فمساهمة الخبرة الزائدة في هذا المجال معدومة وإن كانت تسر من وجهة نظر سطحية وعامة .

 

وفي الغالب فإن هؤلاء الأفذاذ لا يتحركون وفقاً لخطة شاملة إنطلاقا من أوطانهم وهذا ما يمنع هذه الخبرات من التنسيق فيما بينها لرسم خط العودة على متن سفينة محملة بشتى الخبرات اللازمة لتأسيس مشاريع النمو المختلفة في بلدانهم . إنهم ليسوا سوى فراشات جميلة ضاعت في نور الوطن ولم تزدها عتمة الغربة إلا ضياعاً .

 

 

 

 

ب- الغزو الثقافي:

 

في الوقت الذي يجب أن يلعب فيه المثقف دوراً طليعياً في مجتمعه ، فيعكف بجدية على دراسة شؤون وشجون بلده المتنوعة ، كل في مجاله واختصاصه ، ليس له هم سوى إيجاد الحلول لمختلف المشاكل التي يتعرض لها مجتمعه ، نجد   أن الكثير من مثقفينا الذين تم إعدادهم في الغرب يتبرمون ويستحيون من دراسة ومناقشة قضاياهم المحلية ، فهم لا يثيرونها إلا بلغة التحقير والازدراء أو بلغة الذم والرفض والقدح , أو أن يترفعوا عن ذكر مثل هذه الأمور إلى ما هو أسمى في نظرهم .

 

فكتبهم تملأ الأسواق بضجيج لا قيمة له ولا جدوى منه ، فهم يبحثون حول الوجود والعدم لدى سارتر ، ولا يتطرقون إلى العدم الذي يلف أحياء أهلهم ، أزقتهم وأكواخهم في كل مكان . أو يبحثون في غزو القبائل السلافية لوسط أوروبا ، أسبابها ونتائجها ، ولا يعنيهم أبداً أن ينظروا في غزو بلادهم واحتلالها ، فهي من الأمور التافهة التي لا تناسب المقام العالي لكتبهم ، فهي أهم وأعظم من أن تتطرق لمثل هذه الأمور . إنهم يمجدون الأبطال والعظماء والرموز الوطنية في كل مكان ما عدا أوطانهم ، فهم يتحدثون عن هوشيمينيه القدوة وجان مولان المقاوم البطل ولنكولن المحرر وسواهم ، أما مجاهدوا وطنهم ورموزه فهم أقل من أن يحظوا بشرف الظهور على صفحات كتب أولائك الفلاسفة .

 

ماذا ينفع مجتمعنا إذا غرق سوقنا بكتب تبحث في الاقتصاد ما دون البيرينيه أو في سيكولوجيا الاكتئاب في البلاد المنخفضة أو ما سوى ذلك من الموضوعات التي لا تمسنا من قريب أو بعيد . أليس هو الضياع بعينه أن تكون الطليعة المثقفة غارقة في هذا النوع من الاهتمامات في مجتمع يهتز حفاوة للكلام الفارغ ، قيمة كل امرئ فيه ليس ما يحسنه بل ما يحكيه عن أخبار الأمم العظيمة في  ذلك الغرب الأسطوري.

 

لقد عُمل بهدوء للتأثير على سيكولوجية ذلك المبعد الأعزل عن وطنه وأهله في مسألة التعاطي مع قضايا أمته ، وذلك  في خلق برودة لديه تجاه هموم وطنه حتى تستحيل هذه الهموم إلى أمور نظرية عقلية بحت ، يبت فيها كما يبت بسائر القضايا المخبرية وتناقش في الصالونات والمحافل الفكرية ، وهو لذلك من أبعد الناس عن التضحية في سبيل رفع الحيف عن أمته ، هذا إذا لم يجد لدى أمته الكثير من المغالاة في الحديث عن حقها .

 

ولطالما فطن المستعمرون إلى استحالة تحويل أمة برمتها إلى عملاء ، ولذلك أخذوا يعملون بكل جدية على أن تؤدي عوامل متعددة إلى تفتيت الكرامة في داخل الإنسان وهدم سموه ورفع مستوى اللامبالاة لديه . وعلى رأس تلك العوامل التي تؤدي إلى ذلك إنشاء طبقة من المثقفين الذين فقدوا كل صلة بأوطانهم من جراء غرقهم في متاهات الغربة البعيدة ، وهم أيضاً لم يعد يشغلهم احتلال أو ظلم أو أي من هذا عن مرحهم أو لهوهم وهم على أتم الاستعداد لبيع أوطان لم تعد تساوي بالنسبة إليهم سوى بقية من أسماء وذلك في مقابل نفخ الجيوب وتلميع صورة العيش .

