أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> الخداع

الخداع

 

يقع العقل البشري أثناء ممارسته للاستدلال ضحية خدع كثيرة من أنواع متعددة ذات مصادر مختلفة، تؤدي كل واحدة منها إلى أخذه بعيداً  عن الصواب. وقد سبق لنا لحديث عن أنواع الحقائق، وقلنا أن رؤية الوجه الحقيقي أمر يعترضه الكثير من العوائق، فالحقائق يمكن أن تختبئ وراء حائل أو ساتر يمنع من رؤيتها ويوهم بعدم وجودها كالكنز المخبوء تحت التراب، وتارة أخرى يمكن للحقيقة أن تكون متنكرة فهي تبدو للعيان ولكن في وجه آخر غير وجهها الحقيقي، كما يمكن للحقائق أن تكون هاربة عصية على قيود التعريف وضبطه واعتقاله برغم كونها حقائق سهل عليه التعامل معها  والتصرف بها. كما أن الحقائق يمكن أن تكون بسيطة ولكن البرهان على صحتها يكون في غاية الصعوبة والصنف الأخير الذي تحدثنا عنه هو حقق الحقائق الذي يمكن تصوره ولكن تتعذر التصديق به نظراً للتناقض الذي تذوي إليه

.

في كل هذه الأحوال تضطرب الرؤيا ويرى العقل خلاف ما هو حقيقة وواقع. والإصابة لا تكون إلاّ بالتنبه إلى طبيعة ونوع كل حقيقة وتلافي ما يمكن أن تعترض الطريق إلى رؤية الصواب بحقه وعينه.

 

لكننا هنا وفي هذا الفصل نريد أن نتحدث عن طبيعة مزدوجة على طريقة البرهان بقطع النظر عن التعاريف والطبائع للحقائق ذاتها وإن كان الحديث هنا متصلاً بما ذكر غير منفصل عنه.

 

 

 

الكبير

قضى الميزان الكوني أن ينتفع الإنسان في قضاء حوائجه المتنوعة مع أشياء وأدوات ذات حساب وأجسام وأوزان معقولة تتناسب مع سعته وقدرته على التعامل وطاقته على الإستيعاب والإنتفاع. ففي يومياته ما يتداول به في المعاملات التجارية أو ما يتحدث عنه في مشاريعه السياسية والإجتماعية والعلمية أو ما يثار على صفحات مطبوعاته من صحف وكتب وما إلى ذلك في جميع ذلك تبدو الحسابات والأرقام معقولة تنتهي إلى العالم الرقمي والحسابي المتناسب مع سعة عقل الإنسان وهو عالم يشكل مساحة غير كبيرة تحيط بالرقم صفر الذي يقع وسطها، فنحن لا نجد مثلاً خبر "أ" في صحيفة يدلي بأرقام يستغرق الواحد منها صفحة بكاملها، بل إن الإنسان كلما شطحت به قواعده الحسابية بعيداً عن أرقامه الميسرة، يعود إلى ابتكار طريقة حسابية بعيدة إلى عالم الرقمي البسيط. كما فعل في حساب اللوغاريتمات الذي يمكن من تحويل الأرقام الكبيرة إلى أرقام صغيرة كما أنه تستبدل العمليات الحسابية المعقدة كالضرب والقسمة بعمليات جمع وطرح. المليون مثلاً يصبح في هذا السلم ستة فقط والمليار يصبح تسعة وهكذا. وهذا ما مكنه من قياس الزلازل ذات الأرقام المهولة بنظام حسابي بسيط. وهو نظام ريختر بناء على حساب اللوغاريتمات، بدون ذلك كان يمكن أن يكون الخبر البسيط الذي يخبر عن وقوع زلزال في منطقة ما بحاجة لأن يكتب في صحيفة منفردة لأن أرقامه سوف تطول وتطول حتى تستغرق الصحيفة بأكملها، بدلاً أن يكون خبراً صغيراً لم يستغرق سطرين في زاوية من زوايا الصحيفة.

 

يعمد الإنسان ببساطة إلى استبدال وحدات قياسه المعتمدة بوحدات أكثر تناسباً موحدة قياس المسافات كانت ميلاً أو فرسخاً أو عقدة أو متراً حينما كانت المسافات التي يتم الحديث عنها مسافات غير بعيدة لكنه بعد أن اكتشف المجرات وأراد أن يتحدث عن أبعاد كونية أدخل إلى وحداته قياس جديد وهو قياس " السنة الضوئية" وهي تعني المسافة التي يستطيع الضوء أن يجتازها في غضون سنة من الزمن وبذلك أمكنه أن يقول مثلاً إن مجرة أندروماد وهي أقرب المجرات تبعد عنا 4 مليارات سنة ضوئية، وواضح هول الرقم الذي كان يمكن أن نشاهده إذا أردنا التعبير عن هذه الحقيقة بواسطة المقياس الكيلو متري.

