أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> الخيال

الخيال

 

ليس الخيال كما يمكن أن يكون الانطباع نقيضاً للفكر أو لحظة من لحظات تهتكه وعربدته، بل هو فقرة جدية من فقراته ومساحة أصيلة في تكوينه فهو تارة مقدمة لا بد منها وأخرى مآل ووجود خلف حدود الواقع أو حتى التصور. يمكننا أن نتخيل ما نشاء بسهولة: رجل من ورق، جبل من ذهب،... غير أن الخيال الرياضي شيء آخر، يختلف تماماً عن الخيال العابث اللاهي. ففي إطار الخيال الرياضي يتفتق الذهن عن كائنات ليست بالضرورة موجودة في الواقع وإن كانت مستلهمة منه أو منتزعة عن طريق الإستنباط الذهني من معطيات خارجية ملموسة. فالخيال حينما يضع في لوح الخاطر كائناً كالمثلث ثم يعكف على دراسته فيكتشف ما هو مودع فيه من الأسرار التي تعقد اللسان، لا يقوم بعمل عابث كتخيل بقرة من فضة في سياق لا يسمن ولا يغني من جوع.

 

وقد يقال أن الخيال – حتى ما يبدو عابثاً – ليس سوى رؤى تستشرف ما سيؤول إليه أمر الإنسان في المستقبل، فالإنسان مثلاً بدأ رحلة الطيران والارتفاع عن سطح الأرض والتنقل من بلد إلى آخر ومن ثم السفر عبر الكواكب والمجرات من خلال تخيلات ورسوم وأساطير عبّر فيها عن ذلك الخيال الذي لم يكن له في وقته أي مدلول جدي أو أثر بناء. لكن مسيرة الاختراعات والابتكارات البشرية جاءت لتعطي الدليل على إمكان تحويل هذا الكائن المتخيل اللامعقول إلى حقيقة واقعة. وهذا صحيح لكننا هنا نريد فقط أن نضع مائزاً أساسياً بين كائنات متخيلة هي أشبه بعمارات تقوم على قواعد وأسس وتحكمها قوانين ثابتة، وبين كائنات متخيلة مركبة بطريقة فوضوية هجينية لا يحكمها أي قانون ولا تحوز على أي سر مشوق سواء استحالت هذه المتخيلات بعد حين إلى حقائق واقعة أم بقيت مجرد صور تلوح في ساعة لهو ومرح.

الخيال إذاً ينطلق من صور واقعية – أو صور منتزعة من الصور الواقعية – لكنه يعبر نحو مساحات تخصه وحده وهناك يبدأ عمله العاقل الدؤوب في سبيل اكتشاف القوانين المستورة والمعادلات الغامضة الضامرة في كيان هذا الكائن المتخيل، ويكون هذا العمل عاقلاً جدياً مجدياً وإن كانت فصوله تأخذ حيزاً في عالم خيالي غير واقعي. أما أن هذا العمل عاقل وجدي فهو لأنه يقوم ويستند إلى الموازين عينها التي تحكم حياتنا الواقعية الملموسة، فنحن حينما نظفر بقانون هندسي: كقولنا أن أعمدة (hauteur) مثلث تلتقي في نقطة واحدة وذلك بالإستناد إلى المسلمة التي تفيد أننا من نقطة واحدة لا نتمكن من رسم خطين مختلفين كلاهما مواز لخط ثالث مقترح. إن إيماننا العقلي الجدي  بهذه المسلمة يجعلنا نقبل ما يترتب عليها من الأمر البرهاني المعرفي.

 

هنا يطرح سؤال أننا إذا كنا نقوم أولاً بتعريف الكائن المتخيل، وهو ما معناه توليده من العدم، بناؤه من المواد الذهنية الأولية: عدد – نقطة – خط....، فهذا يعني أن الموجد، البناء، الخالق يجب أن يكون عالماً بأدق تفاصيل ما أوجد، ما بنى، وعليه يجب أن لا يسفر بحثنا في عبابه عن أي شيء لا نعرفه. فما هي قيمة البحث الموجد لما نعمله سلفاً؟

 