 

"لقد استعصى علينا الشرق قروناً ، وحينما شرعنا بتصنيع مثقفيه فتحت أمامنا أبوابه" . هذا ما قاله سارتر لدى حديثه عن الطريقة الأدهى والأمر والأكثر تقنعاً في السيطرة على الشعوب المستضعفة والمضطهدة .

 

لم يعد مهماً أبداً أن تضرم النار بأجساد وقوالب مزورة ، تحمل السمات المحلية إياها بأدق تفاصيلها ، لكنها محشوة بدم أسود غريب يحكي على لسانها وينظر بعينها ويبطش بيدها .

 

فوسائل الإبادة لم تعد ناراً وحديداً وضجيجاً عالياً ، لقد استبدلت بوسيلة إعلام تحترف التسلل إلى داخل الروح والعبث بمحتوياتها ، واستبدلت أيضاً بشاشة تعمل ليلاً ونهاراً على دفع الإنسان معصب العينين ، هائجاً مجنوناً تحت تأثير الغرائز الأكثر بهيمية ، واستبدلت أيضاً بأقلام رخيصة مأجورة ينزل عليها وحي الشيطان مرات ومرات في اللحظة الواحدة لتعبث بالهيكل الاجتماعي برمته ، وتنظر للهزيمة والتعلق والالتقاط .

 

هكذا بكى وطننا على أثمن ما يزعم أنه يملكه ، هكذا قطف الخيبة من أزهى أحلامه ، وغص بأصفى ماء لديه وطعن بأعواد براعمه اليابسة .

 

    2- الضلوع في الإهتمام بالشأن العام المحلي:

 

ذكر قبل قليل آفة الإشتغال بمشاكل الغير والنبوغ على صفحات مجلاتهم . وأعود الآن إلى جانب آخر من المشكلة وهو القعود عن المشاركة في صياغة الحدث . إن أي ضالعٍ في الإهتمام بشؤون مجتمعه العامة بصيغته الأهلية أو الحزبية او السياسية أو غير ذلك هو في عقيدتي أفضل من أي محايدٍ متفرج .

 

نعم وإلا فما هو معنى أن نقعد على الحياد وتقوم مؤسسات سياسية معينة بصياغة أحداث الكون جميعاً . أليس ذلك خضوع واستسلام في حد ذاته ؟

 

إن التهذيب والإستقامة والبراءة لا تبرر جميعها الإنكفاء أو الإنزواء على الإطلاق، إذا كانت مجتمعاتنا فاسدةً فإن المعول على هؤلاء الذين يحملون صفات الفضيلة شريطة أن يكونوا مستعدين للمقارعة والمنافسة وتحمل تبعات ذلك وإن كانت بالسجن والتعذيب والموت .

 

إن تهمة العمالة لا تفسر وحدها وبشكل دائم وصول المستبد إلى موقع التأثير المطلق في مجتمعه ، فهو أولاً لا بدّ أنه كان ضالعاً في الإهتمام بالشأن العام ، غارقاً في أدق تفاصيله ، حتى تسنى له بعد ذلك الإستفادة من العوامل الأخرى كالعمالة أو غير ذلك .

 

ويفرض هذا العنوان على المرء أن يلتزم بجملةٍ من الأمور حتى يتسنى له الإنخراط  في مشروعٍ تغييري من أول عمره إلى آخره وسنذكر هنا بعضاً منها:

 

أ- الإخلاص للهدف:

 

ويكون ذلك أساساً بعدم تحويل الإنخراط في العمل السياسي والإجتماعي إلى فرصٍ سانحةٍ يجب إنتهازها لتحقيق مكاسب وامتيازات متنوعة . حين ذلك سيكون العامل طامحاً لأجل ذاته ولا علاقة له بمعانٍ كالتضحية والبذل والخدمة والمسؤولية الحقيقة ، سيكون أيضاً سباقاً إلى اكتشاف الثغرات التي يمكن أن يتسرب من خلالها بطموحاته وهو أيضاً يعمل متملقاً على خطب ودّ مواقع النفوذ والقوة بضمير باردٍ ميتٍ .

