أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> التعميم

التعميم

 

التعميم نقلة مهمة وأساسية في حركة الاستدلال الذهني، نقلة تعبر بالفكر من المعاينة المحدودة إلى المشاهدة الإستنتاجية غير المحدودة. تسمى هذه النقلة في علوم المواد بالإستقراء وتبدأ من مشاهدة لحالات محدودة في سبيل الانتقال إلى المشاهدة اللامحدودة للحالات الخارجة عن جوارح الإنسان وحواسه، فهو يستطيع أن يشاهد هذا الماء وهو يغلي على درجة حرارة معينة وذاك الماء وذاك الماء، فيحكم  بناء على ذلك أن الماء الموجود في الصين سوف يغلي إذا وضع على درجة الحرارة تلك. ولقد اشتغل الفكر البشري طويلاً بحثاً عن التبرير المنطقي المقنع لهذه النقلة خصوصاً أنها نقلة ترتب عليها تكوين أكبر المعتقدات العلمية المعاصرة، واستند إليها في القيام بالمهام التاريخية الكبرى من غزو الفضاء إلى وضع الأقمار الإصطناعية وما إلى ذلك. إنها النقلة الأساس في تكوين الرؤى العلمية وقد بحث بعضهم على أنها ركيزة في تكوين العقيدة الإيمانية الغيبية أيضاً. وقد قدم كل تفسير لهذه الظاهرة البشرية البديهية المحيرة ومن الطبيعي أن تتفاوت الأنظار حول هذه المسألة وأن تتعاكس وتتضارب. وأن تبقي هذه المسألة محل أخذ ورد.

 

في الفكر النظري المجرد النقلة التعميمية تحتاج إلى برهان في تسيير الأمور من العام إلى الخاص وإن بدا أنها تسير من الخاص إلى العام بحسب الظاهر: فالطريقة الإستقرائية غير مبررة في التفكير الرياضي المجرد كما أسلفنا، ليس مقبولاً فحص واختبار عينة ضيقة وحمل صفاتها بطريقة تلقائية إلى ما بعد حدودها. ومن الأمثلة السهلة على ذلك مضروبات العدد 6. فإذا زعم أحدهم أن كل عدد من مضاعفات الستة وهو عدد غير أولي يصبح أولياً إذا أضيف له واحد أو إذا نقص منه واحد، وبلغة الرموز فإن العدد 6n+1 أو العدد 6n-1 هو عدد أولي بالنسبة لأي عدد صحيح  n.

 

سوف نبدأ بعملية الفحص:

 

n

6n+1

6n-1

نتيجة

1

7

5

 

2

13

11

 

3

19

17

 

4

25

23

 

5

31

29

 

6

37

35

 

7

43

41

 

8

49

47

 

9

55

53

 

10

61

55

 

 

النتيجة إيجابية حتى العدد عشرة وهذا يعني أن الإختبار يصح حتى العدد عشرة، وهو سوف يصح أيضاً حتى العدد عشرين وحتى العدد ثلاثين. هنا سوف يولد في الذهن ميل نحو التعميم على القاعدة الإستقرائية نفسها المعتمدة في علوم المادة. غير أن هذا التعميم سوف يصطدم بالواقع الذي لا يؤيد هذه الفرضية. وأول مرة سوف تكون فيها نتيجة الإختبار خطأ هي عند العدد n = 36 وليس قبل ذلك حيث أن :    6x36+1=7x43  و 6x36-1=5x31     وكلاهم غير أولي.

هناك أمثلة رياضية أخرى أكثر تشويقاً لا يظهر فيها الخطأ إلاّ بعد القيام بأكثر من مئة مرة متتالية، وهي  أمثلة تثبت أن الإنتقال الإستقرائي متعذر في القضايا الذهنية النظرية, والبرهان فقط هو صاحب الحق الحصري بإحراز هذه النقلة. إن التجربة يمكن أن تصح على مئة عينة ألف عينة أو حتى مليون عينة بدون أن تكون صحتها العامة محرزة. وهذا فارق جوهري في مسألة التعميم في علوم  المادة وفي العلوم النظرية البرهانية. يمكننا هنا أن نذكر فائدة مهمة وهي أن هذا الإختبار على الأعداد الصغيرة الذي وإن تكررت صحة نتائجه فهو لا يفضي بحال إلى اعتقاد عام مستدل عليه لكنه يفضي إلى مفهوم لعب دوراً محورياً في تطوير الأفكار الرياضية وهو مفهوم "التخمين" أي الإعتقاد المحتمل بصحة فرضية ما. فقد ساد اعتقاد على سبيل المثال منذ ما يربو على أربعة قرون أنه لايوجد ثلاثة أعداد صحيحة a,b,c بحيث يكون:

a3+b3=c3  (1)

يكون جمع مكعب عددين منهما مساوياً لمكعب العدد الثالث. منذ ذلك الحين والاختبار لا ينفك يؤيد هذه الفرضية، خصوصاً بعد أن دخل الإنسان في عصر الحاسوب وصار بالإمكان إجراء هذا الإختبار على عدد مهول من الأعداد، غير أن الجزم بصحة الفرضية بقي غائباً إلى أن حان وقته في العام 1995حيث قام أحدهم بتقديم برهان تام على صحة هذا المدعى من خلال برهانه لما هو أشمل من ذلك. كلما اتسعت رقعة الإختبار كلما ضعف احتمال أن تكون الفرضية خطأ، لكن أحداً لا يستطيع نفي وجود أعداد ثلاثة كبيرة للغاية تحقق العدالة (1) أن يقوم البرهان الإستنباطي التام بهذا الدور. إن هذا لا يعني أن كل ما يصح على حفنة من الأعداد الصغيرة يتحول إلى تخمين رياضي،  التخمين كما يقوم على اختبار عينة من الحالات الخاصة لا بد له أن يرتبط أيضاً بحدس لدى الباحث الرياضي, سوف نتحدث عنه في إطار فصل الخيال, ليحول إلى تخمين يشغل البال الرياضي لفترة من الزمن. إن أهمية الدور الذي لعبه مفهوم التخمين الرياضي يمكن أن يرى بوضوح من خلال إحصاء بسيط لما آل إليه أمر هذا التخمين منذ القرن السابع عشر وإلى يومنا هذا، إن عدد التخمينات التي لم تصح هي نسبة ضئيلة للغاية مما بان صحته, ولو كان لي تخمين هذه النسبة لقلت أنها لا تتجاوز الواحد بالمئة غير أن المؤكد  هو أنها نسبة ضئيلة لا تذكر.

 

هناك رياضيون اشتهروا فقط من خلال التخامين – لا البراهين - التي قدموها والتي تثبت صحتها بعد عشرات السنين. إذا التجربة والإختبار على العينات البسيطة لا يصبح عملاً بلا فائدة في إطار التفكير البرهاني الإستدلالي بل هو أمر كبير الفائدة لا لأنه يفضي إلى تعميم بل لأنه يفضي إلى تخمين يصبح هدفاً لبحث رياضي طويل دؤوب. وقد يقال هنا أن الدور كل الدور هو للبرهان للذي يمكن من الجزم والقطع إذ أن التخمين كلام مظنون يمكن لأي أحد أن يقوله بدون أي قيود ولا أية عبقرية. غير أن الحال ليس كذلك لأن العمل البرهاني لا يقوم على استبعاد كل الاحتمالات الفاسدة في مسألة من المسائل من خلال اختبارها واحداً واحداً لكي يصل إلى صحة احتمال أخير لم يعد منه بد. إن البرهان لا طاقة له على استيعاب الحالات الفاسدة المحتملة لأنها فوق حد الحصر لما لا يخفى, ولذلك فهو يتوجه من رأس إلى إثبات صحة فكرة ذهنية معينة يقدمها له الحدس الرياضي المستفيد من اختبار بعض الحالات الخاصة، ولهذا فإن تسعة أعشار المشكلة أو ما يزيد هو في معرفة ما الذي يجب البرهان على صحته لا في البرهان نفسه مهما بدا الأمر على العكس من ذلك.

 

نعود إلى الإستقراء الذي نمارسه في إطار العلوم الطبيعية وهو كما قلنا يفضي إلى اعتقاد بقوانين يقينية مبني على معاينة واختبار عدد من الحالات الخاصة. كقانون تمدد الحديد بالحرارة وقانون اللوالب وقوانين الكهرباء وما إلى ذلك. غير أن هذا اليقين المدعى يعاني من ثغرة في جدار تكوينه، فهو لا يستطيع أن يبرر قفزته تلك من الخاص إلى العام أمام منطق رياضي محكم. ولتقريب الفكرة سوف نطرح المثل التالي: فلنتخيل أننا وضعنا أمام طفل كومة من الحجارة الطبشورية وراح يلهو ويعبث برميها على لوح أمامه. بعد وقت من الزمن المتداخل سوف نحصل على مجموعة من النقاط البيضاء على اللوح متفرقة أو متصلة. المتصل منها يرسم خطاً متعرجاً شديد الفوضى. لو نظرنا الآن إلى البيت الشعري القائل:

 

        لسان الفتى نصف ونصف فؤاده              فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم.

 

من جهة كونه خط متعرج ونقاط متفرقة، فإنه تصبح في دائرة احتمال أن ينجم عن رشق هذا الطفل على اللوح مهما قيل ومهما نظر, لن يستطيع أحد أن يعدم هذا الكسر الإحتمالي الضئيل لحدوث هذا الأمر. غير أننا لو مررنا ورأينا هذا البيت من الشعر مكتوباً على اللوح فإننا سوف نقرر يقيناً أن بدأ آدمية هي الذي خطت ورسمت ولن نكتفي بذلك بل سوف نتعداه كثيراً للحديث عن مواصفات دقيقة لذاك الذي كتب هذا البيت، فهو يقيناً إنسان ذو عمر لا يقل عن كذا وذو ثقافة واسعة ودراية بالإنسان وبالحياة وذو شاعرية مرهفة، كل هذا نستخلصه مما وجدناه ماثلاً أمامنا على اللوح، ولو قال أحدنا إن هذا الشعر يحتمل أن يكون قد نشأ وتكون من خلال طفل عابث كان يلهو برشق الحجارة على هذا اللوح لوصف بالجنون والخبال، لكن كلامه منطقي جداً ومعقول جداً، فما الذي دفع الإنسان هنا إلى تجاهل هذا المنطق واستبداله باعتقاد يقيني مزعوم ذي خلل واضح في أساسه؟

 

لقد ضرب الفكر الفلسفي منذ أرسطو  في كل اتجاه لإيجاد تفسير وتبرير لهذا الأمر، واستعان على ذلك بكل الوسائط والوسائل، غير أن هذه الطفرة في الفكر الإستقرائي بقيت شائكة وعالقة خصوصاً بعد أن انتقل الاحتمال من مجرد كونه فكرة وصفية ومفردة ذات دلالة محدودة إلى حساب رياضي له أسسه ومسلماته وقواعده الحسابية والإستدلالية، ونحن نورد هنا نبذة مختصرة خفيفة عن هذا المنحى الرياضي بغية تقديم صورة واضحة وجلية عن الموضوع.

 

لقد وضعت الأسس الأولى لعلم الإحتمال للإجابة على تساؤلات المقامرين وهو أمر يبدو منطقياً جداً قبل أن يصل الإقتصاد إلى صورته المعقدة الحالية وقبل أن تستند الحركة المالية المصرفية إلى النظر في مصالح احتمالية متنوعة. أما الحاجة إليه في القمار فيمكن إيضاحها كما يلي: لو دعي أحدنا إلى لعب القمار من خلال الرهان على عملة نقدية تقع في كل مرة على صورة أو كتابة، أو من خلال لعبة ثانية وهي الرهان على أحد أوجه النرد الستة، فإننا حتماً سوف نختار اللعبة الأولى وسوف نقول قبل ولادة علم الإحتمال أن حظنا في الربح في اللعبة الأولى متعادل مع الخصم، أما في اللعبة الثانية فإن للخصم علينا رجحاناً بنسبة 5 إلى 1، أي أن النرد لو سقط على أي وجه فإن الرهان سيكون لصالح الخصم إلاً إذا سقط على وجه واحد مخصوص وهو ما يعني أن خمسة أوجه هي لصالح  الخصم ووجه واحد فقط هو لصالحنا. هذا الفرق الواضح بين هاتين اللعبتين لا يحتاج إلى تاسيس منحى رياضي جديد للكشف عنه إنه واضح بديهي بدون أدنى تأمل.

 

ماذا لو خيرنا بين أن نلعب برمي القطعة النقدية أو أن نلعب لعبة ثانية أكثر تعقيداً. اللعبة تقوم على سحب عشوائي لثلاث طابات من وعاء يحتوي على أربع طابات بيضاء وثلاث حمراء، وسوف نفوز إذا كانت الطابات المسحوبة اثنتان منها بيضاء وواحدة حمراء. فأي واحدة من اللعبتين نختار؟ الإجابة على هذا السؤال متعذرة في إطار المفهوم الوصفي للإحتمال، بمعنى أن الإنسان العادي الذي يمكنه ببساطة الحسم أن اللعبة الأولى هي الأفضل، لا يمكنه بأي حال أن يميز ما هو أنسب بالنسبة له وذلك أن حظ ربحنا في كلا اللعبتين متقارب جداً فهو بعد تطبيق قواعد حساب الإحتمال 0.5 في الأولى و 0.51 في اللعبة الثانية أي أن اللعبة الثانية أرجح لكن بفارق رقمي يساوى 0.01 وهو مقدار لا يمكن أن يبين على سلم الوصف غير المرقم. من هنا بدا وبشكل واضح وجوب تأسيس علم لتمييز الإحتمالات على قاعدة إعطاء كل احتمال قيمة رقمية خاصة به, ويؤدي هذا إلى الإنتقال من مفهوم الاحتمال كوصف إلى مفهوم الاحتمال كرقم وتوضع لهذه الأرقام مسلمات ذهنية مشتقة من المنطق الأولي البديهي الذي يحكم تفكير الإنسان وهو يعالج المسائل الإحتمالية، يؤدي كل هذا إلى نشوء حساب جديد هو حساب الإحتمالات، ويمكن تلخيص مسلمات هذا العلم كما يلي:

 

1- مجموع القيم الإحتمالية   لكل الأحداث الممكنة يجب أن يكون واحداً صحيحاً.

 

2- إذا كانت الاحتمالات متعادلة من وجهة نظر تحليلية – وصفية – فيجب أن تكون قيمها الاحتمالية متساوية.

 

ينشأ عن هذه المسلمات قاعدة مركزية في حساب الاحتمالات وهي تصح في حالات معينة، وتنص أن قيمة احتمال حدوث حدث معين هو كسر مكون من عدد الحالات التي يحصل فيها هذا الحدث مقسوم على عدد الحالات الممكنة:

        قيمة احتمال الحدث = عدد الحالات الملائمة / عدد الحالات الممكنة.

 

مثل: إذا رمينا النرد فما هو احتمال أن نحصل على عدد أولي؟ فنقول أن الحالات الملائمة هي أن نحصل على العدد 2 أو 3 أو 5 فهذه هي الأعداد الأولية ما قبل ستة، عددها إذا 3. وبما أن الحالات الممكنة هي 6 فتكون قيمة الإحتمال هي  3/6 =1/2 .

 

مثل آخر أكثر تعقيداً هو مثل اللعبة المقترحة ذات الطابات البيضاء والحمراء فإن عدد الحالات الملائمة هو 18 أما عدد الحالات المحتملة هو 35 فتكون قيمة الإحتمال هي 18/35=0.514... وهو ما يزيد قليلاً عن احتمال الحصول على صورة أو كتابة في رمي القطعة النقدية.

 

هناك قواعد وعلاقات يمكن أن تعرف أو تستنتج انطلاقاً مما ذكر من المسلمات كقاعدة احتساب قيمة احتمال الحدثين المتزامنين أو كقاعدة الإحتمال المشروط.

 

كما تطور بعد ذلك هذا العلم وأصبح واسعاً حيث دخلت فيه الدالات الرياضية وحسابات التكامل والتفاضل وهو علم ما يزال ينمو ويتفرع باطراد حتى يومنا هذا.

 

وإذا كان مبرر ولادة علم حساب الإحتمال هو البت في الاحتمالات المتقاربة فإن نظرياته ونتائجه قد تجاوزت هذا بكثير, فلقد أصبحت ركناً من أركان التفكير الفيزيائي النووي ووسيلة لا غنى عنها في دراسة علوم المال والإحصاء والاقتصاد.

 

غير أن حساب الاحتمال قد يؤدي كغيره من العلوم إلى عثرات ذهنية مؤذية، ولذلك لا بد من الحذر من الحدس الخاطىء الذي قد يخلقه لدينا. وقد طرحت أمثلة على ذلك نذكر منها هنا ما عرف بمغالطة سمسون: سوف نتخيل أننا بصدد القيام بتجارب إحصائية لمعرفة فعالية دواء معين بالنسبة للرجال والنساء. الطبيب الأول قام بتجربته في المدينة الأولى فوجد أن 45% من الرجال الذين أجريت عليهم التجربة قد انتفعوا من هذا الدواء بينما لم تظهر على الباقي معالم الفائدة أما بالنسبة للنساء فإن 43% فقط من الذين خضعن للتجربة ظهرت عليهن آثار الفائدة. وهو ما يعني أن الدواء أفعل بالنسبة للرجال منه للنساء بحسب الطبيب الأول.

 

أما الطبيب الثاني فقد جاءت نتائجه مؤيدة للطبيب الأول حيث ظهر في مدينته أن 67% من الرجال قد تأثروا إيجاباً بهذا الدواء كما تأثر إيجاباً ما نسبته 64% عند النساء. هنا سوف لن نتردد بالإعلان أن الدواء أنجع وأفعل بالنسبة للرجل منه للمرأة.

غير أن التدقيق المستند إلى أسس حساب الإحتمال يثبت أن هذا الإستنتاج خاطئ وان الحقيقة هي على العكس تماماً مما نعتقده، ولكي نفهم هذا سوف نقوم بتقريب الصورة من خلال المثل التالي: سوف نضع أمام رجل طاولة عليها صندوقان أبيض وأسود، في الصندوق الأبيض 50 طابة من الفضة و60 طابة من النحاس، أما في الصندوق الأسود فإن عدد الطابات الفضية هو 30 بينما عدد النحاسية هو 40. إذا كان له أن يسحب طابة واحدة إما من الصندوق الأبيض أو السود، فماذا عليه أن يختار حتى يكون احتمال خروجه بطابة فضية أعلى وأكبر. احتمال أن الطابة الفضية المسحوبة من الصندوق الأبيض هو 50/110=5/11 (أي ما نسبته حوالي 45%) أما من الصندوق الأسود فهذا الاحتمال هو 30/70 =3/7 (حوالي 43%) وهو ما يعني أن الصندوق الأبيض هو الأرجح بالنسبة لهذا الرجل إذا أراد أن يفوز بطابة من الفضة. سوف نضع الآن أمامه طاولة ثانية عليها أيضاً صندوقان أبيض وأسود، في الأبيض 60 طابة من الفضة و30 نحاسية وفي الأسود 90 فضية و50 نحاسية. هنا أيضاً احتمال خروج طابة فضية من الصندوق الأبيض هو 2/3 (%)بينما هو في الأسود 9/14 (%) أي أن الصندوق الأبيض هنا أيضاً هو الأرجح.

لو قمنا الآن بخلط الصندوقين الأبيضين  في صندوق واحد (أبيض) وكذا فعلنا بالصندوقين الأسودين. فإن اختيار الرجل للصندوق البيض هنا أيضاً ظناً منه أنه الأوفر حظاً سوف يكون عملاً غير موفق لأن عدد الطابات الفضية في الأبيض هو 110 والنحاسية 90 أما في الأسود فالفضية 120 والنحاسية 90، وهو ما معناه أن الاحتمال في الأبيض هو 11/20 بينما في السود 12/21 وهو ما يثبت أرجحية الصندوق الأسود. ببساطة نحن هنا أيضاً أمام حدس خاطئ يشد بنا إلى اعتناق فكرة خاطئة من خلال جعلنا نعتقد أن دمج هاتين الفكرتين كلاهما واضح سوف يكون واضحاً أيضاً وهو حدس خاطئ وقد أدى فعلاً إلى الوقوع في أخطاء في حوادث واقعية لا افتراضية متخيلة فقط (1).

 

وإذا كان الحديث عن حساب الاحتمالات في إطار تفسير فقرة الإستقراء من الخاص إلى العام فإن من المهم الإشارة إلى أننا لا نشارك الرأي من يعتقد بإمكانية القيام بهذا التفسير على قاعدة حساب الاحتمالات ولن ندخل هنا في نقاش تفصيلي لهذا المدعى؟ بل سوف نعمد ببساطة إلى النظر السطحي فيما يحفل وفيما لا يحفل الذهن البشري به من القيم الاحتمالية، حيث تنبع هذا الذهن في نشاطه الإستدلالي في مراحله التي تسبق الإعتقاد، فإنه يتدرج في قوة احتمال صحة فرضية معينة إلى أن يصبح احتمال خطئها قليلاً جداً حينها يقوم هو بإعدام لاحتمال غير معدوم – من الناحية الرياضية – في لحظة يراها مناسبة، ليقوم بنقل جملة معينة من هيئتها الاحتمالية إلى هيئتها اليقينية، فيكون اليقين هنا ثمرة تسلسل – منطقي – ارتقائي في سلم الاحتمالات يتلو ذلك صدمة تنشأ فجأة تقضي بحسم الموقف قبل أن يكون قد حسم فعلاً من خلال إعدام ما تبقى من احتمال معاكس، وذلك يسفر عن بلوغ الذهن مرتبة الاعتقاد اليقيني. هذا الموقف المستثنى من سياقه المنطقي هو الذي يمكن من العبور من مرحلة الاحتمال إلى مرحلة اليقين، لكنه في عمقه موقف لا مبرر له. إن الذي يمكن أن يقوم به حساب الاحتمالات هو إيضاح موقع هذا الموقف أو هذه الصدمة على بيان الاستدلال المنتقل من مرحلة اللاعلم واللاإعتقاد إلى مرحلة الإعتقاد اليقيني. بإمكانك أن تقول إن هذا الموقف يحصل عادة عندما يصبح المقدار الاحتمالي صغيراً إلى درجة لا تصدق، يمكنك أن تضع أرقاماً أو أن تجري مقارنات معبرة مع ما عمله الذهني في شتى صنوف استدلالاته الفيزيائية وغيرها. غير أن شيئاً واحداً سوف يبقى عصياً على التفسير والتبرير وهو هذا الإعدام المفتعل المتعمد.

 

من هنا يبدو أن هذا الكون الذي نعيش فيه يقوم على بديهيات رياضية لا تقبل الزحزحة، فإذا قلنا أن جمع زوايا المثلث يساوي 180 درجة فإن أي شكل هندسي يكون جمع زواياه مختلفاً عن 180 درجة لا يكون مثلثاً البتة حتى لو كان هذا الجمع هو 179.99 درجة، لكن هندسة هذا الكون تعطي للبديهيات الفيزيائية بعض الهوامش، ففي مثل الشعر المكتوب على اللوح كان يجب أن يقال أن الراجح جداً أن تكون يد بشرية – بمواصفات معينة – هي التي قامت بكتابة هذا الشعر، لكن بالبديهية الفيزيائية جاءت لتقطع يقيناً أن الذي قام بكتابة هذا الشعر يد بشرية بمواصفات معينة.

 

إن كل قوى الدنيا لا تستطيع أن تقنع الذهن أن هناك شكل هندسي جمع زواياه ليست 180 درجة ومع ذلك فهو مثلث، لكن الذهن لن يصاب بأي التواء إذا وضع أمام مشهد طفل يقذف اللوح بأحجاره الطبشورية فينشأ هن ذلك شعر جميل يضاهي أجمل الأشعار. سيصاب بالحيرة بالدهشة الشديدة لكن ما يشاهده لا يخرج عن دائرة معقولاته. إنه معقول عجيب، نادر الوقوع ولكنه ليس مستحيل الوقوع.

إن للبداهة العلمية – غير الرياضية – إذاً مدى تتحرك فيها لكن هذا المدى يقع ضمن حدود يتعذر تشخيصها، إن ترسيم هذه الحدود هو من قبيل القبض على ما أسميناه بالحقائق الشاردة الهاربة التي يسهل التداول بها ولكن يصعب تعريفها واعتقالها. لكل بديهية مدى ، ونحن نؤمن بوجود هذا المدى من خلال الفارق الملموس بين قربنا وبعدنا عن البديهة. فاللوحة إذا كان خطوطاً متعرجة وألوانا عبثية، سهل القول باحتمال أن تكون هذه اللوحة ناشئة عن صدفة واتفاق كما يحتمل أن تكون يد عاقلة هي التي قامت برسمها، لكن هذه اللوحة إذا حملت رسماً بشرياً متقن التصوير استبد الاعتقاد بضرورة أن تكون يد بشرية هي التي قامت برسمها. كلما أقر به الرسم من تصوير متقن عن المشهد الفوضوي كلما ذهب الفكر نحو الإعتقاد بأن يداً عاقلة هي التي قامت بالعمل. فالفكر هنا أشبه بعربة تسير في خط معين في بداية الرحلة (حيث المشهد خطوط عبثية) لا تحمل هذه العربة أي اعتقاد معين، وفي نقطة متقدمة من الرحلة ( حيث الوجه المتقن) نجد في العربة حمولة اعتقادية يقينية تحكي عن اليد العاقلة، الفاعلة. والسؤال هو في أية نقطة بالتحديد حمل الفكر هذا المعنى اليقيني على درب الرحلة، السؤال يبدو معقولاً ومنطقياً: عربة انطلقت فارغة من بغداد وصلت محملة إلى القاهرة، إذا لا بد تكون قد أخذت هذه الحمولة من مكان ما على الطريق. غير أن الإجابة على هذا السؤال مربكة للغاية، أن هذه النقطة لا وجود لها!

 

إن هذه المسألة الشائكة تندرج ضمن ما عرف لدى اليونان الأقدمين بمغالطات السوريتس وهي مغالطات يمكن أن تتمثل بأشكال متعددة، ومن أبرز الأمثلة عليها مثل العلبة المملوءة بالرمال. الإمتلاء أياً يكن معناه لن يتغير إذا أخذنا منها حبة رمل واحدة، لكنه سوف يتغير حتماً إذا أخذنا حفنة من الرمال وهو مقدار معين من الحبات لنقل مثلاً 1023 حبة. العلبة إذا سوف تبقى ممتلئة إذا أخذنا منها حبة رمل واحدة لكنها لن تبقى كذلك إذا أخذنا منها 1023 حبة فعند أي عدد من الحبات ننتقل من الإمتلاء إلى عدم الإمتلاء.

 

هذا العدد كما هو معلوم لا وجود له، فمتى يمكن أن يؤدي أخذ حبة رمل واحدة من علبة ممتلئة إلى جعلها غير ممتلئة، إن هذا مستحيل حقاً غير أن هذا يتناقض مع مبدأ بديهي من المبادىء التي تقوم عليها مجموعة الأعداد الصحيحة بها عدد هو أصغر من الجميع.

 

يمكن شرح هذا المبدأ القائل: كل مجموعة، الأعداد الصحيحة بها عدد هو أصغر من الجميع. ويمكن شرح هذا المبدأ من خلال المثل التالي لنفرض أن مجموعة من البطاقات المرتبة أمامنا على الطاولة بعضها فوق بعض. هذه البطاقات بعضها أبيض اللون وبعضها أزرق. سوف نفترض أن البطاقة الأولى هي بطاقة بيضاء والأخيرة هي زرقاء. مبدأ العدد الأصغر يعطينا الحق بالقول أن هناك بطاقة بيضاء تتلوها مباشرة بطاقة زرقاء وهذا أمر بديهي واضح حيث أن الثانية إذا كانت زرقاء فسوف نكون قد صدقنا زعمنا، أما إذا كانت هي الأخرى بيضاء نمضي قدماً عبر البطاقات إلى أن نصل إلى أول بطاقة زرقاء وهذا الوصول مضمون لأننا سوف ننتهي ببطاقة زرقاء في نهاية المطاف.

 

 أن هذا المبدأ - مبدأ العدد الأصغر الواضح السهل البديهي – ذو فعالية خاصة في إطار البرهان الرياضي، وبإمكاننا أخذ فكرة عن ذلك من خلال المثل التالي:

دخل رجل إلى مكان به عدد من الأشخاص، وكلما تناول منهما اثنين وجد أن أحدهما على الأقل على علم باسم الآخر تساءل ما إذا كان بالإمكان أن يرتب الحضور في "طابور" كل يعرف اسم الذي يقف أمامه. إن مبدأ العدد الأصغر يمكنه أن يثبت إمكانية هذا الترتيب وسوف أترك للقارىء الكريم عناية التحقق من ذلك وسوف يعطي هذا المثل صورة وافية عن عمل من المبدأ ودوره في حركة البرهان الرياضي في المسائل المختلفة.

 

إذاً إذا كانت الحبة الواحدة لا تغير شيئاً و 1023 حبة تغير، فإن العدد الأصغر يجب أن يفرض وجود العدد الفاصل بين التغيير وعدمه فما باله لم يقم بهذا الدور هنا  في مثالنا.

 

في الحقيقة إن جميع هذه المغالطات ناشئة من الخلط بين مبادىء الرياضيات المتواصلة والرياضيات المتقطعة حيث يعمل مبدأ العدد الأصغر عمله. هنا إذا انتقلنا من الواحد إلى الخمسة فإننا حتى الإثنين لا نكون قد وصلنا إلى العدد ثلاثة إذاً  "هو العدد الذي لا يساوي ثلاثة ولكنه متبوع؟؟ مباشرة بالعدد ثلاثة". 1-2-3... لكن لو أردنا العبور من واحد إلى خمسة في إطار الأعداد الحقيقية (الرياضيات المتواصلة) فهنا لا وجود للعدد الذي لا يساوي ثلاثة ولكنه متبوع بالعدد ثلاثة بلا فارق بينهما. وللمزيد من الإيضاح فقد ضرب مثل اليرقة التي سوف تصبح بعد مضي ثلاثة أسابيع فراشة تامة. لقد قاموا بالتقاط صور لهذه اليرقة بشكل متواصل على مدى الأسابيع الثلاثة بمعدل 20 صورة في الثانية، الصورة الأولى طبعاً هي صورة يرقة والصورة الأخيرة هي صورة فراشة، ولكنه مع ذلك فلا وجود لصورة يرقة متبوعة مباشرة بصورة فراشة وهذا ناشئ عن صيغة التحول التدريجي المتواصل الذي لا حصر لمنازله، بين أية منزلتين عدد لا متناه من المنازل وهذا ما جعل من تطبيق العدد الأصغر أمرً متعذراً.

 

اليقين إذاً هو امتلاء بمعنى من المعاني وقد نشأ عن تراكم معطيات، كل منها حبة تضيف قيمة احتمالية جديدة ولا وجود يمكن تشخيصه لحبة الفصل بين الاحتمال واليقين. وربما كان هناك فارق جوهري أيضاً بين رحلة الفكر من الشك والاحتمال إلى اليقين وبين مغالطات السوريتس المتمثلة بعلبة الرمل الممتلئة وهذا الفارق هو أن حفنة الرمل أو علبة الرمل مؤلفة حقيقة من عدد متناه من الحبات وأن الذي منع من تطبيق مبدأ العدد الأصغر هو طبيعة التعريف الملتبسة لكلمة مليء  وقد بحثنا مشكلة هذه الالتباسات في التعريف وما تؤدي إليه لدى معالجتنا لموضوع الاستقراء الرياضي في فصل سابق فلتراجع هنالك. أما اليقين فإنه يعبر عن امتلاء لعناصر لا يمكن حصرها نمت على خط الأعداد الحقيقية أي يتزايد متدرج لكميات لا يمكن إحصاؤها إلى أن وصل الأمر إلى حد اليقين.

 

إنها عمارة الكون إذا تقضي أن يكون اليقين العلمي ذا حدود غير معلومة وغير مشخصة، فلا أحد يستطيع أن يحدد القيمة الاحتمالية التي يقرر عندها الذهن بإهمالها والانتقال إلى المساحة اليقينية ولا أحد يستطيع أن يفسر هذه النقلة ولماذا تمت في هذه النقطة أو تلك.

 

إنه شيء يثير الاهتمام، لماذا يكون اليقين العلمي – بخلاف اليقين الرياضي – ذا ظلال وهوامش؟ اليقين الرياضي يؤدي تعطيله إلى الإطاحة بالعقل وتعطيله فوراً، يعني أنه يؤدي إلى هدم الإنسان من خلال  تعطيل أهم ما فيه وهو إدراك. أما تعليق اليقين الفيزيائي فهو بخلاف ما ذكر ممكن في إطار عمل الذهن البشري، أي أن الذهن لا يجد في استحالة في أن يكتب قرد يعبث على آلة كاتبة قصيرة تضاهي قصائد المتنبي سوف يكون مشدوهاً نعم، متعجباً نعم، ولكن قياسه الذهني وموازينه العقلية لن تتعرض لأي خلل، وهنا يمكننا أن نقول أن عمارة الكون قد تركت محلاً للمعجزة، فشفاء من لا شفاء له أو إحياء ميت أو نار لا تحرق أو ما إلى ذلك لا تمثل جميعها سوى فورة وهبة احتمالية شديدة الضعف كانت نائمة ومغيبة، نتيجة لذلك فإن الطفل الذي يرشق اللوح بالحجارة فيكتب بذلك أجمل قصيدة هو معجزة ولكنها لا تصادم الموازين العقلية وإنما تصادم المألوف والمعتاد.

 

في خلاصة هذه الفقرة أن الانتقال إلى اليقين في الاعتقاد يأتي دائماً مشوباً بقيمة احتمالية مخالفة أهملت وأبعدت عن الحسبان  لشدة ضعفها وهزالها وهو ما يجعلنا ننطلق بعيداً في اعتماد هذا المنهج في حركة الفكر والانتقال من الطبيعة إلى ما ورائها كما إنه يعطي للمعجزة طابع الإمكان – بقطع النظر عن التحقق – وأن المعجزة بإمكانها – لمن يتاح له الوصول إليها – أن تكون فقرة للحياة الموزونة العاقلة لا استخفافاً بها وانتهاكاً لمقاييسها، وهي بالتالي يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً في بناء الاعتقادات الصحيحة والمتزنة.

 

التعميم والتشابه: التشابه فخ مميت قد يوقع الفكر في تعميم خاطئ يجره إلى معتقدات فاسدة في مجالات شتى علمية واجتماعية وقانونية. قد اعتقد الأطباء منذ وقت بعيد أنه لا يجوز تعميم العلاج الناجع في حالة معينة إلى جميع الحالات المشابهة، ولذلك كانوا يقولون ليس هناك مرض وإنما هناك مرضى وهو ما معناه أن المرضى  هم حالات متشابهة وليست متماثلة حتى يكون تفاعلهم جميعاً مع المرض بطريقة واحدة وهو ما معناه عدم جواز اعتماد التعميم في هذه الحالة.

نحن في قولنا هذا الماء يغلي على درجة حرارة 100 وذاك الماء كذلك وذياك أيضاً يكون لنا الحق في التعميم الذي يقول أن كل ماء يغلي على 100 درجة وليس لنا الحق في التعميم الذي يقول أن كل سائل يغلي على 100 درجة هو ماء. إنه تعميم خاطئ يفكر في تحويل الاتحاد في الخصائص إلى اتحاد في الهويات وهو ما يحدث عند القيام بالتعميم في الحالات المتشابهة غير المتماثلة، حيث يمكن أن يشترك سائلان أو أكثر في ميزة الغليان على 100 درجة بدون أن تكون هذه السوائل من مادة واحدة أو من نوع واحد المهم هنا هو التركيز على أن التشابه مهما بلغت درجته لا يضع تعميماً صحيحاً وذلك أن الفارق مهما كان ضئيلاً فإنه يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالمعنى المطلوب تعميمه.

 

إن هذا التشابه الذي يسول لنا القيام بتعميم خاطئ يأتي عادة مستتراً في ثياب الاستدلال، وربما احتاج اكتشافه إلى إعمال نظر دقيق ومركز فهو لا يأتي مستقلاً واضحاً بل مختبأً مزيفاً. ولذلك لا يجب التقليل من أهميته خصوصاً عندما يمرر بصوته الخافت مراداً فاسداً وسط ضجيج الأفكار المتعاكسة واحتدام الاستدلالات المتضادة.

 

يمكننا أن نستعين بعدة من الأمثلة فلو وضعنا ميزاناً لقياس الحرارة على سرعة معينة وهو عرضة للهواء فإن درجة الحرارة سوف تتدنى كلما ارتفعت هذه السرعة وفق قواعد محسوبة، وهذا ما يصدقه الجسم البشري، حيث أن الإنسان سوف يشعر ببرودة واضحة إذا كان راكباً على دراجة هوائية أو نارية أكثر مما سوف يشعر به وهو سائر على الطريق. كلما ازدادت السرعة كلما تدنت درجة الحرارة هذا هو التعميم الذي سوف نستنتجه من هذه التجارب غير أن هذا التعميم خاطئ لأن البرودة المحسوبة على السرعات المجربة لم تكن سوى تشابه في الحالات يخبئ عنصراً مستتراً وهي كمية من الحرارة المنبعثة من جراء احتكاك الجسم بالهواء وهي حرارة لا تؤثر مطلقاً أمام عوامل التبريد الحاصلة من جراء الحركة والسرعة، غير أن هذه الحرارة سوف تنمو ويزداد تأثيرها مع ازدياد السرعة إلى أن تصبح هي الغالبة ولكن السرعة التي نحتاج إليها لذلك كبيرة جداً، خرج النطاق التجريبي المحدود وقد تصل هذه الحرارة مع السرعات الفضائية إلى مراتب قياسية، إذ يكفي لتبين ذلك أن نعلم أن مركبة الفضاء حينما تعود إلى الأرض وتصطدم بغلافها الجوي فإن درجة حرارتها من الخارج تصل إلى 1600 درجة مئوية وهي حرارة لا يمكن تصور أنها ناشئة عن اصطدام الهواء اللطيف العليل بها.

 

كثيرة هي الأمثلة التي تشير إلى أن التعميم يمكن أن يكون فاسداً إذا بني على تشابه محدود، وهذا الإشكال غير محصور بالقضايا العلمية الفيزيائية أو الكيميائية بل إنه يمكن أن يصيب اي تفكير أو تحليل بشري في الصميم في المجالات الاجتماعية والسياسية وما إلى ذلك، وفي هذه المجالات فإن لدى الإنسان ميلاً غريباً للقيام بعملية التعميم الخاطئة: هذه العائلة جميع أفرادها فاسدون أو هذا البلد ليس فيه إنسان واحد صالح أو ما إلى ذك من التعميمات التي نسمع من حولنا وهي في الغالب تكون قائمة على عينة ضئيلة ممن تم اختبارهم ولكن مع ذلك فإننا نطلق حكماً عاماً يطال كل أفراد هذه الأسرة أو هذه القبيلة أو هذه الطائفة أو ما إلى ذلك. أحياناً يكون هذا التعميم مجرد حديث عابر ولكنه أحياناً يتخذ شكل الاعتقاد القاطع فيؤثر على شؤون حياتية كثيرة ومهمة كالزواج والطلاق والتجارة والعلاقات والحروب وما إلى ذلك.

 

لكن التعميم في المسألة الاجتماعية وفي الشق القانوني تحديداً قد يحمل روحاً أخرى أو منطقاً آخر يجعله مقبولاً وإن كان لا يزال خاطئاً بالمعيار العقلي للتعميم. فالقانون يتكون على مرحلتين: في المرحلة الأولى نبحث خلالها عن الإجراء الذي يجلب مصلحة أو يدفع مفسدة، وفي المرحلة الثانية يصاغ هذا الإجراء على شكل أمر أو نهي عام لا يقبل الاستثناء سوى الاستثناء القانوني أيضاً، مثلاً وضع إشارة للسير على التقاطع مصلحة مؤكدة لتنظيم المرور لأننا بدونها نحن مضطرون للإستعانة برجال شرطة ليقوموا بمهمة هذا التنظيم. وهي من المهمات الشاقة في الغالب أو أن يترك المرور على هواه وحينها سوف ترسم السيارات خطوطاً هندسية مستحيلة في مرور معطل وحركة مقطوعة، يعرف ذلك  كل من يعيش في عالمنا وذاق طعم سياط فوضاه الموجعة. الأحمر يعني المرور ممنوع بدون استثناء، الأخضر يعني المرور مسموح. بناء على المرحلة الأولى للقانون ينبغي أن يعني لنا هذا المنع أن المرور ضرر أكيد ولذلك يمنع القيام به بدون أي استثناء. إن هذا التعميم خاطئ من وجهة نظر عقلية لأننا نستطيع أن نتصور أننا  في ريف ناء قليل السكان ووقفنا أمام إشارة سير في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وكنا نشاهد الشوارع خالية من المارة تماماً، المرور في هذه الحالة لا ضرر فيه البتة لا بل قد يكون نافعاً إذا كان لدينا مصلحة في الاستعجال، ولكننا مع ذلك لا نقبل أن تكون هذه الحالات مستثناة من التعميم القانوني، فكيف يكون ذلك؟

 

من وجهة نظر قانونية فإن نفس هتك القانون ومس حدوده هو أمر ضار، لأن الصيغة التي تقول أن المرور ممنوع إلاً لمن كان مقتنعاً بأن مروره لا ضرر فيه سوف يؤدي إلى هرج ومرج وسوف نشاهد بأم أعيننا كيف ستقع الحوادث المميتة وما هي الكارثة المترتبة على ذلك. الصيغة لا يمكن أن تكون قانونية إلاّ إذا كانت ذات تعميم غير ملزم بأن يكون صحيحاً بمعايير التعاميم العقلية، فالتعميم القانوني لا يرى مانعاً من وجود حالات لا ينطبق عليها معنى الضرر في إطار منعه أو نهيه ولكنه مع ذلك يعاقب على المخالفة في هذه الحالات كما يعاقب على المخالفة في حالات الضرورة الفعلي، وذلك لأنه يرى في الإلتزام في هذه الحالات عملاً ضامناً وصائناً لحالات الخطر الحقيقي، فالوقوف أمام الإشارة الحمراء ليلاً ليس عملاً أبله مثير للضحك، إنه يخلق حزام أمان لحالات يكون فيها الخطر محدقاً وحقيقياً.

المخدرات على أنواعها ممنوعة بأية كمية كانت وذلك لأن تناوله بكمية معينة يؤدي إلى محذور الغياب عن الوعي والتعرض بالتالي إلى أضرار لا يمكن توقعها. القول أنني أتعاطى المخدرات المسكرة بكميات محدودة لا يعفي من العقوبة – القاسية جداً في بعض البلدان – ولا يكفي كمبرر أمام لغة قانونية لا تعرف التخصيص أو الاستثناء.

 

الروح القانونية والفقهية بطبيعتها تنظر إلى الإنسان بعين الظن والسوء ولا ترى في مستوى مسؤوليته ما يمكن الرهان عليه وهي لذلك تهدف إلى أن تخط له طريقاً يفصل بين جانبيها وبين الخطر الفعلي مسافة معتبرة، وتأمره بأن يلزم الطريق وأن لا يتعداها حتى ولو إلى هذه المسافة الفاصلة بينه وبين الخطر الحقيقي: إذا قال القانون المخدر والمسكر ممنوع حمله أو تداوله بكميات كبيرة، على أن يترك تقدير الكثير والقليل للناس، فإننا هنا أيضاً سوف تكون أمام ورطة الهرج الناشئ عن سوء التقدير أو حتى عن سوء النية الناشئة عن رغبة وميل إلى الشذوذ.

 

التعميم والغيب: التعميم كما رأينا وهو نقل صفة معينة محققة في عدد محدود من الحالات إلى عدد غير محدود، منهج استدلالي معرفي يقوم على شروط منطقية لا موضوعية وهو ما معناه أن صحة التعميم أو عدمها لا ترتبط بصفات وخصائص الموضوع الذي نحن بصدد دراسته ولا بنطاق تعميمه ولا بسعة مدى هذا النطاق حينما صح أن يقال أن كل حديد تمد بالحرارة وفق القاعدة التي تقول T=k>l، فإن هذا لم يصح لأن الحديد مادة تقبل التعميم دون غيرها وكذلك فإن المدى الذي طاوله هذا التعريف لا يقف عند حد معين. الحديد الموجد على سطح الأرض والحديد الموجود في الكواكب الأخرى وأي حديد يمكن تحليله أو تصور داخل في نطاق هذا التعميم الصحيح.

التعميم صح هن لاعتبارات تخص المنهج لا لمواصفات تخص الحديد من صلابة ولون وما إلى ذلك ولذلك لو تصورنا حديداً خارج نطاق الكون – وهو تصور لا يمكن تصوره! – لطاله التعميم بدون خطأ لأن التعميم لم يشترط حداً معيناً. إذا لا الحد ولا الموضوع لهما دخالة في صحة أو عدم صحة الاستدلال التعميمي – من هنا نرى ثغرة في تبرير الاستدلال التعميمي ورفضه في مباحث الفكر المادي والتجريبي بناء على الموضوع والحد مع أنهما خارجان عن تكوينه كم لا يخفى ففي الوقت الذي يسمح لي كمفكر وضع أمام لوحة من أشهر اللوحات العالمية أن أقطع بأن الذي رسم هذه اللوحة هي يد بشرية رشيقة عاقلة تصدر عن إحساس مرهف وإبداع كبير ويسمح لي أيضاً بأن أذهب بعيداً في الحديث عن إنسان لم أره وعن المدرسة الفنية التي ينتمي إليها والمواصفات التي يحوزها. لكني لو جعلت نفسي أمام الوجود بوصفه هو الآخر لوحة فنية يسحر في إبداعها، فإنني كمفكر لا يحق لي الإنتقال خطوة واحدة مستفيداً من التعميم السابق: لكل لوحة رسامها، لأنني هنا أتخطى الكون إلى ما ورائه والفيزياء إلى الميتافيزياء وهذا  ممنوع. لكن هذا المنع له بالتجاوز. تماماً كما إذا قلنا كل الماء يغلي على 100 درجة باستثناء الأنهر الأميركية فإننا  لا نعرف عنها شيئاً لأنها تقع خلف حاجز المحيط.

إنني هنا لست بصدد الدخول في السجال التاريخي بين الفكر الديني والفكر المادي ولكنني كدارس لظاهرة الفكر البشري أسجل تحفظاً شديداً عند حرمان التعميم من مواصلة سيره نحو الآفاق التي تخصه عن طريق المنع المفتعل الذي لا مبرر له سوى زج خصائص ومواصفات الموضوع في أصل وتكوين المنهج وهو محض هراء كما رأينا.

نحن الآن بإمكاننا أن نؤكد أن الحديد في كوكب بلوتو يتمدد بالحرارة وفق نفس القاعدة التي يتمدد الحديد على الأرض. فلو قال قائل إن هذا الحديث محال لأننا عاجزون عن الوصول إلى هذا الكوكب حتى وقتنا الحاضر وبالتاي نحن عاجزون عن التحقق من ذلك، يجاب بأن منطلقات التعميم صحيحة وهي لذلك لا تقبل الوقوف عند حد ما يمكن التوقف عنه ببل وتعجز إلى مساحات ما لا يمكن التحقق منه أيضاً. ألا يمكن بالقواعد والقوانين التي تحكم المواد الموجودة على كوكب بلوتو ليس إذا إيمانا غيبياً بمعنى أنه لا صلة له بالواقع ولا بالتفكير ولا بالاستدلال ولا بالبرهان ولا بالمادة، إنه مواصلة سير استدلالي طبيعي نشأ حيث نشأ في شروط ذهنية معينة وأخذ طريقه إلى الأرض التي هي من حقه والتي كتبت له بموجب صحته الذهنية المجردة البحتة.