 والإجابة ن لا يسفر أااا

هي أن ذهننا مليء بالصور والأجسام التي تدل على نفسها بنفسها ولكنها تلوح في الخاطر كالصندوق المقفل ويكون على التفكير الدقيق أن يبحث في محتوياته ومكنوناته، ولهذا فإننا نستطيع أن نشبه رحلة الإنسان في أعماقه برحلته عبر الآفاق في الأرض أو في السماء أو كالغوص في البحار. ففي كل تلك الرحلات تعثر الحواس على كائنات يلوح ظاهرها للعيان بدون عناء أو بعناء في بعض الأحيان، لكنها في جميع الأوقات تحجب مكنوناتها عن النظرة السطحية المستعجلة. ما الذي جعلنا نهتم بالدرة لا بالحصى؟ لمعان وسطوع وجمال، العين الذهنية أيضاً لها إحساسها وذوقها وهي لذلك اختارت الدائرة ولم تختر شكلاً هندسياً منبعجاً مهتزاً مع أن هذا الأخير شكل هندسي يمكن تخيله. وذلك لأن الدائرة تحتل رتبة عالية في سلم هذه العين الداخلية الفاحصة. ولذلك فإن الكائنات التي يختارها الرياضي في رحلة تخيله تشترك جميعاً في صفة كونها مميزة من جهة ما مما حدا بالفكر على دراستها. وفي سائر الأحوال فإن الدليل الأولي على أن الكائن المختار لم يكن كغيره هو تلك الميزات التي تبدأ بالانكشاف رويداً رويداً أمام آلة الفحص البرهاني الاستدلالي. المثلث ليس في بادىء الأمر سوى ثلاث نقاط تجمع بينها ثلاثة خطوط. لم يكن واضحاً البتة أننا لو قسمنا كل زاوية فيه إلى ثلاث زوايا متساوية لالتقت الخطوط عند مثلث جديد متساوي الأضلاع والزوايا.

 

نحن إذاً نعبر بالخيال الرياضي عن مساحة آهلة بالكائنات الملفتة المليئة بالأسرار نحن نكتشفها ونسافر خلالها في رحلة عميقة وشاقة تماماً كما نسافر ونعاني المشقات والأهوال في رحلات السفر عبر الآفاق البعيدة.

 

غير أننا نستطيع أن نميز نوعين من التخيل الرياضي: التخيل التصوري والتخيل العقلي. في التخيل التصوري تنطبع في الذهن صورة تشبه ما يمكن تصويره في الواقع فعلاً، كالمثلثات والمكعبات والشبكات وما إلى ذلك. والخصائص المنتزعة من رحم تعريف هذه الصور هي أيضاً يمكن تصورها وتصويرها على حد سواء. أما في حالة التخيل المبني على المعطيات العقلية فحسب، أي المبني على تعاريف عقلية بحتة فإنها لا تؤدي بالضرورة إلى رسوم وانطباعات يمكن تصويرها. كمثل على ذلك، يمكننا تخيل مجموعة غير متناهية، إن أمر التصوير يصبح متعذراً فعلاً حينما نتحدث عن درجات في سلم القيم اللامتناهية فكيف إذا وصل الحديث عن تفاضل وقوانين تحكم هذه الدرجات عند درجة لا متناهية أيضاً.

 

نحن هنا نتجاوز حدود التصور الذي يتجاوز بدوره حدود الواقع لنصل إلى عالم المتخيلات المعقولة التي لا يمكن تصورها ولكن يمكن الحديث عنها ودراستها واستنتاج مميزاتها وتسخيرها لخدمتنا وخدمة تقدمنا، وذلك تماماً كالذي نقوم بدراسته في عالم الملموس والواقع. إذاً عندما نتجاوز حدود الواقع ندخل في عالم التصور التخيلي إلى أن نصل إلى حدود هذا العالم الجديد حيث يصبح التصور متعذراً، غير أن الخيال يتابع رحلته عبر كائنات معقولة وإن كانت غير قابلة للتصور، وقد قلنا في فصل سابق أن رحلة التخيل العقلي قد تقف هي الأخرى عند حدود لا تستطيع تجاوزها ليتابع الإحساس الجمالي رحلته في عالم أوسع وأوسع حيث يتمكن من معاينة كائنات لا يمكن التعرف عليها في المشاهدة الملموسة ولا يمكن تصورها أيضاً أو الإحاطة بها عن طريق الإدراك والتخيل العقلي، كائنات لا سبيل إلى ملامستها إلاً عن طريق الذوق الجمالي السائر في عالمه الخاص به بعد أن يتجاوز جميع العوالم المحدودة الأخرى.