 

والعمل التغيري مهما كانت شعاراته ساميةً ، فهو لا يلبث أن يتحول إلى مؤسسةٍ ذات شكل هرميِ تتحول فيه المواقع إلى فخوخٍ واستدراجاتٍ تحاول أن توقع من خلال بريقها بطهارة الروح لدى العامل ، فيتعثر منحرفاً عن اتجاهه الأصلي نحو اتجاه جديدٍ يسير إلى خدمة الذات في منحىً أناني تعسفي . وعليه فإن حمل ألوية التغيير لسلاح ذو حدين ، فهو ضرورة بحسب منطق الطبيعة والواقع ، وشرك لما سيشتمل عليه من صفات الإغراء المتعددة ، ولذا فإن عثرة العامل في إطار مشروع ما ستسقط ذلك المشروع على رأسه وعلى رأس كل من يعمل معه ، وذلك لن يكون نتيجةً جزائيةً بل هي في الواقع نتيجة طبيعية تنتجها القوانين النافذة في طبيعة الأفراد والمجتمعات .

 

ب- الإستعداد للتضحية:

 

يتكون في رحم هذا العامل بالذات غالبية الواقع القادم مع الغد الموعود ، ولذلك فإن الإنتماء إلى مشروع تغييري والإنخراط بتحقيق الحلم الجميل لن يكون جدياً بتاتاً بدون الإستعداد المذكور للتضحية . وليست التضحية كلمةً رومنسيةً أو طقساً من طقوس جلد الذات وهدم الأنانية وتشرفاً بالتفرد في جحد قانون الطبيعة القائم على أساس التعادل والتكافئ . إن التضحية بهذا المعنى لن تكون إذا وجدت سوى عقدةٍ تقتل نفسها بنفسها من دون أن تفتح أي بابٍ من أبواب الأمل للآخرين . غير أن التضحية اللازمة لن تكون سوى الثمن الأغلى الذي يرضى بدفعه من يسعى إلى الأكثر جودةً والأفضل قيمةً ، ففيها إذاً معنىً من معاني التبادل والتعادل على خطٍ ومستوى أعلى من المعتاد ، وكأن المضحي بنفسه بالمعنى الثاني أكثر إلحاحاً للوصول إلى ما يبتغي الوصول إليه من الهدف ، وهو لذلك أكثر جديةً ودقةً في وضع الثمن المناسب في كفة الميزان حتى يكون الرجحان لصالحه .

 

التضحية إذاً ضرورة من ضرورات التغيير لا على قاعدة أنها مبالغة في جلد الذات ، بل على أساس أنها الثمن الأدق لبضاعة وقفت نفسها للذين يطلبونها بهذا الثمن ، فتكون إذاً وسيلة الراغب وغاية الساعي وقرار الإلحاح .

 

ت- البصيرة والوعي:

 

ليس في بناء المجتمعات عنصر أهم من عنصر التبصر والوعي ، وليس المقصود بالوعي هنا هو ما يقابل بالضبط معنى الجهل ، حيث لا يكفي أن يحوز العامل على جملة من المعارف حتى ينطلق في مسيرته التغييرية بنجاح . بل الوعي هنا هو إعطاء كل معرفةٍ شكلاً فعلياً مؤثراً مستمراً ، وعليه لن يكون الجهل هو الخصم الوحيد في الساحة ، بل ستتعاون كل عناصر السلب كالهوى والمصالح الدنيئة والكسل والتبلد وغيرها لتشكل حاجزاً يعترض طريق الوعي المتجه من عالم المجردات إلى عالم الفعل والتأثير . ولن يكون من المبالغة القول أن هذا الوعي المطلوب لتوفير أساسٍ تغييري متين ، لن يستطيع أن ينأى بنفسه عن مؤثرات الواقع المطلوب بتغييره ، فسوف لن يسلم في أحسن أحواله من جملة من التشوهات التي تضطر صورته مرغمةً لحملها والقبول بقبحها . ولا يوجد هناك وعي يؤثر ولا يتأثر ، يشكل ولا يتشكل ، إلا ذلك الذي جادت به مصاريع الرحمة السماوية في مدارس الوحي عبر التاريخ .