 

سيقال ما بال هذا الصاروخ الذي صعد به الإنسان إلى القمر يعادل مبنى من ثلاثين طابقاً استطاع الإنسان من أن يصنعه وأن يتحكم به بأزرار. أليس هذا دليل عن أن قدرة الإنسان لا تحد بحدود رقمية أو حسابية والإجابة هي أن التصنيع له مرحلتان مرحلة أولى يجب أن يعرف الإنسان فيها جميع القواعد التي تحكم حركة هذا الكائن المصنع وفي المرحلة الثانية يقوم ببنائه وتعميره قطعة قطعة كما يبني العصفور عشه قشة قشة. المرحلة الأولى هي كل التساؤل، إذ كيف يمكن التعرف على حالة وأداء هذا الكائن وسلوكه بعد تكونه في مختلف الظروف، والإجابة على ذلك تكمن في أن التصنيع البشري يستند إلى أمر طريف وصغير وهو أن التناسب بين المختبر البشري ذو الحساب الصغير والأرقام المحدودة وبين الواقع هو تناسب طردي بسيط للغاية. حيث أن الإنسان إذا تأكد في تجربته المخبرية أن صفيحة حديدية أو نحاسية أو من خليط معين مقترح تستطيع بسمك 10 ملم أن تتحمل ضغطاً يساوي 30 وحدة ضغط (بار)فسوف يعني هذا بالنسبة إليه أنه لو وضع صفيحة بسمك  2سنتم أي عشرون ضعف ما وضع في تجربته فسوف يكون بإمكانها تحمل 600 (بار) من الضغط في الواقع، وهي أرقام تفوق إمكاناته التجريبية وهي لن تتم إلا في رحلة الصاروخ الحقيقية، ليس عليه إذا سوى بناء جسم لصاروخ صغير – ماكيت- وإخضاعه لظروف معينة: حرارة – ضغط – حركة دفع وتكبير النتائج على قاعدة التناسب التي تم ذكرها.

 

حساب المثلثات هو أيضاً نموذج نوعي لمحاولة الإنسان في استدراج الأرقام الكبيرة إلى أرقام بسيطة يسهل التعامل معها، وهو بذلك نجح وفي وقت مبكر من حساب قطر الأرض والقمر والمسافة بينهما بشكل تقريبي واستطاع أيضاً بناءً على معرفته بمدار قمر من أقمار المشتري من تقديم قيمة تقريبية لسرعة الضوء. كل هذا بفضل قاعدة بسيطة تقول أنه في زاوية واحدة للرؤيا فإن القسمة بين طول الشيء والمسافة من رأس الزاوية قيمة ثابتة لا تتغير. وهذا ما مكن وضع أسس حساب المثلثات من خلال تعريف ظل الزاوية وجيبها وما إلى ذلك ودراسة الربط فيما بين هذه المقادير والقواعد التي تحكمها.

 

الحسابات والأعداد الكبيرة أيضاً تلعب دوراً مركزياً في أنظمة السرية المصرفية والعسكرية في ما يعرف بأنظمة التشفير وفك التشفير، فحتى وقت قريب كان التشفير لا يزال يعتمد على القاعدة ذاتها التي اتبعت في زمن يوليوس قيصر مع تغيرات في الهيأة لا في الجوهر. ففي حينه كان نظام تشفير الرسائل يعمل على استبدال الحرف بحرف آخر وفق قاعدة بسيطة:   ن=2 فإن الألف سوف تستبدل بـ "تاء" (وهو الحرف الذي يقع على بعد خطوتين من ألف في الترتيب الأبجدي) والباء سوف تصبح تاء وما إلى ذلك، فكلمة "حب" مثلاً سوف تنقلب في هذا النظام إلى "دث" وهي كلمة لا معنى لها.

 

كان واضحاً من هذه الطريقة أن من يعرف نظام التشفير يستطيع فكه أيضاً وهو ما بقي نقطة ضعف خطيرة في أي نظام كهذا حيث يكفي أن يقع عميل واحد في الأسر حتى يفتضح النظام السري برمته لذلك كان لا بد من التفكير بأداة للفصل بين نظام التشفير وفك التشفير فكان الحل في الأعداد الكبيرة التي يصعب حتى على الحاسوب التعامل معها، فالأعداد تتألف من حاصل ضرب لأعداد أولية (prime number) مثلاً العدد 10 يساوي 2*5 وكلاهما أولي. وهنا يكمن السر، فإن تجزئة الأعداد الكبيرة إلى أعداد أولية أمر يمكن أن يكون عسيراً للغاية عصياً حتى على أحدث الحواسب لو قمنا مثلاً بضرب عددين أوليين كبيرين يتألف الواحد منهما من 10 أرقام ولنسمي الحاصل ن. سوف نطلب من الحاسوب أن يتعرف على العددين الأولين الذين يتكون منها هذا العدد، إن الشمس سوف تشرق وتغيب ملايين السنين كما يقول أحدهم قبل أن يتمكن هذا الحاسوب من إنجاز هذه المهمة.  الآن إذا كان التشفير ممكناً فقط من خلال العدد "ن" بقطع النظر عن الأعداد الأولية التي يتكون منها بينما يتعذر فك هذا التشفير بدون معرفة هذه الأعداد، في هذه الحالة تستطيع المؤسسة الأم المركز أن تحتفظ بسر هذه الأعداد الأولية بينما تزود عملاءها في الأقطار بالعدد غير السري "ن" وتعلمه نظام تشفير الرسائل. فإذا سقط أحد هؤلاء العملاء في يد العدو، سوف لن يستطيع أن يفضح إلاّ ما هو مفضوح أصلاً، لأنه هو نفسه لا يعرف كيف تفك الرسائل المشفرة، وهذا معناه أن العدو لن يستطيع الإفادة من أسر هذا العميل في فهم الرسائل الأخرى المرسلة من العملاء آخرين في حال وقعت بين يديه، وهو ما معناه أيضاً أن شيئاً لا يجب أن يتغير في نظام السرية المعمول فيه. ومعلوم ما في هذين الأمرين من الخدمة الجليلة، فإن كلفة تغير الأنظمة السرية من أساسها أمر يعيق نمو المؤسسة ويضع أمامها جملة من العراقيل العملية بالإضافة إلى الكلفة الباهظة لذلك. لقد فتح هذا العمل الباب واسعاً أمام تسابق علمي صعب للوصول إلى أعداد أولية كبيرة وغير معروفة، وهو تسابق يقوم على ابتكار برامج معلوماتية تمكن الحاسوب في قطع أشواط بعيدة في البحث بدون أن تستنفذ إمكانياته من ذاكرة وما إلى ذلك أو أن يدخل في عمل لا نهاية له. وذلك من خلال رسم مسارات ذكية لبحثه تغنيه عن الدخول في متاهات لا قيمة لها ولا ثمرة من ورائها.

 

هكذا تمكن الأرقام الكبيرة والمقادير الضخمة فئة القادرين على اقتنائها والانتفاع بها في الحصول على امتيازات لا قدرة لغيرهم للحصول عليها. وإذا كان هذا الأمر طبيعياً للغاية ومتوقعاً في ما يتعلق بالممتلكات والثروات المادية فإن الأمر ليس بهذا الوضوح على مستوى المعارف النظرية والمعلوماتية. إنه من الواضح أن الثروة والأموال كلما كانت أكثر، كلما فتحت إمكانيات جديدة، كلما منح صاحبها قدرات وقوى جديدة في جميع شؤون الحياة، غير أنه في حياته الذهنية فإن الحسابات الكبيرة عبء ثقيل عليه وعلى نموه وعلى بناء تصوراته الدقيقة والمفيدة.

 

التضخم الحسابي والهندسي يعبر كلاهما عن طريقة في التكاثر والتزايد والانتقال من الأرقام الصغيرة إلى الأرقام الكبيرة وهما يحملان بعض الأمثلة المفيدة لنا تبرز ما يمكن أن يخفى على الذين يتابعون الأعداد وهي تسير في إطار هذا النوع من المتواليات.

 

التضخم الحسابي هو متوالية من الأعداد التي يفصل ما بينها فاصل ثابت.

مثلاً    7      9      11    13    15.....(الفاصل الثابت هو 2)

      4        9      14    19    24    29.....(الفاصل الثابت هو 5)

أولى معالم التحكم بهذا النوع من المتواليات ظهر من خلال القدرة على احتساب مجموع هذه الأعداد، وقد وضع لذلك قاعدة سهلة يسيرة في مثل متوالية الأعداد الصحيحة (وهي متوالية حسابية الفارق فيها 1)

هي كما يلي:1+2+3+.....+ن=1/2(ن(ن+1))

 

إذا يكفي أن نقوم بضرب العدد ن حيث انتهت المتوالية بالعدد الذي يليه ثم نحتسب النصف لنعرف بالضبط جمع كل الأعداد الصحية ما قبل ن. والبرهان على ذلك بسيط يستفيد فقط من عمارة هذه المتوالية وطريقة عملها، ولإيضاحه سوف نورد قصة طريفة عن العالم الرياضي والفيزيائي "غوص" Gauss فقد قيل أنه كان كثير الثرثرة في حصة التاريخ حينما كان لا يزال طالباً ولذلك أراد أستاذه أن يعاقبه فطلب منه أن يقوم بجمع الأعداد من 1 إلى 1000 أي 1+2+3+....+1000 ظناً من الأستاذ أن هذا سوف يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً عالياً ومركزاً مع أن Gauss استغرق أقل من دقيقة قبل أن يعطيه الإجابة وهي: 500500 ، غير أن الأستاذ اعتقد أن الطالب يسخر منه ولذلك أمر به خارج الصف.

 

لقد كان ذنب هذا الفتى أنه لاحظ أن 1+1000 = 2+999=3+998=4+997=...= 1001، يعني  أنه انتبه أن هذه المتوالية هي عبارة عن500 زوج كل زوج منهم قيمة جمعه 1001 إذا يكون الجمع المطلوب هو 500x1001=500500 وهو أمر يحسب بثوان، مما أخرج الأستاذ عن طوره وجعله لا يتردد بطرد هذا الطالب العابث المستهزئ!!!

 

الخدعة ناشئة دائماً عن شيء من الخفاء الذي تحمله الأرقام الكبيرة، إذ كلما كبر الشيء، كلما أدى ذلك إلى ضعف بالإحاطة به وهذا ما يؤدي بدوره إلى ضعف في الرؤية الواضحة والجلية. غير أن قانون التكاثر والتزايد قد يضع أمام الذهن طريقاً موصلاً يعبر بالذهن إلى مساحات ملتبسة ويجتاز به عقبة الحد المحدود إلى عالم حسابي أوسع من خلال القواعد التي سوف يتمكن من اعتمادها لأجل تطويع وتدجين وحشية الأعداد الكبير وعصيانها. إن الأمر يزداد تشويقاً وإثارة حينما تبدأ بالتكشف نكات وأسرار ليس هناك أية إمكانية لتوقعها، ومن الأمثلة على ذلك المعادلة الباهرة التي كشفت أن مربع مجموع المتوالية 1+2+....+ن يساوي جمع مكعبات عناصرها وهو ما يمكننا أن نعبر عنه بـ (1+2+3+.....ن)2 = 13+23 +.....+ن3.

 

هنا لن يكف البرهان عن الإعتماد على قانون تزايد المتوالية الحسابية لكنه سوف يستعين بالذكاء البشري السحري في الإنتقال من محطة إلى محطة بغية الوصول إلى برهان صحة هذه المعادلة.

 

الأمر نفسه بالنسبة للمتوالية الهندسية أو التزايد الهندسي، فهي متوالية تتزايد فيها الأعداد على قاعدة ضرب العدد بقيمة ثابتة للحصول على العدد الذي يليه:

1      2      4      8      16    32    64    108   216......(القيمة الثابتة هي 2)

3      12    48    192.... (القيمة الثابتة هي 4)ز

 

تتزايد هذه المعادلة كما هو واضح بطريقة أسرع من المتوالية الحسابية وهي لذلك يمكن أن تنتج مقادير كبيرة إلى درجة غير متوقعة وهو ما قد يخلق خداعاً قد يوقع الذهن في أخطاء قاسية وقد ضربوا مثلاً على ذلك: إذا كانت لدينا ورقة وقمنا بتمزيقها إلى نصفين وضع فوق بعضهما ثم قمنا بنفس هذه العملية وهكذا إلى مئة مرة سوف نحصل على كدسة من الأوراق الصغيرة جداً المرتبة بعضها فوق بعض، السؤال هو كم سيكون سمك هذه الكدسة؟ بعضهم سيتخيلها كدسة عظيمة أي بارتفاع طاولة طعام، وربما وصل البعض إلى الإعتقاد أن هذه الكدسة سوف تبلغ سقف الغرفة  وهؤلاء قلة. لكن أحداً لن يذهب به التصور أي تصور الوهلة الأولى قبل الحساب الدقيق، أن سماكة هذه الكدسة ستفوق المسافة ما بين الأرض والقمر وهذا ما يؤكد استحالة القيام بهذه المهمة لأنها سوف توصل إلى قطع وريقة أصغر من الذرة وهو أمر متعذر، وكثيراً ما نردد هذه الحكاية التالية وهي أيضاً تصلح أن تكون مثلاً واضحاً على الخدعة التي يمكن أن تطوي الحسابات الكبيرة: يقولون أن الملك أراد من شدة إعجابه وافتتانه بلعبة الشطرنج أراد أن يعطي مخترعها مكافأة لم تعط لأحد من قبل. قال له الملك :"أطلب وتمنى ما تريد فسوف نقوم بتلبية طلبك.

-         لن تستطيع أن تعطيني ما أريد يا سيدي.

-         بلى فقط عليك أن تطلب.

-         في رقعة الشطرنج هناك 64 مربعاً أريد فقط أن تضع لي حبة حبة قمح واحدة في المربع الأول، اثنان في المربع الثاني، أربعة في التالي، ثمانية في الرابع وهكذا تضاعف عدد الحبات في كل مرة إلى أن تصل إلى المربع الخير ذي الرقم 64.

هنا ضحك الملك  بطريقة غير معهودة وقال بسخرية:

-         هل هذه هي الأمنية التي لا طاقة على تحقيقها.

 

قبل مخترع لعبة الشطرنج هذه السخرية من الملك وحاشيته وآثر الصمت تاركاً الملك يقوم بما تعهد به. غير أن الملك سرعان ما أدرك أن جميع ما في مملكته لا يكفي لكي يفي بوعده مع الرجل، لقد استحالت القهقهة العالية إلى دهشة وذهول وعقدة لسان. لقد أدرك ببساطة أنه خدع حينما استدرجه هذا الرجل إلى حساب ذي أرقام عالية لا يمكن أن يحسم من النظرة الأولى بدون الوقوع في أخطاء فادحة كتلك التي وقع بها.

 

المشكلة ببساطة هي أن مجموع حبات القمح التي يجب أن توضع على الرقعة هي:

1+2+22+23+24+.......263 وهو ما قيمته بعد الحساب الدقيق غير المتعجل: 264 -1 وهي قيمة مهولة تزيد على مليون طن من القمح وهي قيمة تفوق الإنتاج العالمي في يومنا هذا فكيف يمكن لمملكة صغيرة كتلك التي رسمت في مخيلة من نسج هذه الحكاية.

 

ولهذا فإن الذهن البشري حينما نزل عن كرسي غروره وأخذ يكابد بجدية في مقارعة هذا النوع من الحسابات وتخلى عن رغبته في الحسم الساذج المتعجل لمسائل هذا النوع من المتواليات، أخذت تتكشف له قوانين هذه الأرقام الكبيرة ونظام عملها وكيف يمكنه التحكم بها بدون أن يقع فريسة لضخامتها. تماماً كالأرنب الذي أراد مواجهة الفيل، لو قام بهذه المواجهة بصيغة مباشرة لما شعر الفيل بأنه بحاجة سوى إلى متابعة سيره ولن يكون الأرنب حينها أكثر من قشة يدوسها هذا الجبل الحيواني المتقدم. ولذلك قام باستدراج هذه الكتلة الضخمة إلى حفرة كبيرة قام بحفرها مع أفراد قبيلته إلى أن سقط بها وأضحى أسيرها الذي لا يمكنه الإفلات.

 

نعم هكذا حينما تقع الأرقام الكبيرة في حفرة الإستيعاب الذهني تصبح أسيرة له موضوعة في تصرفه بعد أن كان يضيع أمام هولها. فلقد مكنه استعمال المتوالية الهندسية وهي موضوعة في أطر وقواعد في متناول يده إلى احتساب العوائد و الفوائد على العوائد كما أمكنه احتساب العديد من المسائل الإحتمالية وهو ما زوده بجذور فكرة الرياضيات المالية الأداة الضرورية للتمكن من إدارة الأحجام الإقتصادية الكبيرة والمعقدة كتلك التي عرفها الإنسان في هذه العصور الأخيرة.

 

لقد كان الهدف مما ذكر بيان ما يقتضي التفكير البشري لدى انتقاله وعبوره نحو الحسابات الأكبر حجماً. فحركة الذهن تزداد حرجاً كلما كبرت الأعداد التي يتعامل معها. نحن هنا إذا نسجل لوناً من ألوان الإلتباس والإرباك الذهني الناجم عن تناول الأرقام الضخمة. إن عين الذهن تقع فريسة وهي تحدق في العدد الكبير فترى أشكالاً وألواناً وسراباً ووهماً، وتخرج بقناعات مجتزأة وأحيانا مغلوطة ينقلب الإبصار بموجب هذا السراب والوهم إلى عمى أو ما هو أضل من ذلك سبيلاُ. غير أن هذا لا يعني أن هذا العمى هو قدر حتمي ولعنة تنال من كل من تسول له فكرة التجول عبر حرم الأرقام الشاهقة، فالمقصود من هذه الإشارة أن نوع الإستدلال وطرائق المقاربة وعمق التأمل والبحث وما يتطلبه جميع ذلك من جلد آخر وصبر وعزم، جميع ذلك يصبح أمراً ضرورياً لدفع ما ينجم عن تضخم الأرقام والحسابات من العثرة والوهم والخدعة، ولتصحيح الرؤية، وهذا ما سيمكن من اكتناه مساحة فكرية جديد مأهولة بشتى صنوف المعارف والقوانين والأسرار العلمية النافعة والمفيدة والتي يمكن أن يضعها الإنسان في خدمته لإحراز المزيد من التقدم والرقي.

 

إذا كان هذا هو حال المسيرة الذهنية وهي تجوب مساحات أكثر سعة من المعيار فكيف يكون حال الذهن إذا أراد أن يرى الكل ويرسم له خطوط ومقاسات وحدوداً لكي يعود به من "كل" مترامي الأطراف هائل الحجم ذي البعاد غير محدودة إلى واحد مفرد بسيط موصوف مألوف موضوع تحت مجهر التشريح والتعريف.

 

ثم كيف يكون حاله وهو يعبر من هذا الكل إلى ما وراء الكل ويتكلم بلغة الحكمة ويصل إلى عمق المعرفة واكتناه الأسرار المودعة هناك.

 

ما يذكر يفيد أن هذه الرحلة من الصغير إلى الكبير ثم إلى الكل ثم العبور إلى ما ورائه رحلة يمكن أن تتكلل بالنجاح وأن تكون موفقة إذا أعد لكل مرحلة عدتها واستخدمت أدواتها المناسبة لها ولم يسق آخرها بكأس أولها ووضع أمام التحديات نظيرها من الجهد المنظم والعزم الثابت الأكيد والمنهج التحليلي المبدع. وعندها سوف يعود من رحلة ملء الجعبة بالحقائق والمعارف ذات الدلالات المفيدة والمؤكدة وليس بكلام فارغ وطلسم لا طائل من ورائه لا يسعف الذهن الحائر ولا يقدم له أي تفسير مقنع معقول.

 

الصغير

للصغير كما للكبير مع عثرات العقل قصة وحكاية، فالعقل الذي بهره الكبير وخدعه وأدخله في استنتاجات غير منطقية، وقع أيضاً ضحية للضئيل المحتال الذي مكر عبر اعتباره هباء منثوراً لا قيمة له وهو ليس كذلك على الإطلاق.

نستطيع في إطار هذه الفقرة الذهاب في أكثر من اتجاه رياضي فيزيائي وفلسفي تهدف جميعها كما في الفقرة السابقة إلى إبراز جدية المشكلة وأهمية ما يترتب على الإلتفات إلى جدية هذه المشكلة واعتماد ما يلزم من أدوات البحث والتدقيق في اكتشاف عوالم جديدة متناهية في الصغر، لكنها لا تقل سعة من جهة ما تحوزه من الحقائق الباهرة عن كوننا الكبير الذي تعيش فيه.

 

كما حصل في موضوع الذرة على سبيل المثال، فبدلاً من أن تكون هذه الذرة هباء لا قيمة له أضحت سلاحاً يمكن من اقتناه وعرف أسراره من إخضاع العالم وتسخيره لصالحه. بدلاً من أن تكون الذرة هي الأتفه في هذا الكون فإذا هي الأهم والموضوع الأكثر عصرية من الناحية العلمية.

طال سعيي وأنا أبحث في أصل المجرة

فوجدت الأصل شيئاً تافهاً أسموه ذرة

غير أني حينما أمعنت كي أسبر غوره

هالني كون أسير آه ما أضيق  أسره.

 

لنتناول المثل التصويري التالي الذي يضع أمامنا بوضوح هذا النوع من التخفي والغش القائم على إغفال الصغير وقلة الإكتراث به: سوف نتناول المستطيل في الصورة -1 وسوف نقوم بتقطيعه إلى أجزاء كما في صورة -2. سوف نعود  الآن إلى تجميع هذه الأجزاء بطريقة جديدة كما في الصورة -3 من غير المقبول منطقياً أن تكون المساحة الجديدة الناتجة عن إعادة تجميع القطع بطريقة جديدة أكبر أو أصغر من المساحة الأصلية، غير أن الذي نجده في هذا المثال أن المساحة الجديدة هي أصغر بقليل من المساحة الأولى. أين ضاعت المساحة الناقصة؟ سؤال شائك على ما يبدو لأول وهلة!! صحيح أن تفسير هذا الأمر بسيط وهو أن المساحة الضائعة هي مساحة ما بين القطع، هذه المساحة التي تكاد لا ترى تشكل لو جمعت واحداً صحيحاً. صحيح أن هذا التفسير بسيط غير أن الذي أتاح هذا المثل هو أن الفارق بين التوزيعين ضئيل يمكن تضييعه في الخطوط والحدود الفاصلة بين الأجزاء ولهذا جذور عميقة في نظرية المتواليات العددية: إن هذا المثل ليس سوى مثل تصويري هندسي لناحية من خواص ما سمي بمتوالية: Fibonacci وهي المتوالية التي تعرف بـ : Un+1=Un+Un-1. حيث أن باستطاعتنا بالاستناد إلى هذه المعادلة من استنباط معادلة أخرى هي

Un+1 Un-1= U n2 ±1 سوف نفترض الآن أن U1=1,U0=1. إن معرفتنا بـ U1,U0 كافية للتعرف على سائر حدود المتوالية U2 =U0 +U1=1+1=2 ، U3 =U2 +U1=3، U5 =U3 +U4=5

إنها متوالية من الأعداد الصحيحة. المعادلة السابقة تفيد أن باستطاعتنا دائماً أن نصمم مستطيلاً بعيد كل البعد عن شكل المربع (طوله أكبر بكثير من عرضه) بطول وعرض كلاهما من الأعداد الصحيحة وتكون مساحة هذا المستطيل مساوية لمساحة مربع أضلاعه أيضاً هي الأعداد الصحيحة زائداً واحداً وناقص واحد. ولا حدود لمساحة هذا المستطيل إذ أن بإمكاننا أن نتجاوز بهذه المساحة أي حد شئنا.

البرهان هو كما يلي:

Suppose that UnUn-2=U n-12 ±1

Un+1 Un-1=(Un+Un-1)Un-1=UnUn-1+ U n-12

                                      = UnUn-1+UnUn-2±1

                                      =Un(Un-1 Un-2) ±1

                                      =U 2n±1

هذا الواحد الزائد أو الناقص استطاع أن يختبيء برشاقة ما بين الحدود ليوقع الذهن في شرك المستحيل الذي استحال ممكناً. الصغير إذا كان كالكبير يوقع الذهن في الإرباك والحيرة ولكل من هذين الموضوعين طريقته في الإيقاع والاستخفاف، فالكبير والهائل موقع بالذهن في شرك الإبهار وعدم الإحاطة، أما الصغير فهو ما يستعير من ضآلته ثوب الإخفاء ويستخف بالذهن من باب غفلته ولا مبالاته. ومن المفيد أن تشير أن الرياضيات وضعت تناسباً تاماً ما بين الأعداد الحقيقية الإيجابية الصغيرة والكبيرة ولقد أضحى عالم الأعداد الصغيرة شكلاً مقلوباً ومعكوساً لعالم الأعداد الكبيرة، فكأن العدد الصغير ليس سوى قراءة بالمقلوب لعدد كبيريقابله ويناسبه، وهو ما يكشف عن طبيعة موحدة بين العالمين نستفيد منها فوائد متعددة في الرياضيات ونحن هنا نذكرها لنكشف أيضاً عن طبيعة موححدة للجهد الذهني وهو يذهب في اتجاهين متعاكسين: باتجاه الأعداد الكبيرة وباتجاه الأعداد الصغيرة: إن الطبيعة الموحدة للأعداد الصغيرة والكبيرة تكشف عن نفسها من خلال عدد من قواعد الإرتباط. من ذلك على سبيل المثل لا الحصر ما نشاهده في خصائص بعض الأرقام الكبيرة، فإننا لن نتمكن من معرفة سر هذه الأرقام ولماذا تتحلى دون غيرها بهذه الصفات والميزات إلاّىإذا ذهبا إلى عالم الأرقام الصغيرة وبان لنا من خلال موقعها هنالك ما الذي جعلها تحمل هذه الصفات. سوف نضرب مثلاً الرقم التالي: a=142857 لهذا الرقم ميزة غريبة فهو يدور على نفسه كلما ضرب بعدد بين الواحد والستة:6428571=142857*3…..6285714=142857*2.......

فإذا ضرب بسبعة فالحاصل هو عدد يتألف من تسعة فقط: 999999=142857*7

نحن لا يمكننا معرفة سر هذا العدد إلى إذا علمنا أن هذا العدد الكبير ؟؟؟؟ من العدد الصغير 1\7 وهو كما يلي: 1\7=0.142857142857142…..، أي أن هذا العدد الكبير هو العدد المتكرر في حساب الفواصل للعدد الكسري 1\7 وبماأن العددالأولي 7 له خصائص ؟؟؟ لها علاقة بعمق نظرية ؟؟؟؟ الجبرية فإننا حينها فقط نستطيع أن نقدم تفسيراً دقيقاً وعلمياً ومقنعاً لما تم الحديث عنه. بدون هذه العودة إلى المنشأ المتواضع لهذا الرقم المغرور فإننا سوف نقف مبهورين أمام خدعة الساحر المخادع الذي كان يدعي أن باستطاعته أن يقرأ أفكارك فهو كان يطلب من المخدوع به ان يضرب هذا الرقم الذي نتوهم أنه رقم اختاره الساحر بطريقة عشوائية، بأي عدد بين واحد وستة ومن ثم إعطائه فقط رقم ؟؟؟؟ حتى يقول لك بأي رقم ضربت وما هي النتيجة.

إن الأمر يبدو باهراً أكثر كلما تعلقت الأمر بعدد أكبر، حيث ان لعدد الذي يلي 142857 هو عدد يتألف من 16 رقماً وهو العدد المتكرر في قيمة العدد الكسري 1\17 بعد أن يحسب بالفواصل. إنه باهر حقاً أن نرى رقماً بهذا الحجم أكبر من مليون مليار وهو يلتف حول نفسه وهو يضرب بالأرقام بين واحد وستة عشر.

خلاصة القول أن اهتمام العالم الصغير لا يقل صعوبة عن اقتحام العالم الكبير لما بينهما من التشابه والترابط وهو المعنى الذي نهدف إلى إيضاحه في إطار هذا الفصل. حيث أن دراسة الفكر ينبغي ألا تغفل عن ما يمثل خداع وفخاً يقع الفكر فيه أثناء قيامه بدوره الطبيعي وينزلق إلى متاهة المعتقدات الفاسدة المغلوطة. والحديث عن مواطن الخداع له داع واحد وهو محاولة تسديد خطى الإستدلال من خلال الإشارة والتنبيه لما من شأنه أن يوقع بهذا الفكر ممزجاً أياه عن دائرة الصواب. لقد رأينا في ما مضى من الفصول كيف أدت مقولة أن جمعاً لامتناهياً من الأعداد المتناهية في الصغر يمكن أن يكون محدوداً (واحد صحيح على سبيل المثال) كيف ادت هذه المقولة إلى الوقوع في شرك زينون ؟؟؟ الذي أراد من خلال إثبات بطلان مرتكزات المنطق الفكري تمديداً للقول بعبثية مزاولة الفكر والإستدلال. غير ان هذا التقسيم اللامحدود واللامتناهي. وهو الذي أوجد معضلة لا حل لها في ذلك الوقت، دفعت الفكر ؟؟؟؟ إلى تطوير نظم الرياضيات وإدخال مفاهيم جديدة وخرجت بنظريات شكلت قفزة للفكر الرياضي في مجاله التحليلي النظري والتطبيقي بحساب التكامل الآن هو واحدة من الطفرات القليلة في الرياضيات التي أنتجت كماً كبيراً من الحلول لمشاكل في مختلف المجالات العلمية فحسب بعض الأصول؟؟؟؟ غير المستقيمة والمساحات أو الأحجام ذات الحدود المنحنية كانت كها حسابات تقريبية غير دقيقة، إلى أن وضع لها التكامل الرياضي قاعدتها المؤكد وهو ما مكن من حسابها بكل دقة. الحركة في الفيزياء كانت دائماً محوراً أساسياً تنصب حوله الجهود وتؤسس دراسته وتفسيره النظريات. هذه الحركة لم ترصد بدقة ولم تكتشف الكثير من قوانينها إلاّ بعد ان دخل مفهوم التكامل خير التطبيق الفيزيائي وأخذ يقول كلمته الفصل هنا وهناك في مساحة كبيرة من مساحات كبيرة من مساحات المشكلات الفيزيائية. لقد مكن هذا المفهوم من وضع مدارات الكواكب والأجرام كما مكن من معرفة القوانين والمسارات التي تسير عليها المقذوفات وهو ما ما دفع بالعلوم العسكرية أشواطاً خيالية إلى الأمام. لا أحد يمكنه أن يعرف كيف كان ممكناً أن نحسب نظرياً السلك الكهرباء المطلوب للوصل بين مدينتين مثلاً، لقد مكن التكامل من معرفة هذا الطول بدقة بعد ربطه طبعاً بقوة الشد إلى الأعمدة فكشف الشكل النظري الدقيق لهذا السلك الممتد فإذا هو شكل لا يمت بصلة إلى الرياضيات الكلاسيكية[1] لقد كشف نيون في قانونه لدينا ؟؟؟؟ أن القوة والتسامح هما دائماً في حالة تناسب طردي وترك لمفهوم التكانل الرياضي مهمة تحديد المسارات الدقيقة للأجسام المتحركة. صحيح أننا هنا لسنا بصدد إعطاء محاضرة في الرياضيات للمتخصصين ولكننا نريد أن يتضح هذا المفهوم لكل مهتم بدراسة الفكر البشري. التكامل هي حيلة؟؟؟؟ تجزؤه؟؟؟ظ الكبير إلى أجزاء صغيرة وهي فكرة يونانية قديمة كان قد اقترحها أكسود في إطار حسابه التقريبي لبعض المساحات ذات الحدود ؟؟؟؟. كمثل على ذلك سوف نتناول المساحة المبينة في الصورة -1 هذه المساحة تتألف من ثلاثة حدود مستقيمة وواحدة منحنية فقط.

 

صورة-1

 

سوف نقوم بتقطيعها إلى ما يشبه الأعمدة ثم نقطع الرأس المنحني لكل عمود صغير لنحوله إلى مستطيل نستطيع احتساب مساحته وجمع هذه المساحات المتلاصقة يشكل حساباً تقريبياً للمساحة المعطاة. من الواضح أنه كلما زاد عدد الأعمدة كلما كان الحساب أدق وأقرب إلى المساحة الأصل. مفهوم التكامل الرياضي هو بساطة إذا أضحى التقسيم لا نهائياً؟؟؟؟ وأن الفارق سوف يصبح صفراً. لأننا نستطيع احتساب جميع المساحات المتلاصقة. وهو ما معناه أننا نستطيع احتساب هذه المساحة. إن الذهاب إلى الجزء الصغير لرسم الصورة الوافية عن الكل هي طريقة ابتكرها الذهن بعد أن فطن إلى مواطن الوضوح والإلتباس في موضوعي الصغير والكبير وبدلاً من أن يقع ضحية هذا الإلتباس استطاع أن يخضع لمنطقه وحسابه مستخرجاً بذلك ما لم يكن محتملاً أو متوقعاً إلى وقت قريب. الصغير في الكبير والكبير في الصغير هذه هي الخلاصة التي سوف ينتهي إليها ويؤسس عليها ذهابه الفكري الإستدلالي وإيابه في خضم الإشكالات والإلتباسات.

إن الغيب ومسائله الكبيرة والمحيرة يمكن أن تكون رأساً لهرم ضخم من البنى الفكرية المستندة إلى الحسابات (الرقمية أو التحليلية) الكبيرة، كما يمكن أن يكون في نقطة متناهية من الصغر بعد عملية تجزئة؟؟ غير محدودة. ولهذا فإن العبور السليم من التفكير المادي إلى ما وراء المادة يتم بناء على رحلة موفقة تجتاز بنجاح العقبات الناشئة عن التحليل الذي يمس المقادير الكبيرة ؟؟؟ كما لم تغفل عن إيقاعات المعطيات الضئيلة ولم تقع في ما تنصبه من فخ وشرك.

وبناءً عليه ما ذكر فإن المسيرة الفكرية الإستدلالية الواعية الجدية ذات الأهداف الكبيرة هي المسيرة التي تؤمن أن التوسع عبر المقادير الكبيرة كما التجزؤة والدخول إلى عالم المقادير الضئيلة ليستا رحلة استكشافية تتعرف فيها الحواس على المزيد من الرؤى والكشوف ؟؟؟؟اقتحام وعر يتطلب ممارسة نوع خاص من الحذر الإستدلالي المرهف الذي ينجي من الوقوع في شرك الأوهام لمتربص بكل من يقترب من هذه المساحات، هذا الحذر الذي يفضي إلى ابتكار الأساليب المناسبة والإعتصام باحتياطات ملائمة لأجل إحراز العبور الآمن المطمئن إلى دوحة من المعتقدات اليقينية المؤكدة. إن التوسع الذهني يهدف إلى استيعاب هذا الكون ذي التمدد المكاني الهائل وتحويل إلى واحد مفرد مضمر، يمكن تناوله والحديث عنه ككل واحد يوضع في إناء البرهان السليم ويدخل ككلمة مفردة في عباراته، كما أن التجزئة الذهنية اللامحدودة تهدف إلى كسر القالب الآحادي الآسر وإثبات السعة والكثرة المهولة في أسر حدوده الضيقة. غير أن هاتين المسيرتين المتناقضتين شكلاً متشابهتين في طبيعة الممارسة الإستدلالية كما أسلفنا ولكلتاهما تحديات وعقبات تحول دون الوصول إلى تكون الرؤى السليمة، لكنها هاتين الرحلتين، المتعاكستين في الظاهر سوف تلتقيان عند نفس الرؤى، الماورائية وتحملان كل بيد؟؟؟  معني أكيدة معززة بحصيلة هذا السفر الآمن عبر تفاصيل المعطيات المادية بحساباتها الكبيرة والمعقدة أو بحساباتها الضئيلة والتافهة.


 

[1] The hyperbolic ???? function y=sh(a)????