 

إذا قلت أن مجموعة الأعداد الصحيحة هي مجموعة غير متناهية، فإن هذا سوف يكون كلاماً معقولاً، غير أن مجموعة الأعداد الحقيقية هي أيضاً مجموعة غير متناهية وهذا كلام معقول أيضاً. غير أن ما لا يمكن توقعه أو تصوره هو أن لا تكون المجموعتان متساويتين بمعنى من المعاني وهو ما معناه أن مجموعة الأعداد الحقيقية أكبر من المجموعة الأخرى، وهذا وإن كان سهل التناول من الجهة الشكلية السطحية وذلك لأن مجموعة الأعداد الصحيحة هي جزء من مجموعة الأعداد الحقيقية غير الأمر سوف يختلف تماماً حينما نقول أننا نستطيع أن نجد لكل عدد حقيقي مقابلاً له في الأعداد الصحيحة وذلك لأننا أمام مجموعتين لا تفرغان من كثرة الأخذ والسحب. ولكننا قمنا من خلال البرهان القاطع ببيان بطلان ذلك (راجع الفصل...) ونحن لا نريد إعادة وتكرار ما قلناه ولكننا أحببنا أن نشير إلى المسألة من زاوية التخيل. البرهان هنا هو الذي يحسم الأمر وليس التخيل ولا التصور. إلاّ أن هذا البرهان يقودنا إلى مكان تلتبس فيه الأمور وتختلط علينا القضايا حيث أنه – أي البرهان – وإن كان يؤكد أن مجموعة الأعداد الحقيقية هي أكبر من مجموعة الأعداد الصحيحة، إلاّ أنه يؤكد أيضاً وبنفس درجة القطيعة أن ليس بإمكاننا من خلال أدواتنا البرهانية من مسلمات وقواعد واستدلالات أن نؤكد أو أن ننفي وجود مجموعة تكون بينهما أي أكبر من مجموعة الأعداد الصحيحة وأصغر من مجموعة الأعداد الحقيقية، إنها مشكلة لا سبيل فيها للبت والقطع، والبرهان على هذا سليم ومتقن لا لبس فيه إلاً أنه يرمي في الحيرة والتخبط.

 

 

الواقع عن طريق الخيال:

 

العلاقة بين الواقع والخيال ليست علاقة مقطوعة فالحدود بينها ليست مقفلة بشكل تام، فهي ذات فتحات وثغرات تسمح بمرور في الإتجاهين: المرور من الواقع إلى الخيال عادي نشاهده جلياً في ملاحظتنا لظاهرة الفكر البشري، فتجميع ما لدينا من صور الخيال والخرافة والأساطير هي تأليف وتركيب أو تضخيم وتشويه لصور الواقع ورسومه وأخباره. غير أن المرور في الاتجاه المعكوس هو المرور المثير للإستغراب وهو موضوع دراستنا في هذه الفقرة. كيف يمكن أن يعود علينا الفكر التخيلي بالنفع الواقعي؟ كيف يمكن أن يمنحنا الخيال حلولاً لمشاكلنا الواقعية؟ كيف يمكن أن يمر أو أن تمر القوافل في سفر واقعي عبر محطات غير واقعية؟ للإجابة على هذه الأسئلة نستعرض ما يلي:

 

الأسطورة: الأسطورة حكاية معفية من القيود والضوابط، ليس عليها أبداً أن تلتزم بالقوانين والحسابات التي تحكم الواقع وتديره. فإذا أرادت جعلت للإنسان جناحين أو تحدثت عن جبل من ذهب أو عن شجرة نخل تكبر في ساعة من الزمن أو عن دجاجة تبيض بيضة من ذهب أو ما إلى ذلك. فالأسطورة إذاً بما هي حكاية لا تكترث بموازين العقل ولا تحفل بمقاييس الإمكان والإستحالة التي تحكم هذا الوجود، لن يكون لها دور في دفع حركة الفكر إلى الأمام أو في إثراء المسيرة العقلية الذهنية من خلال دنوها لجملة من الملاحظات أو الحقائق أو الصور والرؤى الخيالية بطريقة منطقية. كل ما يمكن أن تحمله الأسطورة من الفائدة هي قيم جمالية أدبية تصويرية فنية يمكن أن تساعد في فهم العصر الذي كتبت فيه من المكونات الثقافية والتراكيب السياسية والإجتماعية، ففي ملحمة جلجامش على سبيل المثال، نجد قصة يختلط فيها الواقع بالخيال والإنسان بالآلهة، وغير الآلهة، لكننا مع ذلك يمكننا أن نكون من خلال هذه القصة الخرافية لمحة عن الحضارة البابلية: واقعها السياسي والإجتماعي معتقداتها الدينية كما يمكننا أن ننتزع بعض الحكم الصالحة للإستعمال في حياتنا الواعية الواقعية مما نطقت به شخصية خرافية مخترعة وذلك أن حكاية الخرافة وإن كانت غير مقيدة بالأحداث الواقعية إلاً أنها ملزمة بأن تكون ذات حبكة إنسانية بمعنى أن تتابع فيها الأحداث وتتحرك فيها المواقف والانفعالات على وتيرة تتناسب مع طبيعة الإنسان ونطاقه العقلي والشعوري. لكنها مهما يكن فإن فوائد الأسطورة الصالحة للإستعمال في حياتنا الواقعية هي فوائد تذهب في هذا الاتجاه، فنحن ننشد في الأسطورة الجمال والأدب والإبداع الفني والتصوري وأنس الحكاية وأخذ العبرة والحكمة التي تكمن خلف السرد والرواية. نحن لا ننشد فيها حتماً علماً أو معرفة، حيث أننا لم نتخذ ملحمة جلجامش مثلاً دليلاً على وجود إكسير الحياة وهو ماء إذا تناوله الإنسان أصبح من الخالدين. ونحن بالتالي لا نندفع بعد قراءة سطور هذه الملحمة لبحث عن هذا الإكسير كما فعل جلجامش. إنه أمر نقر بعدم واقعيته وبخرافته حتى لو ظفر به جلجامش في القصة فإن هذا لا يزيد من احتمال وجوده في الواقع. غير أن المثير في علاقة الأسطورة بالواقع هو تلك المصادفات – أو أنها غير مصادفات – المتمثلة بتمكن الإنسان من القيام واقعاً بما تحدثت عنه الأسطورة من قبل: الصاروخ والطائرة وركوب الفضاء والوصول إلى القمر والاتصالات وما سوى ذلك برزت جميعها في خرافة الأمس وأساطيره ولم يكن المراد منها سوى الحكاية والإيناس كما أسلفنا. لقد أضحى شبه معتقد أن الخيال العلمي في عصر من العصور ليس سوى مقدمة – منطقية – لحقبة جديدة من حقبات ابتكاره واختراعه ولذلك عدت الأسطورة دوراًً أصيلاً من أدوار الحياة الواعية ومحطة لا بد منها على طريق التقدم العلمي والفكري وهي ليست كما ذكرنا سابقاً مظهراً من مظاهر الشذوذ والتهتك والاستخفاف بموازين الحياة الفكرية الواعية، فكأن الأسطورة هي أول ردة فعل لدى الإنسان أمام المجهول، وكأن المجهول هو بالنسبة للإنسان ستار وحائل وأنه – أي الإنسان – هو الذي قد أعطي الحق لوضع ما يشاء تحته من الحقائق، فيبدأ بالتكلم عن وجود مادة تحول التراب إلى ذهب وعن ماء الخلود وراكب الفضاء ويخلق ما يشاء من الصور والرؤى، فكأنه بذلك يستفز أداته العاقلة للشروع بالبحث والتفتيش في عباب هذا الجهول المليء بالكنوز والأسرار، لكن الملفت أن هذا الحداء الأسطوري لتحريك عجلة العقل ليس حداءً فارغاً، لقد أثبتت فصول الدهر التي تعاقبت على هذا الفكر البشري الباحث المجد أن هناك علاقة ما بين ما ينقدح في الذهن من الصور والرؤى الخيالية وبين ما يتفتق عنه العقل من الابتكارات والاكتشافات، لكن هذه العلاقة لا تبدو إلاّ من خلال هذه المقارنة الغامضة بين ما أثارته الأسطورة وما أضحى فعلاً على لائحة الابتكارات البشرية الواقعية.

 

الإحداثيات:

 

لنبتعد قليلاً الآن عن حديث الخرافة والأسطورة ولندخل في صميم المرحلة العقلية المنطقية. هنا أيضاً كان للخيال دور في اتجاهات شتى، في اتجاه أول: رأى العقل أن المكان – وبالتالي الحركة فيه، يمكن أن يقرأ على خطين متقاطعين عامودي وأفقي وموقع أي نقطة يمكن أن يحدد من خلال ظله على هذين الخطين المفترضين.

لقد أدى هذا الانتقال بمفهوم الكلام من صيغته التصورية إلى صيغته الخيالية إلى ولادة الهندسة التحليلية التي فتحت بابها واسعاً أمام العلم وحركته. المثير للدهشة في هذا المجال أن معرفة مسارات كثير من الأجسام المتحركة بدقة لم تتم من خلال المعاينة والمشاهدة بل من خلال إنتاج رسوم تخيلية لهذه المسارات بناء على المعطيات العلمية الأولية والقوانين الذهنية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. ففي علم المقذوفات يتم إنتاج رسم تخيلي لكل مقذوف بناء على معطيات كسرعته الأولية وزاوية انحنائية، ثم يأتي دور التطبيق الواقعي فنجد أن الرسم التخيلي يصح في الواقع بدرجة عالية لا بل أنه من المتعذر أن نكشف المسار بالدقة التي يقدمها لنا ذلك الرسم التخيلي، وهنا نلاحظ أنه إذا كان المنهج يمنع من اعتماد وساطة الخيال لمعرفة الواقع فإن الصورة سوف تبقى غامضة غير دقيقة. أما في حال توسط العملية التخيلية فإننا نستطيع أن نبالغ في وصف المسار الذي سيكون عليه هذا المقذوف وبالتالي الهدف الذي سيصيب والوقت الذي سوف يستغرقه وما إلى ذلك.

منذ المجانيق واستعمال المقذوف الجمري والحديدي والناري كان التسديد يتم عن طريق الملاحظة والتصحيح، أما التسديد بعد وساطة الرسوم التخيلية أضحى عملية رياضية مبرمجة يمكن معها بلوغ دقة لا متناهية بلغت في عصرنا الحديث مراتب لا تصدق حينما أصبح الخطأ المتوقع في الصواريخ العابرة للقارات لا يتجاوز الأمتار المعدودة.

 

مثال آخر هو حركة الكواكب، فإن مشاهدة القمر وتتبع منازله لن يؤدي أبداً إلى إعطاء وصف علمي دقيق لحركته يمكن من الوصول إليه عبر مركبة آتية من كوكب الأرض. غير أن الذي مكن الانسان من بلوغ القمر ليس فقط امتلاكه للمركبة الفضائية ذات الطاقة النارية الكبيرة، بل معرفته بمنتهى الدقة لمسار القمر الذي وضعه له خياله في نظام إحداثي معين عرف من خلاله كيف يمكنه من تتبعه ثانية بثانية ولذلك فهو ضرب له موعداً في مكان وزمان معينين وفعلاً وصل إلى هذا المكان في الموعد المحدد، ولو وقع خطأ ولو بمقدار قليل فإن سرعة القمر في حركته حول الأرض، تحول دون تمكن المركبة الفضائية الضعيفة من اللحاق به.

 

يقاس على مثل ذلك كل ما تفرع عن هذا التخيل للمكان المضبوط على خطين وهميين عامودي وأفقي.

 

ومن الجدير ذكره هنا أن الفضاء يضبط على ثلاث خطوط لا أكثر بمعنى أننا بإمكاننا من خلال ثلاث خطوط غير موجودة في سطح واحد وأن نضبط حركة أي جسم في الفضاء فيكون موقع أية نقطة محدداً من خلال المقادير التي سجلت على كل  واحد من الخطوط الثلاثة، وتبعاً لهذا الضبط أحرز الإنسان أيضاً خطوة واسعة في فهم الحركات الأكثر تحرراً في الفضاء من الحركة التي تسير على خط مستقيم أو في مسطح معين، وقد مكنته هذه الرؤية أيضاً من تقديم وتسجيل معرفة دقيقة بكثير من الظواهر. غير أن الخيال لم يقف عند هذا الحد، فهو حينما قرأ المكان من خلال ثلاثة من الخطوط فهو إذاً عالم بثلاثة أبعاد، قام من خلال هذا التسلسل بوضع عوالم افتراضية ذات أبعاد أربعة وخمسة وحتى لا متناهية، وذلك رغم  أن التصور يقف عند حد العوالم ذات الثلاثة أبعاد فإنه لا يمكن أن يتعداها إلى ما هو أكثر من ذلك. التصور البشري لا يمكن أن يرى عالماً من أربعة أبعاد فما فوق، ولكن هذا لم يمنع الخيال من متابعة رحلته الإفتراضية عبر عوالمه الوهمية. المثير والمدهش حقاً أن تعود هذه الرحلة الخيالية الموغلة في الوهم بعيداً حتى عن التصور على الفكر بعائد مهم وذلك من خلال اكتشاف أن الذبذبة الكهرومغناطيسية تعيش في عالم غير محدود الأبعاد وأن هذه الذبذبة حينما تقرأ على مقاييس هذه الأبعاد تنفتح خزانة أسرارها ويمكن فهمها والإفادة منها على أتم وجه.

 

هكذا إذا بدأ الخيال بالذهاب نحو أبعاد مكانية غير واقعية ثم تابع رحلته متجاوزاً حتى التصور نفسه ليعود بعد هذه الرحلة الموغلة في الوهم ليقدم للفكر خدمة منقطعة النظير في فهم وتدبر ما يحيط به من الظواهر والأشياء.

 

النظام الجبري:

 

نموذج آخر من نماذج التخيل الذهني الذي يفضي إلى حلول منطقية لمشكلات واقعية النظم الجبرية المعتمدة. من أجل أن يكون العرض واضحاً سوف نورد مثلاً من الأمثلة الواقعية: الأعداد الصحيحة 1،2،3... هي أول ما خطر على بال الإنسان وأول أرقام تم تداولها وحتى أن كرونكر اعتبرها مخلوقة مع الإنسان وكما سبق ورأينا أن الإنسان اتجه من هذه الأعداد إلى تلك الأكثر تعقيداً وهي الأعداد الحقيقية كالجذور أو الأعداد التي أثبت أنها صمّاء مثل π أو e وما إلى ذلك، كل واحد من هذه الأعداد كان في مرحلة معينة من مراحل الفكر الحسابي عدداً لا وجود له. e  على سبيل المثال لم يقترحه الذهن إلاّ في سياق حساب اللوغاريتمات أي في القرن السابع عشر وهو ما معناه أن الفكر الرياضي لم يذكر هذا العدد لا تعريفاً ولا أثراً. الآن نستطيع أن نوضح مسألة في غاية الأهمية: هناك طريقة بسيطة للتعبير على العدد 1 هي أن نقول واحد أو أن نكتب 1 وهناك طرق أخرى أكثر تعقيداً من قبيل أن نكتب مثلاً: 1=( 1-e ) + e.  نحن هنا ولأجل أن نعبر عن العدد 1 نضطر القارىء للمرور عبر طريق  وعرة عليه خلالها أن يفهم المعنى الدقيق للعدد e وهو ما لم يصل إليه الذهن الحسابي في تطوره الطبيعي إلاّ بعد مرور زمن طويل، إن هذا تعقيد مفتعل ومسار لا يستساغ فلو خير العقل العادي بين أن يكتب 1 أو أن يكتب ( 1-e ) + e فهو حتما سوف يعتمد الطريقة الأولى وهو سوف يحكم على من يعتمد الطريقة الثنائية بأنه مصاب بنوع من الخلل والإعاقة. غير أن هذا التعقيد وهنا موضع الدهشة، يمكن يكون مفيداً لا بل ضرورياً لا مفر منه في بعض الحالات.

 

 لقد كنا في الحالة السابقة نتحدث عن توسط المعقد للتعبير عن البسيط، غير أن المعقد والبسيط كلاهما واقع ملموس، فماذا إذا توسط الوهم والتخيل للتعبير عن الحقيقة والواقع؟ كيف يكون ذلك؟ لنعالج السؤال التالي: هل يوجد عدد يكون مربعه -1؟ هل يوجد عدد  xبحيث يكون  x2 = -1؟ الإجابة هي النفي حتماً وذلك أن مربعات الأعداد هي أعداد إيجابية دائماً، وهذا ناشئ عن تعريف عملية الضرب. بما أن افتراض المحال ليس محالاً سوف نفرض أنه نزل علينا للتو عدد من السماء اسمه x بحيث أن x2 = -1. وأضيف هذا العدد إلى لائحة العداد التي نتداولها واختلط بها ونجم عن ذلك أعداد خيالية من قبل 2x,5x,5x+3…. وكل ما يمكن أن يترتب على عمليات الجمع والضرب من الأرقام.

 

الآن أيضاً بإمكاننا أن نعبر عن الواحد الصحيح بطريقتين:

أن نكتب 1 أو أن نكتب ( 1-x ) + x، في الطريقة الثانية قمنا بالمرور عبر كائنات متخيلة – غير معقولة – من أجل التعبير عن الواحد الصحيح، إذا كان المرور عبر الأعداد المعقدة للتعبير عن الواحد ضرباً من الإعاقة، وإذا كان المرور عبر المتخيلات للتعبير عن الواحد الصحيح هو إذاً ضرب من الجنون والخيال غير أن الفكر الرياضي وجد نفسه مضطراً للمرور عبر هذا – السفر المجنون – للبحث عن أعداد حقيقية لدى بحثه عن حل للمعادلات من الدرجة الثالثة. لقد وجد هذا الفكر أن الوصول المباشر إلى هذه الأعداد الحقيقية – الحلول للمعادلة المطروحة – من الدرجة الثالثة متعذر ولا بد من البحث عن أعداد متخيلة يؤدي جمعها إلى الوصول إلى هذه الأعداد. هذا يعني أن حل معادلة من الدرجة الثالثة وهي مشكلة واقعية بحتة يضطرنا إلى المرور عبر محطات خيالية ثم العودة منها إلى الواقع ونحن نحمل حلاً لمشكلتنا!!

 

ما هو الفرق بين ما نقوم به هنا وبين الأسطورة التي نقول أن شجاعاً كان إذا داهمه خطر – هاجمه أسد على سبيل المثال - يقوم برسم سيف على الأرض ثم ينتزعه فإذا هو سيف حقيقي يدافع به عن نفسه ويقضي على هذا الأسد المفترس.

في كلا الحالتين هناك لجوء إلى الخيال، في الأولى لاختراع كائن لا وجود له هو x والعودة به ليكون المفتاح المنشود وفي الثانية هناك لجوء إلى الخيال للإتيان بسلاح لا وجود له ولكننا نستعمله وندفع به الخطر الداهم، إذاً ما هو الفرق بين الحالتين؟

هذا السؤال يزداد دهشة وإلحاحاً كلما تعرفنا أكثر على الأثر الواقعي لهذه الإستعانة بالخيال فهي إضافة إلى ما ذكر تكشف أن جميع الـ polynomes من الدرجة الثالثة فما فوق هي قابلة للتجزؤة وهي حقيقية كما نراها لا تبتعد عن الحديث الواقعي في أي جزء من أجزائها،  إنها تماماً كقولنا هذا البيت مؤلف من عدة غرف أو أن هذا الماء يتألف من غازي الهيدروجين والأوكسيجين، فما الذي يضطرنا للجوء إلى الخيال لإثبات هذه الحقيقة، إنه حقاً أمر مستغرب، غير قابل للتصديق، أقرب إلى الخرافة والأسطورة، أن يزودنا الخيال بحلول لمشاكلنا الواقعية المنطقية

نستطيع أن لا نقف عند هذا الحد بل يمكننا أن ننظر فيما أسهم فيه هذا العدد الخيالي من احتساب بعض المساحات والمقادير، كما برز كأداة فاعلة في كشف أسرا الأعداد الولية وقواعد توزيعها بين الأعداد الصحيحة. لقد استطاع هادامار ولافليه بوسان من استخدام الأعداد الخيالية  للبرهنة على صحة التخمين الذي كان قد وضعه غوص ولوجندر أواخر القرن السابع عشر، وكان ذلك في العام 1900، على أثر هذا البرهان الغريب الذي قدم وضعوا تخميناً مفاده أن لا حل لمبرهنة الأعداد الأولية إلاّ عن طريق الأعداد الخيالية، وقد بقي هذا التخمين سائداً أكثر من ثلاثة عقود إلى أن قام  Mobius و  Erdos كل على حدة بإثبات خطأ هذا الإعتقاد من خلال تقديمهما لبراهين لا صلة لهما بالأعداد الخيالية.

 

إلى هنا لا تزال الأعداد الخيالية تعمل في نطاق المجال العقلي المجرد، غير أن هذه الأعداد أزدادت توغلاً في واقع الإنسان ومجالات عمله إلى أن أصبحت أداة لا يستغنى عنها في دراسة الفيزياء الحديثة.

لا يمكن أن نتخصص اليوم في مجال هندسة الكهرباء أو الإتصالات أو الكمبيوتر بدون دراسة هذه الأعداد الخيالية وتطبيقاتها في فهم ودراسة الشبكات الالكترونية المعقدة أو في رصد ومتابعة الموجات الكهرومغناطيسية المتداخلة.

 

فكرة وضعها الخيال تصبح أداة مركزية لوضع الحلول ودراسة القوانين المستترة للكهرباء والاتصال وما شابه أليس في ذلك تماس بين نقطتي الجنون والعبقرية في شخصية الإنسان؟ يبدو أن مشهدهما – الجنون والعبقرية – كقطبين متباعدين متضادين مشهد بحاجة إلى إعادة مراجعة ولعل الصحيح أن المشهد به بعض الانحناء أو الدائرية، إذاً أن العبقرية على ما يبدو يمكن أن تخرج من صميم التهتك والتفلت والذهاب بعيداً عن أحكام العقل ومألوفاته.

 

المخيلة والزمن:

 

 في المخيلة صور شتى بعضها نزعم أنه حقيقي وبعضها الآخر نحكم أنه وهمي لا حقيقة له. مثلاً أستطيع أن أتخيل الكعبة، فالأفق الذي حجب صورتها عن عيني لم يتمكن من حجبها عن المخيلة ويكفي لأجل إثبات حقانية هذه الصورة وواقعيتها أن أسافر إليها لأجد واقعاً محسوساً مطابقاً لما ارتسم في المخيلة الذهنية. هناك صور أخرى نحكم بواقعيتها وهي صور الماضي. غير أن هذه الصور لا سبيل إلى تأكيدها بشكل محسوس فكم من صورة تحملها المخيلة الذهنية لعزيز توفي أو لبيت قديم بادت معالمه بعد أن كان في وقت من الأوقات المهد والمرتع والملعب أنه تحول إلى صورة أشاهدها في مخيلتي ويشاركني في حملها بعض الأفراد ممن عاشوا معي في هذا البيت أو عرفوه، أما باقي الناس فإنني لا أملك أي سبيل لكي أثبت لهم أن هذا البيت كان قائماً في يوم من الأيام بهذه الصفة أو بهذه الكيفية. لقد بحثوا بشأن الماضي وتعددت آراؤهم من قائل بأن صور الماضي ليست بشيء وليس أكثر من وهم وبعضهم الآخر ميّز بين الماضي البعيد والماضي القريب، فقال أن الماضي البعيد لم يعد له أي وجود أما الماضي القريب فهو حقيقة واقعة بما هو، صور لا زالت محفوظة بدقة في المخيلة. الطريف هو أن الدخول في إطار هذا النقاش الفلسفي قد يحدث بلبلة وتشويشاً في ذهن تعود أن يعطي بحسم صفة الحقيقة لكل ما هو ماضي تماماً كالحقائق التي يشاهدها ويحس بها. غير أنه في إطار هذا البحث الفلسفي يجد نزاعاً حاداً لا يحسم بسهولة بين هويتين أحدهما حقيقية وأخرى وهمية ويدور النزاع بين الوهم والحقيقة فتتقارب الوجوه وتتداخل الأمكنة

كلما لاح خيال في فؤاد وتجلى

خلته حقاً فلما غاب عني وتولى

حرت في وهم يباري الحق وجه ومحلا

إن عقلي وهو وهم لا يرى في الوهم عقلا!!!

 

والطريف أيضاً أن مفهوم الزمن سوف يطرأ عليه تغيير كبير، فنحن سوق نلامس التعريف الأرسطي للزمن من خلال معدومات ثلاث: ماضي لا سبيل إلى معاودته واستحضاره وهو التحقق منه، وصورة عن المستقبل لا حقيقة لها، وحاضر لا سبيل إلى القبض عليه فما إن نقبض عليه حتى يتحول إلى ماضي معدوم كما أسلفنا. الموقع الذي يحتله مفهوم الزمن هو برغم ذلك موقع أساسي في منظومتنا العلمية الإنسانية المعاصرة، كيف تبدو الأوقات والوقت يفشيه صمت المكان. ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الآراء الفلسفية أو العلمية التي تناولت مفهوم الزمن، كلما نرغب في إثباته هو مدى المساحة الجدية التي يسود فيها الخيال في استدلالاتنا المعقولة والمعتمدة في اتجاهاتنا العلمية.

 

خلاصة هذا الفصل أن الخيال ذو دور أصيل في ظاهرة الفكر البشري وذلك من خلال استعراض واسع لكل ما من شأنه أن يساهم في إبراز هذا الدور وما ينجم عنه من أثر في تعميق بعض المفاهيم، كل يزود الأفق الذهني بما يلزم لإنتاج فهم دقيق لهذه الظاهرة المعجزة.