 

 

3- التألّه

 

 

وهو العنصر الأهم في خطوة الألف ميل الأولى ، ولن نكلّف هنا هذه الأوراق سوق الأدلة الدامغة لهذه الحقيقة ، بل سنكتفي باستعراض خلاصة ما رشح من تجربة الإنسان غير المتألّه المتعبة والمتعثرة والمتداعية .

 

يقول الدكتور ألكسيس كارل : "إن علوم الكائنات الحية وخصوصاً تلك التي تتناول الكائن البشري لم تذهب بعيداً في تقدمها . "[10] . إن هذه الكلمة تأكدها التجربة البشرية ، حيث أفضى التاريخ بجميع ما اشتمل عليه من الصراعات والحروب والتقنين البشري والأنظمة المتعددة إلى واقعٍ يعيش فيه أكثر من 70% من الناس في الكون تحت خط الفقر المدقع بينما تنفرد حفنة قليلة من الناس بثروات الكون الهائلة . لقد غار إذاً أكثر البشر ـ وهذا حال كل زمان ـ في حفر الفقر والجوع وغارت معهم جميع طاقاتهم الإبداعية ، فكان أن عطّل ثلثا الطاقة البشرية على الأقل لأجل المزيد من خيلاء القلة القليلة الباقية .

 

إن مشاهدة التعاسة الشاخصة على سحنة التاريخ البشري لا تدفع إلا إلى الحكم بالإخفاق على تجربة الإنسان غير المتألّه ، وذلك من دون ترددٍ وبدون أي فلسفة أو علم كلام هذه المرة ، وليس في ما ذكر رغبة بتحقير العقل وحرمانه من أن يتربع على عرش الحضارة الإنسانية منفرداً ، لكن الواقع يؤكد أن هذا العقل الجبار في استكشاف تخوم المادة واكتناه أسرارها وقوانينها ، مربك متعثر يتأرجح في حيرته ، تحاصره نوازع البطش الغرائزي المتصل بأتفه وأحط رواسب الأنانية لدى الإنسان حينما يشرع منفرداً في دراسة ما هو غير مادي مما يتصل بالنفس والروح والمجتمعات وغير ذلك .

 

والأصعب من كل شيءٍ هو تمكن الهوى والمصالح من قلب الحقائق وتزويرها وطبعها في الأذهان على نحوٍ معكوس . هكذا كانت تعاسة الأفارقة قدراً مقدوراً بعد أن صنفهم العقل الأوروبي بالأدوات الإنسانية غير الخلاقة وغير المنتجة ، فراح يتصيدهم على سواحل غينيا والسنغال لجرّهم عنوةً للعمل والخدمة في مزارعه الشاسعة ومستعمراته المبنية حديثاً ، وكان لا بأس أن يقتل تسعة حتى يتم تصيد واحدٍ ، هكذا كان في مقابل كل مئة ألف من العبيد الزنوج تسعمئة من الضحايا البائسين . لقد كان هذا العمل الوحشي مستنداً إلى عدمٍ اكتراثٍ بكل ما لدى هؤلاء المطاردين المقتولين والمسبيين من مشاعر وأحاسيس وأواصر قربى ووشائج عائلية حميمة ، فكأن لونهم الأسود ستار دنيئ لا يمكن أن يتشرف بلف واحتضان المكنونات النفسية السامية لدى هذا الإنسان المتعجرف المتوحش .

 

إن منطقاً كهذا هو في أشد حالات تجاهل الحقائق ، حيث عرفت إفريقيا السوداء أنظمة إجتماعية وسياسية في وقتٍ كان الأوروبيون لا يزالون يعيشون حياةً متخلفة بدائية تقوم على التناحر والتخاصم بين مجتمعات العائلة أو العرق أو الجهة[11] .

لكن نزعة الطغيان الأصيلة لدى الإنسان ستدفعه إلى تجاهل الحقائق وقلب المقاييس وهدم نصب الحق من أجل أن يستقيم لها عرش السلطة والقوة .

ولهذا كله نجد أن ما يعرف بالحضارة البشرية الوضعية ، قام في النهاية بتقسيم الناس إلى أكثرية مسحوقةٍ ممزقةٍ وأقليةٍ عزيزةٍ مختالةٍ ، وهذا المشهد هو النافذة الحصرية التي يمكن من خلالها قراءة كل مفردات هذه الحضارة على صورتها الحقيقية بدون أن نقع ضحية السراب المتولد من العناية الخاصة ببريقها وزخرفها.

