أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> البسيط والمعقد

البسيط والمعقد

 

هل البسيط تافه لا قيمة له؟ هل يشترط في الحقائق المهمة أن تكون معقدة وبهذا المعنى فهل التعقيد هو ثوب الأبهة الذي حبته يد الطبيعة للحقائق ذات الأهمية العالية؟ أم أن التعقيد أمر مفتعل من أجل تعمية العيون ودفع الناس إلى الاعتقاد بأهمية ما لا أهمية له؟ هل الكلام المعقد، غير المفهوم، هو كلام فوق مستوى عقولنا، أم أنه كلام فارغ لا قيمة له؟ غاية ما في الأمر أن الكلام الذي لا يفهم يوحي بما لا يحوي حقيقته من المعاني، فيظن السامع أن عقله لا قبل له بجملة المعاني العالية المودعة فيه، مما يضطره إلى الإذعان والخضوع.

 

سوف نعالج هذا النوع من الأسئلة  في هذا الفصل. إن هذا الموضوع يطول وهو ذو فصول متنوعة، غير أننا نستطيع أن نثبت منذ البداية أن البسيط في إطار الفكر البشري – وخصوصاً الفكر الرياضي- يلعب دوراً ليس بسيطاً على الإطلاق. فالبسيط هو بمثابة الحصى الذي من شأنه أن يسند الخابية أو هو الحجر الذي لا يعادل شيئاً ولكنه لو نزع من محله فإن عمارة هندسية رائعة يمكن أن تتداعى وأن تتهاوى من جرّاء ذلك.

 

وإذا كان الفكر في مسيرته ساعياً وراء الصحيح والحقيقة والحلول للإشكالات المتنوعة فإنه – أي الفكر- مهتم على قدم المساواة بالصيغة التي سوف يقدم من خلالها تلك الحلول أو تلك الحقائق، إنه معني ببساطة ورشاقة الصيغة كما هو معني تماماً بصحة مضمونها ولذلك قال أحد العلماء إن أول خطوة إلى الأمام تتمثل دائماً بتلخيص وتبسيط ما قام به الماضون من الأعمال.

 

 أحياناً لا تكون الحقيقة "جميلة" إذ تظهر على شكل كم كبير من التحققات المتدرجة المرتبط  بعضها ببعض، وكلها معقدة يحتمل فيها الخطأ والعثرة والنسيان والسهو لكنها تكون على الرغم من ذلك صحيحة مستدل على صحتها بالبرهان السليم، يتناولها الفكر على شكل محطة ظرفية مؤقتة ريثما يلوح في الخاطر الصيغة الرشيقة المنتظرة. أما لماذا يعتقد أن الحقيقة هي دائماً ذات ثوب رشيق وجميل فهذا ما له تفصيل في حله في الفصل الذي خصص لموضوع الجمال. المهم أن الاعتقاد السائد هو كما بينّا أن لا محل دائم لحقائق بشعة وعليه فإن الصيغة المعقدة تعقيداً غير محبب لا تعبر عن ما تتصف به الحقائق فعلاً بل تعبر عن قصور في التصور الفكري الذي لم يعد ألواحه بعد بما فيه الكفاية لكي يتمكن من استقبال الحقيقة في صيغتها الأبهى والأحلى.

 

الرشاقة والجمال لا يعنيان البتة أن صيغة الحقيقة يشترط أن تكون في متناول النظرة الأولى، أي أن إعمال النظر وبذل الطاقة ومعاودة الفحص هي دليل على فساد الصيغة المعروضة أو على الأقل دليل على تشوهها وعدم ملاءمتها. الحقيقة يمكن أن تكون في أوج تمامها وأكثر أشكالها تناسباً وتآلفاً ولكنها تكون على الرغم من ذلك محتاجة إلى بذل مجهود عميق ومركز من أجل أن تفتح أبوابها أمام العين الذهنية الوافدة. ليس سهلاً علينا أن نضمن هذه الأوراق نموذجاً يصلح أن يكون مثلاً لنص فكري بسيط، مركز، جميل وتام ليس ممكناً أن يزاد في ترشيقه، خصوصاً إذا أردنا أن تكون في متناول القراء غير المتخصصين في مجال من المجالات، وذلك لأن الحديث العادي لا يشتمل عادة على أمثلة من النصوص التي لا تزيد على سطرين ولكنها تحمل معاني في غاية العمق لا تنكشف أمام المتتبع إلّا بعد مضي وقت من التركز والجهد والتحليل.

 

غير أننا لن نعدم وسيلة للقيام بشيء من ذلك: سوف نتحدث عن الأعداد الصحيحة وهي 1،2،3.... الآن باستطاعتنا أن نعرف مجموعات الأعداد الصحيحة وهي مجموعة من العلب تحوي كل واحدة منها على عدد – متناه أو غير متناه- من الأعداد بحيث لا يبقى مجموعة يمكن تصورها إلاّ وهي داخلة في عداد هذه العلب. الآن سوف نتحدث عن قضية فكرية في غاية البساطة ولكنها في غاية العمق في آن: تفيد هذه القضية أن هذه العلب لا يمكن ترتيبها. أي لا يمكن وضعها في ترتيب رقمي متدرج، فيقال العلبة الأولى والعلبة الثانية والثالثة  وهكذا. معنى بسيط بقطع النظر عن صحته أو عن عدم صحته. الآن سوف نضع البرهان على صحة هذا المعتقد لا في صيغته الإصطلاحية المتخصصة التي تم اللجوء إليها في فصل سابق بل في نص برهاني شديد التركيز يصلح أن يكون المثل الذي نبحث عنه: فلنفرض – محالاً- أنه أمكن ترتيب العلب وسوف نبحث عن العلبة التي تحوي على الأعداد الصحيحة غير الموجودة في العلب التي تحمل في ترتيبها هذا العدد بالذات– مثلاً ننظر في العدد 5 فإذا كانت العلبة الخامسة مشتملة على الرقم 5 أهملناه وإلاّ كان الرقم 5 في عداد هذه العلبة التي يبحث عنها. هذه العلبة التي يجب أن تكون موجودة، هي في الواقع ذات ترتيب معين أي أنها العلبة السادسة أو العاشرة أو المئة ألف أو ما إلى ذلك. وهنا لدينا احتمالان لا ثالث لهما، إما أن تشتمل العلبة على عدد يكون هو ترتيبها وإما أنها لا تشتمل. في الحالة الأولى هناك تناقض لأن العلبة لا تحتوي إلاّ على العدد الذي لا ينتمي إلى العلبة التي تحمل ترتيب يساوي هذا العدد. وفي الحالة الثانية فإن عدم حيازة هذه العلبة على هذا العدد هو الذي يلزم أن يكون هذا العدد في العلبة المحكي عنها وهذا تناقض أيضاً. الحالتان هنا اللتان لا تجتمعان لا يمكن أن تكونا قابلتين للتحقق وهو ما معنى أن العلبة لا وجود لها وهذا اعتقاد فاسد يثبت بطلان فرضيتنا بإمكان ترتيب هذه العلب.

 

النص كما نراه صغير متراص، أبوابه غير مشرعة، والولوج فيه يحتاج إلى إعمال الآلة الذهنية المرهفة، لكنه بالرغم من ذلك متناسق متآلف، يحكم الذهن بعد فهمه والولوج إلى عبابه بجماله وروعته ولا يرى في شدة استغلاقه التي تبدو لأول وهلة تعقيداً ممجوجاً وتشوهاً يحتاج إلى التبديل والتغيير. بل يرى فيه تركيبة زاخرة وتداخلاً فريداً وقيامة غير معهودة، وإذا أردنا أن نغرق في تحليل هذا النص وتركيبة مكوناته لوجدنا أن التعقيد الظاهر لا يكمن في تلفيق مرهق ودوران لا مبرر له بل هو في صميم التعريف قبل إعمال أي نظر، وإذا قلنا ذلك صار لزاماً علينا أن نفهم تعريف هذا الكائن المتخيل. وهو هنا العلبة التي تحوي الأعداد غير الموجودة في العلب التي تحملها في ترتيبها – وإن مجرد فهمنا لهذا التعريف الذكي يفتح أمامنا فرصة استيعاب التناقض الذي ترتب عليه وهو لب هذا النص والنقطة الأعمق فيه.

 

 نضرب أمثلة تعين على فهم مثلنا هذا. سوف نفترض أن العلبة الأولى وهي العلبة 1={5,10,11,17,13}

العلبة 2={70,100,311}

العلب 3={3,51,97,98,99}

العلبة 4 = {1,2,3,4}

العلبة 5= {10,20,30,40…}

…………..

الآن سوف نبدأ بالبحث عن عناصر العلبة التي نبحث عنها – لنقل العلبة السوداء – نسأل هل ينتمي 1 إلى العلبة السوداء؟ الإجابة هي نعم لأن العلبة 1 لا تشتمل على الرقم 1. وكذلك العدد 2 فهو ينتمي إلى العلبة السوداء لأن العلبة 2 لا تشتمل على الرقم 2. غير أن الرقم 3 لا ينتمي إلى العلبة السوداء لأن العلبة 3 تحتوي على العدد 3. العدد 4 ينتمي إلى العلبة السوداء، العدد5 لا ينتمي وهكذا فيتبين أن العلبة السوداء هي }1،2،4،.....{. هنا يتبين أن العلبة السوداء هي مجموعة من الأعداد الصحيحة فهي إذا علبة من مجموع العلب المرتبة سوف نفترض أنها العلبة التي تحمل رقم 79. السؤال يطرح هنا هل ينتمي الرقم 79 إلى العلبة رقم 79 (وهي العلبة السوداء)، الإجابة هنا  لا يمكن أن تكون نفياً ولا يمكن أن تكون إيجاباً وهذا هو التناقض لأننا لو قلنا نعم الرقم 79 هو عنصر من العلبة السوداء التي هي العلبة ذات الرقم 79 لوجب أن نقول أن 79 ليست في العلبة السوداء بحسب تعريفنا للعلبة السوداء تماماً كما قلنا 3 تنتمي إلى العلبة 3 إذا 79 لا تنتمي إلى العلبة السوداء. ومن البديهي أن القول أنه إذا كانت 79 تنتمي إلى العلبة السوداء فإن هذا يعني أنها لا تنتمي |إلى العلبة هو قول متناقض ساقط. يبقى الاحتمال الثاني أن نقول أن 79 لا ينتمي إلى العلبة السوداء ذات الرقم 79 في هذه الحالة وبحسب التعريف السابق ينبغي أن يقال أن 79 هي عنصر من العلبة 79 وهذا تناقض أيضاً. ماذا تعني هذه النتيجة؟ إنها تعني بلا شك أن مجرد افتراض إمكانية ترتيب العلب يوصلنا إلى تناقض ساقط في الاعتبار العقلي.

 

إن هذا مثل على نص صغير لا يتجاوز الثلاثة أسطر من الاستدلال الرياضي البرهاني فائق الدقة  يحمل دلالة واضحة على جمال خاص من دون أن يكون في متناول النظرة الأولى، وبموجب ذلك يفيد هذا المثل أن سلالة هذا البرهان وحلاوته لا يمكن الوصول إليهما إلاّ بعد إعمال جهد ونظر وفي هذا فائدة أكيدة في عدم اعتبار أي صعوبة تعقيداً مفتعلاً لا لزوم له.

 

متى يكون التعقيد طبيعياً ومتى لا يكون؟ هذا السؤال هو الهاجس الطبيعي الكامن وراء ولادة نظرية رياضية حديثة معروفة باسم نظرية التعقيد “complexity”.

 

وقد وضعت هذه النظرية درجة من التعقيد لكل مشكلة هو عبارة عن رقم معين تحدده طبيعة المشكلة والرقم الذي يمثل كمية المعطيات. فإذا أردنا مثلاً أن نعرف إذا كان العدد "ن" أولياً فإننا لسنا بحاجة إلى أكثر من "ن" عملية لكي نتمكن من معرفة ذلك وذلك بأن نتحقق أن العدد ب لا يقسم العدد ن وذلك لكل الأعداد ب الذي هم أصغر من ن وعددهم ن -1 . ولهذا تسمى هذه المشكلة: تحديد ما إذا كان عدد ما أولياً أم لا مشكلة بسيطة بمعنى أن عدد العمليات المتوقع لحل هذه المعضلة ليس عدداً كبيراً، المشكلات البسيطة هي بحسب التعريف المشكلات التي تتطلب عدداً من العمليات لا يزيد على ن أو ن2 أو ن3 ....ون هو عدد المعطيات في هذه المشكلة.

 

غير هذا النوع من المشكلات يسمى مشكلات معقدة، إلى هنا لم تقم نظرية التعقيد بأي عمل برهاني استدلالي أوصل إلى فائدة خاصة. هناك نوع من المشكلات الرياضية التي لا نعرف حتى الآن ما إذا كان بالإمكان تصنيفها كمشاكل بسيطة، وذلك لأننا لا نملك عدداً محدداً يعبر عن عدد العمليات المتوقعة لحلها. ولكن نعرف أننا نستطيع أن نحسم ما إذا كان مقترح ما هو حل أم لا في حالة خاصة، من خلال عدد بسيط من العمليات (أقل من  ن ، ن2 ، ن3..) ويكون عدد الحالات الخاصة التي ينبغي فحصها (وهذا الفحص هو مشكلة بسيطة كما ذكرنا) ضئيلاً بمعنى أنه أقل من ن أو ن2 أو ن3 أو ما إلى ذلك.

 

فهل هذه المشكلات هي مشكلات بسيطة أم لا؟ فلنسمي هذه المشكلات بالمشكلات البسيطة جزئياً هنا يكون قد حان الوقت للإشارة إلى المساهمة المهمة التي قدمتها نظرية التعقيد إلى الإستدلال الفكري عموماً، لقد برهن على وجود مشكلات بسيطة جزئياً سميت التامة لأنها مشكلات لو ثبت أنها بسيطة فإن السؤال المذكور آنفاً يحل بالإيجاب: جميع المشكلات البسيطة جزئياً هي بسيطة. وقد تجاوز عدد المشكلات التامة التي قد تم اكتشافها حتى الآن الآلاف نذكر منها الأمثلة التالية:

1.    مثال محطات القطار التي يربط بينها سكك حديدية: هل يمكن لقطار أن ينطلق من محطة معينة ويعود إليها بعد أن يكون قد عبر كل المحطات الأخرى (مرة واحدة فقط لكل محطة). هذه المشكلة هي مشكلة بسيطة بمعنى أن أية شبكة مؤلفة من عدد من المحطات (ن محطة) يمكننا معرفة الإجابة على السؤال السابق من خلال عدد بسيط من العمليات (أقل من ن، ن2، ن3....)، فإن كل المشكلات البسيطة جزئياً ستصبح بسيطة.

 

2.    مثال جمهور من الناس: هل يمكن وضعهم في ثلاث غرف بحيث لا يعرف أحد أحداً في كل غرفة.

 

 

3.    مثال جمهور من الناس: هل يمكننا جعلهم يقفون اثنين اثنين وكل زوج منهم مؤلف من رجلين يعرف أحدهما الآخر.

 

هذه أبسط الأمثلة عن المشكلات الكاملة التي يؤدي البت بأي واحدة منها إلى البت في عموم المشكلات البسيطة جزئياً. وهناك العديد من الأمثلة التي تصبح أكثر تخصصاً في مجالات رياضية مختلفة لهذا النوع من المشكلات. التعقيد يمكن إذاً مقاربته في إطار نظرية رياضية متكاملة لها أسسها وقوانينها ومبرهناتها غير البديهية كأية نظرية أخرى، وربما عزز هذا الاعتقاد بأن التعقيد ليس قدراً مجهولاً بل أمر يمكن وضعه في الميزان من أجل تصنيف المشكلات في طبقات معينة.

 

بعيداً عن هذا فإن التعقيد في صيغه المفتعلة المصطنعة لعب دوراً ولا زال في مختلف صنوف الأنشطة الاجتماعية، فهو أولاً قناع ممتاز يمكن أن يتستر خلفه كل جاهل بعيد عن فهم واستيعاب الحقائق لكنه مصمم على الظهور والبروز على شكل عالم متجرد، فهو يرغب أن تذل له الرقاب من خلال حديث بالغ التعقيد لكنه فارغ لا قيمة له وقد نجد هذا في التعليم والسياسة والتربية والتجارة وفي جميع حقول الحياة، ففي كل مكان يمكن أن نجد من يختبىء خلف قناع التعقيد من أجل أن يعطي انطباعاً خاطئاً عن حقيقته وعن عمله وثقافته، التعقيد إذاً أداة فعّالة في يد الجاهل القاعد زوراً في مقام العالم، يستطيع من خلالها أن يبدو على غير صورته الحقيقية، وهذا التعقيد المشاهد في كل مكان لا يمكننا أن نضرب مثلاً عليه في هذه الأوراق بخلاف ما ستتم الإشارة إليه، وذلك لأن هذا النوع من الكلام يتفق المتكلم والسامع ضمناً على نبذه وطرحه أما المتكلم فلأنه لا يؤمن به وأما السامع فلأنه لم يفهمه وبالتالي لم يرق له هذا الكلام ولم يرتبط به، فهو لم يحل به عقدة فلسفية أو اجتماعية او اقتصادية أو تقنية، إنه كلام يمر كما يمر الطنين الذي يرهق الأذن من شدة الطرق بدون أن تفتح له الأبواب لأنه لا معنى له. فهو لذلك لا يحفظه ولا يعنيه أن يقوم على تدوينه ونشره وتعميمه.

 

التعقيد أيضاً يمكن أن يكون أيضاً قناع الإبداع الأدبي أو الفني المزيف، في هذا النوع من التعقيد يلجأ الكاتب أو الشاعر أو الرسام أو النحات إلى تقديم ما لا معنى له على صيغة نص (فني) يوحي بأن له معنى عميقاً لا يصل إليه إلاّ من يمتلك حساً مرهفاً راقياً، فأنت إذا لم تفهم شيئاً من أدبه وأنت تسمعه أو تقرأ له عليك هز الرأس إعجاباً بهذه المعاني التي لا تفهم لشدة سموها وعلوها، أما إذا كنت صادقاً مع نفسك أميناً مع أحاسيسك ومشاعرك وقلت أنني لم أفهم شيئاً مما يقال أخذت بك الألسن اللاذعة ورمت بك في حفرة الازدراء والمهانة، فأنت ذو فهم وضيع، ولا قبل لك بهذا النوع من الإبداع، وهكذا تعود أدراجك تائباً عن مواجهة هؤلاء (خصوصاً من كان ذا اسم لامع ساطع) مطأطئ الرأس أمام ما لا يفهم لشدة فنه واتقانه.

 

والغريب أن بعض هذه النصوص المطلسمة لبعض الأسماء العالية تحظى بعناية الدارسين والنقاد والشراح إلى درجة لا تصدق، فإذا بهذا النص المستغلق المعجم تنسب إليه المعاني الجميلة الرقيقة ويبدأ الشارح بسرد ما استنبط من هذا النص فيتحدث عن معاني لا رابط البتة بينها وبين ما تم ذكره. كثيرة هي الأمثلة التي يمكننا إيرادها على هذا النوع من التعقيد الذي لا يسفر عن أي معنى بعد ذلك ولكننا سوف نعفي هذه الأوراق من تتبع هذا النموذج لأنها لا تهدف إلى ذلك.

 

أما النوع الأخطر من أنواع التعقيد المفتعل، فهو النوع المستعمل في الحقول الفكرية لا سيما الفكر الديني لأجل خلق هالة سماوية على قائل يتعذر فهم ما يقول لأن الوحي ينطق على لسانه، فهو إذا غير البشر، أعلى من البشر ولذلك فإن من الطبيعي أن ينطق بلغة غير مفهومة، وهو بذلك يستطيع بناءً على هذه الرابطة أن يكون الآمر المطلق والمطاع تحت طائلة غضب السماء، وهو لذلك يتحكم بالبلاد والعباد فيقاسمهم حياتهم وأرزاقهم ومائهم وأولادهم، إنه حبل السماء والممدود إلى الأرض لا ليأخذ بيد الضعيف والملهوف ليرفع عنه الشدة والمحنة بل ليكون السوط الموجع على ظهور الناس حتى يتقربوا إلى الله بشدة انحنائهم لهذا المتكلم باسم الوحي.

 

لم يكن الإنحراف نوعاً واحداً عبر التاريخ، فانحراف خدمة المعابد ليس مشابهاً لانحراف السرّاق واللصوص وإن كان متحداً معه في الخواتيم والنتائج. انحراف هؤلاء يبدأ بمحاولتهم لاستبدال مفهوم  "المسألة" بمفهوم "السر" في فكر الناس الديني، فبدلاً من أن يكون الفكر الديني مبنياً على أسس ومبادئ عقلية متاحة لجميع الناس وهو بالتالي قادر على تعلم سائر عناوينه بوصفها مسائل تتفرع على هذه الأسس، يصبح الدين مجموعة من الأسرار لا تفتح أبوابها إلاّ لمن اختصّه الله لذلك وهؤلاء هم حصراً من يحق لهم الإتصال بالسماء وهم الوكلاء الحصريون لشؤون الوحي، ولذلك فإن علاقة الناس بالسماء يجب أن تمر عبرهم فرضى هؤلاء وحملهم على الأكتاف وتعليم الأولاد والأحفاد ضرورة خدمتهم وخدمة جميع ورثة هذا الدم المقدس هي القربة العظم التي يجب التقرب بها. إن استبدال المسائل بالأسرار هو الذي أقنع الناس بشراء أذرع لها في الجنة وهو الذي حكم على العلماء والدارسين والمفكرين بالكفر والزندقة وأقام لهم أعواد المشانق وأوقد النار بهم أحياءً في أعتى وأقسى مشاهد عرفها التاريخ البشري.

 

بدلاً من أن تكون أدلة هذا الفكر وأمثلته هي الأكثر لصوقاً بحياة الناس ومشاهداتهم كالجمال والسماء والحيوان وما إلى ذلك، من أجل أن تكون الأمثلة الأوضح والأدلة الأعم لنقل الناس إلى قناعات ومعتقدات عالية، أخذ هذا الفكر يلوك نصوصاً ملتفة بطريقة عبثية لا تؤدي إلى أي شيء سوى إرهاق هذا العابد المسكين بالمزيد من الأسماء والمصطلحات والعبارات الجليلة (بعبثها) من أجل أن يأتي منبهراً  طائعاً إلى بيت الطاعة والولاء.

 

يمكننا أن نذكر أسباباً متعددة لاستعمال التعقيد المفتعل في حياة الإنسان الفكرية والإجتماعية والاقتصادية، في عمليات الخداع الإحتيالي المالي وغيره، كما أنه – أي التعقيد- قيافة أكيدة لازمة في حياة الملوك والأمراء الذي لا همّ لهم سوى توطيد حكمهم بقطع النظر عن صحة أو عدم صحة ما يقومون به، فللكلام المطلسم غير المفهوم مهابة وهالة في نفس السامع، وليس أدل على ذلك مثل ما نشاهده في الغناء الأوبرالي، فإنه إلى الآن يقدم بلغات قديمة ميتة لا أحد من الحضور السامعين يفقه منها حرفاً واحداً وذلك لإضفاء الطابع المجسطي المهيب على هذا اللون الفني، وهو ما يمكن التحقق منه، إن الفرق في التفاعل النفسي سوف يكون واضحاً بعد أن يقوم أحدهم بترجمة ما قاله المغني في هذه القطعة، فإذا هو كلام عادي في متناول اليد، بعد أن يكون السامع المنفعل مع جو الغناء الأوبرالي قد نسب إلى الكلام صفات عالية لا تطال.

 

وسواء أكان التعقيد مفتعلاً مصطنعاً أو كان طبيعياً، فإننا معنيون بدراسة مواطن هذا التعقيد والأمور المؤثرة فيه ولو بشكل مجمل، فالتعقيد لا يأتي في الممارسة الفكرية جزافاً لا سبب له ولا يطوف كيفما اتفق في سائر مجال الكلام الاستدلالي المتسلسل، يمكننا أن نوجز الحديث في النقاط التالية:

 

1.    التعريف والهيأة: رأينا في المثال السابق كيف يمكن أن يكون التعقيد في أصل التعريف والهيأة أي قبل القيام بأي استدلال، أي أن هناك بعض التعاريف تكون في ذاتها معقدة غير قابلة للفهم بسهولة وهنا تكون الصعوبة وصفية في فهم تصميم هذه الهيأة وتركيبها. فتعريف الحديد سهل على الفهم والاستيعاب بالمقارنة مع تعريف الفوتون الضوئي، وتعريف المساحة ليس شيئاً أمام تعريف السرعة اللحظية وهكذا. غير أن هذا لا يجب أن يعني أن الصيغ التي تعبر عن هيأة واحدة هي متساوية من جهة بساطتها أو تعقيدها وقد تحدثنا في فصل الخيال عن إمكانية تقديم الواحد الصحيح في صيغ أخرى قد تصل في تعقيدها إلى درجة لا تصدق. أحياناً ينبع تعقيد الهيأة  من عمق الفكرة المعرفة وأحياناً يكون التعقيد ناشئاً عن كثرة المكونات وأحياناً أخرى يكمن التعقيد في كثرة الشروط التي يجب الالتزام بها إلى كثير مما يمكن أن يكون سبباً في إنتاج هيأة معقدة عصية على الفهم والاستيعاب.

2.    التصور: أحياناً لا تكون مرآة الفكر صافية مصقولة ، ولذلك لا تبدو الصور خلالها واضحة بينة، وهذا ما ينعكس تعقيداً على البيان الوصفي الذي سوف يعبر عن هذه الصورة البادية عبر مرآة الذهن غير الصافية. هناك فرق بين أن ترى العين وجهاً واضح  المعالم أو بين أن يقال إنني أرى أذناً وأنفاً وعينين وفماً وخدين وما إليه فيستنتج السامع أن العين ترى وجهاً، وكلما ازدادت الصورة تفككاً واهتراء في نظر الرائي كلما صعب الحديث عنها أكثر وتعقد الوصف أكثر. ولهذا التعقيد في الوصف والبيان تأثير فوري على مقدار الاستفادة من هذا الكائن المتصور أو من هذا المفهوم المستجد. من ذلك مثلاً مسارات الكواكب، فإن هذه المسارات تنطبع في الذهن من خلال تتبع المواقع المتلاحقة التي يحتلها هذا الجرم من خلال المشاهدة بالمنظار أو بالعين المجردة. التصور الأولي يقول أن هذا المسار ليس هو خطاً مستقيماً أو دائرة، إنه مسار أشبه بشكل البيضة نطلق عليه اسم الشكل الإهليليجي. لكننا بعد التقدير نكتشف أن هذا الشكل هو مجموعة النقاط التي تبعد عن نقطتين محددتين مسافتين يمثل جمعهما قيمة ثابتة. ولهذا التصور الرشيق الجميل ترجمته الفورية حيث سيمكننا أن نعيد رسمه بدقة عالية إذا أردنا ذلك على ورقة أمامنا: إن هذه الدقة في التصوير ليست سوى تعبير عن الدقة والسلاسة في التصور ولو بقي التصور مشوشاً لبقينا نعبر عن هذه الأشكال تعابير تقريبية متخيلة. ما نتحدث عنه على مستوى الصور والأشكال يصح أيضاً على مستوى المفاهيم والتعاريف وهذا ما يبدو واضحاً حينما نستعرض التفاوت في صيغ التعبير عن المفهوم الواحد ولذلك قيل أن العلم نور يقذف في الصدور وأكثر ما يصح هذا القول في فقرة التصور الأولي للتعاريف والمفاهيم. ولهذا نقول إن نوعاّ من التعقيد ينشأ عن التصور الباهت والمهتز لمفهوم معين في فكر ما، ويصبح عقدة أمام فهم واستيعاب القارئ أو السامع لهذا الفكر أو دارسه.

 

3.    اللغة: المشكلة تنشأ على مستوى اللغة حينما تصبح المفردات مضطرة للتعبير عن ما لم توضع له أو عن مستوى من الدقة لم يكن مأخوذاً في الحسبان حينما وضعت في أصولها عند أهلها. فاللغة – أية لغة – توضع مفرداتها في الأصل للتعبير عن المشاهد والأشياء المحيطة وتؤلف الجمل الأولى للتعبير عن معاني تفي بالمعاملات البسيطة للمجتمعات الأولى "فالفقير" هو الرجل قليل المال، من دون أن تضع المفردة الحد الذي يفصل بين فقير وغير فقير. وكذلك مفردة قوي أو ضعيف ، مرتفع منخفض، وافر، قليل  أو كثير وما إلى ذلك. في كل هذه المفردات ذات الدلالة اللغوية الواضحة هناك حدود ملتبسة تخلق تعقيدات ومغالطات مربكة. وقد فصلنا الحديث عن ذلك في مورده الخاص في إطار دراسة الإستقراء الرياضي. غير أن اللغة أيضاً تطرح مشكلة حينما ترغم على تركيب الجمل الاستدلالية التي لا تروق للمنشأ الأصل لهذه اللغة، فنحن حينما نقول أن نقيض العلة ليس علّة لنقيض المعلول نشعر بصعوبة وتعقيد في هذا المفهوم ونحسب أننا سوف نصل إلى حقيقة المعنى بشق النفس، لكننا عندما نقف على هذا المعنى لا نجده بالغ التعقيد كما حسبنا، وكل ذلك ناشىء عن عدم طواعية اللغة التي وضعت في ظروف البيان والوصف والمعاملة المباشرة البسيطة، فإذا أرغمت المفردات على الإصطفاف في طوابير الكلام الاستدلالي، لم تطع كما ينبغي بل أخذت تبدي بسببه لغطاً وشذوذاً. المعنى خلق عقداً وقيوداً مفتعلة وغير ضرورية. ولهذا فقد كانت البراهين الأولى بالغة التعقيد عسيرة على الفهم والإستيعاب ومعناها لا يتم إلاّ من خلال صفحات وصفحات من الجمل المرهقة المتعبة. ولذلك فقد وجد الفكر الرياضي نفسه مضطراً إلى استبدال اللغة العادية في عمله البرهاني بلغة رمزية بسيطة، وهنا بدا سلساً سهلاً قريب المتناول ما كان يبدو غليظاً مستعصياً حينما أعيدت كتابته بلغة الرمز المبسطة. الجملة السابقة مثلاً سوف تصبح في لغة الرموز:  (p                 وهي جملة رمزية يستطيع الدارس فهمها بسهولة وهو في مرحلة مبكرة من دراسته.

بإمكاننا اليوم أن نستدل بسهولة على أن بعض الأعداد الجذرية ليست أعداداً كسرية ولكننا لو رجعنا إلى مخطوطة الخازن في القرن العاشر مثلاً لوجدنا أن النصوص المعدة لذلك على درجة عالية من التعقيد لأنها أرادت أن تستعمل لغة الناس العادية في الكلام الاستدلالي فأدى ذلك إلى هذا التعقيد الإضافي الذي هو ليس من أصل تعقيد الفكرة بالذات. غير أن اللغة الرمزية لا تلغي تأثير استعمال اللغة الذي لا بد منه ولو جزئياً. بل قللت منه، ولهذا التعقيد اللغوي محل في كل كلام فكري استلالي عميق، ففي الفلسفة برز ذلك واضحاً إن على صعيد المفردات ومشكلة الثنائية بين معانيها الأصلية ومعانيها الإصطلاحية وإن من جهة تشكيلها في قوالب استدلالية لم تعتد عليها.

من هنا نخلص إلى القول أن استعمال اللغة العادية أمر لا بد منه في نمو أي فكر ولذلك نؤمن أن بعض التعقيد – المشروع- يمكن أن يأتي من ناحية الإضطرار لاستعمال هذه اللغة مع ما تفرضه من التعقيدات، غير أن هذه التعقيدات يمكن التقليل منها دائماً من خلال استبدال الصيغة القديمة بصيغ أكثر اصطلاحية وأكثر طواعية للعملية الاستدلالية البرهانية.

 

4.    الربط والبعد عن البداهة: يتألف البرهان الذي يمارسه الفكر البشري من  مجموعة من النقلات انطلاقاً من البديهي وصولاً إلى النتيجة المراد برهانها. ولذلك كلما كانت الرحلة ما بين البديهي والمبرهنة أطول كان هذا البرهان أعسر وأصعب، وليست البساطة في صيغه المبرهنة دالة بالضرورة على بساطة البرهان كما رأينا في مثال الألوان الأربعة وكذلك لا يكفي التعقيد في صيغة المبرهنة وهيأتها للدلالة على طول البرهان وتعقيده. إذاً الكثرة في عدد النقلات اللازم القيام بها في برهان ما هي عامل أساسي في عوامل ببساطته أو تعقيده، وقد يختصر الطريق البرهاني من خلال تقليل عدد هذه النقلات فلا أحد يستطيع أن يدعي حصرية الطريق الذي سلكه في صياغة برهانه، فالأبواب مشرعة دائماً أمام من يريد محاولة اختصار برهان فكري ما. غير أن النقلة الواحدة قد تكون بمفردها عاملاً حاسماً لتعقيد البرهان أو لبساطته وذلك أن النقلة الواحدة لها تعقيدها الخاص بها، وهنا يمكن يقال أن النقلة برمتها يمكن استبدالها بأخرى ولكننا لو اضطررنا إلى استعمالها، فإننا حينها لا يمكننا التقليل من مقدار من الصعوبة خاص بها. فنحن حين نقول: كل إنسان يموت ويوسف إنسان ثم نستنتج من ذلك أن يوسف يموت، إنها نقلة برهانية صحيحة بسيطة تفهم بسهولة، لكننا لو قلنا أن رجلين كانا يتسابقان في ميدان دائري فبدأ القوى يتقدم على الأضعف إلى أن عاد والتقى به بعد أن أتم هذا الأضعف دورته العاشرة ثم نستنتج منه أن الأقوى قد أتم أحد عشرة دورة، فإننا هنا أيضاً نقوم بخطوة استنتاجية واحدة لكنها  ليست في نفس مستوى السهولة للنقلة السابقة وكذلك يمكننا أن نعطي مثلاً آخر لأمور أكثر صعوبة من أجل التأكيد على هذه النقطة، من أجل أن نخلص في النهاية إلى التسليم بأن التعقيد الفكري – المشروع – يمكن أن ينشأ عن عدد النقلات الاستدلالية ولكن ليس هذا فحسب بل في محل نقلة برهانية مقدار من الصعوبة والتعقيد خاص بها لا يمكن تلافيه أو التقليل منه في معرض البحث عن السبل البسيطة والسهلة للوصول إلى نتيجة.

العالم يمكن اكتناهه بسلاسة، هكذا قال أحدهم، وقد عبر هاردي أن لا محل دائم لاستدلال يشع. فالحقيقة يجب أن تصاغ بسلاسة ويجب أن تكون بسيطة جميلة رشيقة. بسيطة لا بمعنى التفاهة بل بمعنى السلاسة التي تميزها. والميزان في تمييز التعقيد المشروع من غيره يجب يعمل بحساسية فائقة، وإلاّ كان النمو الفكري مهدأ بعلل قد تؤدي إلى انزلاقات أممية مؤذية، ولذلك يمكن القول أن ظاهرة الفكر تحمل في طياتها قابلية لتمكين آفات كثيرة من الحلول وأخذ المواقع والفتك والتعطيل إنها ظاهرة تستطيع أن تحتضن ما يمكن أن يودي بها وأن يذهب بها بعيداً عن دروب الحق وغاياته البعيدة.