 

غير أن بعض نقاط الضوء كانت تستوقف الزمن وتفتح صعيد الأرض أمام أجنحة الوحي الطاهرة ، وحينما كان نورها يبرق وتخفق رايته ، كانت تحتبس ظلمة عبادة الأحجار والأنصاب والأوثان ، ويتنفس المدى المذعور بعد أن تهدم صروح البغي وأوكار التعسف ، وتقتلع من جذورها كل عادات الجاهلية الجهلاء ، وتنكس أعلام الباطل وتخبو نيرانه .

 

كانت الدنيا تتحول إلى مرابع للنعم ، فتتفجر ينابيع الرحمة في كل مكان ليرتوي منها العطاشى ويصدروا عنها آمنيين مطمئنين ، كانت ترفع دعائم العدل وترسى قيم الإنصاف ، ويعطى المعبود حقه ويوضع في موضعه من التنزيه والتسبيح ، فيتساوى الناس جميعهم تحت سماء حكومته .

 

كان الخير يتحفز وترتفع قيمه ، من الإعظام للقتل ، وإغاثة الملهوف ، والبر بالأقرب ، والرحمة بالضعيف والعاجز ، وأداء الأمانة ، وصدق الحديث .

 

كان هذا المجد يبنى رغم عظمته على أديم الأرض ، على رمله البارد الساذج ، وعلى ترابه البريء الناعم ، لم تشرئب قبابه إلى عنان السماء ، ولا ارتفعت قصوره فوق مداميك الجماجم ، ولم تبرق سيوفه المرعبة ، ولم ترعد جحافله المتسارعة الهادرة .

 

لقد كانت دولة البشرى والرحمة ، والسراج المنير ، والخلق العظيم ، والشريعة السهلة السمحاء .

 

لم تكن أبداً دعوةً لإتباع الجهل وإعلاء شأنه ، ولا إعادةً للإنسان إلى عصور الظلام المتخلفة ، بل على العكس إنها دعوة تريد للإنسان أن يقرأ وأن يسطر بالقلم وأن يتعلم ما لم يعلم ، وأن يمتلك سلطاناً يمكنه من النفاذ من أقطار السموات والأرض وأن يستخرج خيرات الأرض من فوقه ومن تحت أرجله .

 

بكلمة ، إنها دعوة تريد أن يتحرر الإنسان من كل العبوديات وأن يسلس قياده لله الواحد الذي يجد له شهادةً بينةً في كل جارحةٍ من جوارحه .

 

ولأجل كل ما ذكر ، ولغيره أيضاً ، فإن أي مسيرةٍ لا تستنير بنور الوحي وتسدد خطوتها بهديه ، فسوف تكون مسيرةً معوجةً منكوسةً تلتف على نفسها وتضيع في دوامة الجهل والقصور ونوازع الهوى ورواسب الأنانية والظلم .

 

 

في النهاية ، وبكلمةً نحن مدعوون إلى رؤية أنفسنا وصورتنا على حقيقتها بكل تشوّهاتها وعللها على أن يكون في ذلك دافع قوي يدفعنا لإعادة إصلاح هذه الصورة وتخير أجمل الخطوط والألوان لصفحتها ، وذلك من خلال البناء النوعي، الفردي والإجتماعي ، في مسيرةً تعمّر ولا تهرم ، وتصبر ولا تيأس ، يأخذ الوحي بناصيتها ويسدد خطوتها ويقوّم إعوجاجها .

 

 

 

د. أمين الساحلي

الجامعة اللبنانية – كلية العلوم

 

[1]  أنظر نهج البلاغة خطبة الشقشقية

[2]  أنظر الإسلام والغرب لروجيه غارودي

[3]  نقل كارودي هذا النص عن كتاب ظل الكتدرائية لبلاسكو إيبانيز

[4]  أنظر سيرة المصطفى نظرة جديدة لهاشم معروف الحسيني

[5]  في كتابه تاريخ لبنان

[6]  تاريخ الحضارة ول ديورانت

[7]  من قصيدة ولد الهدي لأحمد شوقي

[8]  عن كتاب الإسلام والغرب لروجيه كارودي

[9]  من قصيدة لعمر أبو ريشة

[10]  الإنسان ذلك المجهول

[11]  من ذلك مملكة الحبشة التي شهد لها النبي محمد (ص) لإقامة العدل حيث قال : (إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد)