أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> إشكالية المقدس في الكتب المقدسة

 

 

إشكالية المقدس في الكتب المقدسة

 

 

مقدمة :

 

المقدس هو أكثر القيود قوة وإلزاماً ، فهو يشد المعتقد به إلى ما يترتب عليه من آثار بشكل قاطع غير مرنٍ لا يبقي لأي خيار آخر من بقية ، فهو أمر مطلوب حراسته بوصفه ما لا يجوز المساس به ، وهو ليس عرضةً للتغيير أو التبديل بناءً على تغير رأي أو حدوث رأي بناءً على تجربة أو أي أمر آخر .

 

وأبرز ما يميز حارس المقدس ذاك هوالشدة والميل إلى إنكار أي اقتراب من مقدسه بوصف ذلك إعتداءً أو محاولة اعتداء . ولهذا فإن أي خطأ في التقدير في معايير التقديس لن يكون خطأً حسابياً أو ذهنياً يناقش في أكثر المنتديات الفكرية إسترخاءً ، بل سيكون منزلقاً لتاريخ أممي ينتهي به إلى حفر التخبط والضياع والبؤس والجريمة وما إلى ذلك .

 

هكذا فإن اعتبار الحجر او البقرة أو ما شابها إلهاً يعبد لن يكون خطأ يثير الضحك من خلال جملة من الطقوس الغريبة التي ستتم ممارستها ، بل إن ذلك سيكون بمثابة الخيط الذي سيحاك منه الثوب عموماً بمختلف أجزائه وتفاصيله . فعكوف الإنسان العاقل بجوارحه وأحساسه المهيأة للتعلم بإمتياز من مصادر العلم والمعرفة أمام هذا النصب او الحيوان الذي لا يضر ولا ينفع ولن ينكشف في يوم من الأيام عن سرٍ ذي أهمية ، يعني بكل تأكيد انصراف هذه الجوارح بكل ما تمثلها من طاقةٍ وقابلية إلى حيث الظلام والخواء ، ويعني هذا إعراضاً أكيداً وتجاهلاً بيناً لمصادر المعرفة والتعلم ، وفي ذلك تكمن مأساة هدم ذلك الكيان الكريم القابل للتعلم والتطور والتكامل . ولا شك أن هذا الإلغاء لموازين العقل السليمة سيمكن الجريمة والظلم والجور من ان تسود في عادات المجتمع وتقاليده وأوضاعه وأحكامه وقوانينه وغير ذلك .

 

إن ما بين عادة دفن الأولاد أحياء وبين عبادة الصنم قرابة أكيدة ، حيث كانت عبادة الصنم كافيةً لمحو ميزان التعقل واستبداله بميزان جائر مشتق من أتفه وأحط ما لدى هذا العابد من الرواسب الأنانية الدنيئة ، وهكذا سهل عليه أن يتقبل عادة مشؤومة قاسيةً كدفن الأولاد أحياء . كذلك فإن قداسةً زائفةً مكنت الإنسان من ان ينادي من فوق عرشه "أنا ربكم الأعلى" أدت إلى وضع امةٍ أو تاريخٍ كاملٍ في سجن محكم من الجور والظلم وأخذت تذيقه من كل أنواع التنكيل والإضطهاد . وإن سرايان عقيدة التقديس الزائفة تلك في أوصال المجتمع حتى أحاطت بكل ذهنٍ وكل روحٍ وأصبحت قرين شؤمٍ يرتبط بالمرء منذ نعومة أظفاره ، ليمس الخلل عمق الأرواح وتقبل مسلمة مستسلمة طائعة صاغرة لهذا المقدس الذي يحي ويميت بكلمة أو بإشارة أو بما هو ادنى من ذلك .

 

كذلك فإن العقيدة المقدسة سواء كانت في الكون أو في الشريعة أو الحياة كانت سبباً ومبرراً لأقصى أنواع الجرائم عبر التاريخ . لقد كان يكفي أن يتهم إنسان أو حتى مجتمع كامل بعدم إلتزام شريعة "مقدسة" حتى يصبح قتله واجباً دينياً مقدساً يتسابق للقيام به جمهور المتقربين إلى الله الساعين للمزيد من مرضاته . لقد حكم بالحرق على القائل أن الأرض تدور لأنه لا يحترم العقيدة المقدسة التي تقول أن مهد الرب يجب أن يكون ساكناً كما أحرقت قرىً في الحجاز لعدم إلتزامها بالعقيدة المقدسة التي توجب تسوية القبور بالتراب [1] .

 

نهدف في هذا البحث إختبار جملة من العناوين المقدسة المأخوذة من الكتب المقدسة ومعرفة ما اشتملت عليه تفسيرات البعض من الخلل زيادةً أو نقصاناً ، لنصل في الخلاصة إلى تبيان الجذور الواضحة التي تتكون في مرحلة النفوذ الديني المطلق لتخرج منها حقبة الإنقلاب التام على الدين وإقصائه بالكامل عن الحياة الفردية والإجتماعية والسياسية .

 

ومما نود لفت الإنتباه إليه في هذه المقدمة أن بحثنا لا يندرج في إطار المناظرة الدينية لتغليب دين على دين بل يريد هذا البحث أن يعبر عن إنتماء إلى الفئة التي تمسكت بمعايير التقديس الدقيقة ، وكان ثمن ذلك السحق والإستضعاف ومحاولات المحو والإلغاء . إن هذه الفئة موزعة ومتناثرة في تاريخ جميع الديانات ، وهي تمثل بعد إعادة تجميعها ونفض الشوائب عنها الدين القيم الواحد الذي لم يتغير ، وهي الوارثة الحقيقية لجميع المقاصد الشريفة التي تتحد في إعلانها كل ما نزل من السماء من الكتب المقدسة . غير أننا من جهة أخرى لا نستطيع إخفاء إيمان هذه الأوراق الراسخ (المستعد لأي مناقشة علمية موضوعية) بأن نصوص القرآن الكريم لم يأتها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، وذلك بخلاف الكتب المقدسة الأخرى . فنحن سوف نكون أمام نصوص مباشرة من الكتاب المقدس ، بينما سنكون أمام روايات وتأويلات ترتبط بآيات القرآن الكريم .

 

نبدأ أولاً بتعريف الإشتباه ودراسة بعض أسبابه ، ثم ننظر في عنوان الألوهية وما مسه من خلل في أذهان وتأويلات الكثيرين ، ثم نعمد في الفقرة التالية إلى دراسة معنى النبوة وما هو حالها بعد أن ألصق بها الكثيرون معاني شائنة مع إبقاءٍ ـ غريب عجيب ـ على زعم التقديس الفارغ . بعد ذلك سننظر في بعض العقائد المقدسة وما اشتملت عليه من اخطاءٍ وعلل وتناقض مع ما أسفر عنه الكون من أسرار المعارف ، ثم نختم حول الشريعة المقدسة وما أدى إليه الخلل في التعامل معها من نشوء وتكوين بذور نقض الدين والإنقلاب عليه وهو ما تحقق في مرحلة تاريخية لاحقة متممين بذلك ما أردنا الإستدلال عليه من ان مرحلة نقض الدين لا تقل عن مرحلة حكومة الدين إنتماءً إلى مرتكزات التقديس المختلة .

 

 

1-   في الإشتباه وأسبابه :

 

المتشابه هو من أحد العناوين البارزة في الفكر الديني وهو يعني العقيدة التي يتبناها الإنسان نظراً لقرب صورتها من الحق بينما لا تكون هي كذلك [2] .

 

وقد جاء في القرآن الكريم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وآخر متشابهات ..." [3] ، ومن الطبيعي أن تكون المحكمات كافية وافيةً في بيان معنى المتشابهات الدقيق بعد إرجاعها إليها لتصبح محكمات مثلها ، لأنه بدون ذلك لن يتوقف الذهن المتحير المشتبه عن الدوران بين عدة من المعاني بعد فقدان أي مرجح للثبات على أحدها . إن المفيد هنا هو النظر فيما يفرض على الفكر الديني ان يكون مشتملاً بالضرورة على فخ المتشابهات .

 

لقد توهم البعض خطأً أن المتشابه هو شيء تعمدته الإرادة الإلهية من أجل جعل الإمتحان والبلاء في تمييز الناس أمراً اكثر صعوبةً . وليس ذلك سوى زعمٍ يتنافى مع طبيعة الكتب السماوية الهادية وقصورٍ عن معرفة ما يجعل من الفكر الديني ـ دون غيره ـ فكراً ملزماً بحيازة هذا النوع من الإشكالات . إن اعمال النظر في مقاربة هذا السؤال يجعلنا نتلمس بعض أسباب ومبررات الوجود الذي لا بد منه لهذه المتشابهات في الفكر الديني .

 

أ‌-       مواجهة العادات والتقاليد الإجتماعية المستحكمة :

 

إن الأعراف عموماً هي القوانين الأكثر قوة والأكثر نفوذاً في المجتمعات ، ولذلك فإن الخروج على القوانين والشرائع الدينية أمر يمكن أن يغتفر وينسى بعد حين ، أما الخروج عن المألوف والأعراف السائدة فهو قد يلحق عاهةً وعاراً يلتصق بهذا الفاعل ولا يفارقه حتى مماته ، بل ربما عيّر عقبه بفعلة أبيهم وصاروا يحملون لقباً يعبر عن تلك الفعلة النكراء ، ولهذا الأمر الكثير من الأمثلة في تاريخنا العربي خصوصاً في أيام المجتمع الجاهلي . لذلك لم تكن بعض العادات المنحرفة التي أحكمها العرف في المجتمع الجاهلي لتزول بمجرد أن تستبدل بمقترحٍ تشريعي مناقضٍ لها في مكان ما على الصحف المطوية ، بل كان لا بد لكسر هذه العادات من أن يقوم صاحب الدعوة بممارسة ما يناقضها على رؤوس الأشهاد . لكن هذا لم يكن ليمر بدون ثمن ، ذلك أن اقتحام المدى الخطر سيطلق لسان النوايا الزائغة للحديث المليئ بالشبهات والتدليسات .

 

من الأمثلة على ذلك  قصة النبي (ص) محمد مع ربيبه زيد حيث كان يحظر في الجاهلية ان يتزوج المرء بطليقة من تبنى ، وكان هذا العمل يمثل ممنوعاً يلحق من يقوم به بالعار . قضت حكمة السماء أن تدحض هذه التقليد غير المبرر من خلال النبي (ص) نفسه . والآية الكريمة الحاكية عن ذلك هي : "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ، فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم..." [4]

 

لقد كانت هذه العادة ، شأن أي عادة مستحكمة ، ذات جذور عميقة الغور لا يسهل اقتلاعها وإلغاؤها بمجرد استبدالها نظرياً أو على الورق بشيئ آخر . فمقارعتها لن تتم إلا في صيغ عملية يقوم خلالها أفراد عدة بممارسة نقيض العادة المطلوبة إلغاؤها ، فاتحين ورائهم الباب واسعاً أمام كل راغب بهذه الممارسة ممن يمنعهم الخوف من حكم المجمع القاسي عليهم بالخزي والعار ، ومعلوم أن الذي يقررهذه الأحكام في أي مجتمع هو جملة عاداته الأكثر شيوعاً واستفحالاً.

 

ولما كان النبي هو الأول دائما في أية مواجهة كانت ـ عسكرية أو إجتماعية أو ما إلى ذلك ـ (وهذا ما يعهد من قائدٍ لأكبر وأخطر عملية تغييرٍ في الدنيا) فقد اقتضت حكمة السماء أن يكون كسر هذه العادة عن طريق قيام النبي (ص) لأول ممارسة تخرقها وتناقضها . لكن هذا لن يمر بلا ثمن كما أسلفنا ، فإن موجة عارمة من الشكوك التي تحركها النوايا الزائغة التي كان يمتلئ بها مجتمع ذالك الزمان سوف تجتاح تلك الشخصية الطاهرة المقدسة محاولة النيل منها من كل طريق ممكن ، خصوصاً ان نقض العادة يستلزم أن يطلق زيد (القريب جداً من النبي) ليقوم النبي بعد ذلك بالتزوج منها ، وحينها سيكون من المتوقع أن يتحدث أصحاب النوايا الزائغة عن إعجاب سبق عملية الطلاق تلك ولربما كان ذلك الأعجاب من أسبابه . إن هذا هو الذي حصل فعلاً مع الأسف فلقد روي ان النبي رأى زينب بنت جحش بعد أن زوجها لزيد فوقعت في نفسه بعد أن لم تكن كذلك فقال النبي (على زعم الرواية) سبحان الله مقلب القلوب فما كان من زينب إلا ان نقلت هذه الكلمة إلى زيد بعد أن سمعت بها فسارع إلى تطليق زوجته تاركاً المجال أمام سيده المعجب بزوجته ليظفر بها ، وهكذا أصبح ما يخفي النبي وما سيبديه الله ليس سوى إعجاب النبي بزينب [5] .

 

وهكذا نلاحظ هنا أن هذا الفهم المتشابه أدى بنا إلى زج عيوبٍ فاقعة تهدم أصل القداسة في معنى النبي وهو ما سيؤدي ولو بعد حينٍ إلى هدم النبوة بذاتها .

كان ذلك نوعاً اولاً من المتشابهات التي يسببها وقوف النبي بنفسه في ساحة معركة لا يخرج المنتصر منها بدون ان تحاول النوايا الزائغة تعليق شيئٍ من أدران ما يجول في خاطرها بذلول القداسة والطهارة . هناك نوع آخر من المتشابهات الذي يترتب على محاربة العادات والتقاليد وهو ذلك الذي ينشأ من إعتماد خطة متدرجة في القضاء على الشر وعاداته ، ويكون ذلك نظراً لرسوخه وثبات أركانه في المجتمع . فالتدرج يعني في كل مرحلة من مراحله نسبةً من الرفض ممزوجة ومصحوبةً بنسبةً من القبول أيضاً ، والإشكال يبدأ من ميول الذهن إلى إعطاء طابع نهائي على كل شيئٍ ديني ، فإذا اعتمد الدين ـ بوصفه مشروع تغيير ـ خطةٍ متدرجةٍ في معالجة وباءٍ إجتماعي ما ، وجد نفسه أمام مشكلة من لا يتقبل أن تكون المقررات الدينية ذات طابع مؤقت ستستبدل بعد حينٍ بما سيخالفها وسيبقى هناك من سيتشبث بنهائية هذه المقررات رغم انها لا تمثل سوى تدابير متدرجة (تكتيكية) للوصول إلى الهدف النهائي .

 

ربما كان في تحريم الخمر ما يوضح هذه الفكرة ، فلقد بدأ التحريم بالحديث عن مزايا وعيوبٍ في الخمر "ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع في الناس وإثمهما أكبر من نفعهما"[6] ثم جاء حكم جديد في مرحلة تالية يزيد في إبعاد الخمر عن مجتمع إسلامي ويعقد العلاقة به وهو الحكم "ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى"[7] وفي مرحلةٍ أخيرةٍ حينما أصبح المجتمع أكثر تهيأً وتقبلاً لحكم قطع دابر هذه الظاهرة وفصلها الكامل والبات عن ذلك المجتمع جاء الحكم النهائي القائل: "إنما الخمر والميسر والأزلام والأنصاب رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه"[8] .

 

إن النظر في هذه الآيات بغير الصيغة المتلاحقة المتدرجة والمتسلسلة نحو هدف واحد ومحدد سوف يؤدي إلى إختلالٍ في فهمها جميعاً . حيث قد يختبأ المتشابه في تفسير قوله تعالى ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، ذلك أن ظهور اللغة يجعل الصلاة قيداً من قيود النهي فيتقيد به ولا يتعداه إلى سواه من الحالات كما هو واضح ، وحينها سيفهم أن الأوقات التي ليس فيها صلاة هي أوقات يكون فيها الخمر مباحاً ، وذلك ما قد يدفع بدوره إلى توهم ان كلمة الإجتناب المذكورة في الآية الأخيرة لا تحمل شدةً في النهي توازي معنى الحرمة ، وقد يؤيد جميع ذلك وجود المنافع التي حكت عنها الآية الأولى في ذلك الخمر . وحين يثبت هذا الفهم في الذهن فقد تصبح أعصى من ان تغيرها او تعدلها الأحاديث الشريفة المتكاثرة والمتواترة في هذا المجال .

 

 

 

ب- محاربة الغلو في العقائد :

 

إن إثبات حجرية الصنم في مقابل ألوهية مزعومة له لن يكون في النهاية امراً عسيراً ، فهو أمر قد يحسم أخيراً بدك هذا الصنم وهدمه ونفي الألوهية عنه من خلال إظهار عجزه وتحويله إلى فتاة تافهة لا قيمة لها . وهذا ما قد حصل فعلاً في أكثر المواجهات بين عقيدة الغلو وعبادة الأصنام وبين الأنبياء عليهم السلام حيث لم يجد هؤلاء الأنبياء أحجى من ضرب رؤوس هذه الأصنام بالمطارق والفؤوس لإيقاظ حد أدنى من التعقل في نظر المتفرجين يعيدهم إلى الصواب والرشد ويبدد لديهم معتقداً فارغاً مجنوناً عنوانه "الصنم الإله" .

 

غير أن المشكلة لن تكون كذلك البتة حينما سيتعلق الأمر بمواجهة عقيدة الغلو في الأنبياء عليهم السلام ، حيث ان مواجهة العقيدة الخاطئة والمنحرفة بألوهية نبي من الأنبياء لا تتم بقتل هذا النبي او إعدامه من اجل إبراز عجزه كما تقدم. هنا يبدأ الإمتحان الصعب ، إن خرق المألوف والعادة فيما سيجريه الله على يد الأنبياء من المعاجز سيستبد بالعقول الضعيفة ويعصف بالألباب الخائرة ويعبث بالأحلام السفيهة ، فلا تكف هذه وتلك حتى تنسب إلى ذلك النبي معنىً من معاني الألوهية أو جميعها ، هذا من ناحية ، ولكن الحقيقة من ناحية أخرى لا تتجاوز قوله تعالى :"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد"[9] . وبين طرفي النقيض هذين ، الحقيقة من جهة والمغالاة من جهة أخرى ، لا نستطيع اللجوء إلى حلولٍ براغماتية تعمل على سد الذرائع وخنق المبررات في مهدها كالقيام بتهديم الصنم في المثال السابق ، ولهذا فلن يكون هناك مهرب من التحدث عما يبرز بشرية الرسول التي جعل منها هدي الوحي وتعليمه وإرشاده بشريةً خاصة في مقام أعلى من سائر البشر ، وهذا ما سيمكن الأنظار المحدودة من وضع النبي في مقامه وعدم الذهاب به بعيداً في معتقدات غالية . الأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم[10] شملت كثيراً من الأنبياء ولسوف نقتصر هنا ـ لنختصر على المثال التالي :"يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك.."[11] فإن الوحي هنا يتدخل بوضوح لكي لا يقع النبي في مشكلة تحريم ما أحله الله له ولو كان التحريم مقتصراً على نفسه إننا نقرأ بوضوح في هذه الآية بعيداً عن تفصيلات وحيثيات القصة سبب النزول ، فإننا نستطيع أن نتلمس كيف أوصلت بعض الأسباب النبي إلى ان يحرم على نفسه ما قد أحله الله له فيتدخل الوحي لإبقاء الأمور في نصابها . ففي الآية إذاً إبراز وتركيز على الطبيعة البشرية التي أخذ الوحي بناصيتها إلى المقام الأسمى والأعلى من خلال التعليم والإرشاد .

 

ولذلك فإن هذه الآيات مهمة جداً في تثبيت النبي في الموقع اللائق له ، وهو ما يمثل ضرورة فكرية كبرى ، غير أن النوايا الزائغة التي نتحدث عنها لتتخذ من هذا النوع من الكلام غطاء تتستر تحته وهي تطلق العنان لأقلامها فترسم أنبياء الله كما يحلو لها ولمن وراءها من أهل المصالح الدنيئة .

 

 

ج- المعارف الإلهية والحقائق العليا:

 

يمر سيل المعارف الإلهية عبر مضيقين رئيسين يؤثران على هيئته الأصلية، وتبلبل بساطة الإنسياب وهناء الجريان ناشرة صفحة صاخبة يعلوها زبد تضيع في ثنياه المعالم وتختبأ في فراغاته الكثير من الأوهام الزائفة .

 

وهذان المضيقان هما اولاً المضيق اللغوي وثانياً مضيق الفهم البشري المعتقل بالمحسوسات والملموسات والذي أصبحت تحول دون انعتاقه نحو المعاني المجردة الإلفة التي استحكمت لديه بقيد هذا الاعتقال المحدود .

 

أما عن مضيق اللغة ، فحاصل الأمر أن الدوافع الأولى لوضع مفردات أي لغة آخذةٍ بالتكون والنمو البطيء والتدريجي تكمن عادةً في التعبير عن المحسوس والملموس كالنهر والبحر والجبل والشمس والقمر . إذاً فالمفردة معدة في الغالب لتكون عبوةً لمعنىً من المعاني المحسوسة ، لكنها أي هذه المفردة نفسها بدأت تحمل إشارات إلى معانً أكثر تجريداً بعد ان احتاج المتكلم إلى ذلك التجريد في تعبيره ، هكذا بدأ الألم على سبيل المثال يفترق عن معنى اللسع أو الحرق أو الخنق أو كل ما يمكن أن يسبب ألماً للإنسان ، لقد أصبح شيءً مجرداً يمكن الحديث عنه . غير أن عملية التجريد ظلت في الغالب تسير بخطىً بطيئةٍ ثقيلةٍ مربكةٍ تحنّ فيها المفردة إلى أصلها المحسوس . ولقد تفاوتت هذه العملية بين لغةٍ وأخرى عند شعبٍ وآخر لأسبابٍ ليس هذا محل ذكرها ، فبينما كانت بعض اللغات ثقيلة ً محدودةً ولا تشتمل إلا عما يعبر عن الشاخص والممتد مما يملئ العين والسمع والإحساس ، نجد أن لغاتً اخرى عرفت وفرةً وغنىً تجاوز المحسوس في كثيرٍ من المواضع ليحكي عن معاني كالنفس والروح وإن بصيغةٍ تكاد لا تفارق أسر المادي إلا قليلاً ، فنجد مثلاً أن النفس في لغة العرب القدماء كانت تشير إلى طائرٍ متخيل يذهب ويأتي ويحط ويقلع من جديد . ومن المؤكد أن الصناعة اللغوية التي وصل إليها العرب تكاد تكون الأرقى بين كل ما عرف من لغات ذاك الزمان ، حيث نجد أن عدداً من المفردات قد يعبر عن نفس المعنى لكنها تحمل فوارق دقيقةً جداً ميزت بعضها عن البعض الآخر كما أن كلمةً واحدةً قد يوضع لها عدة من المعاني ، فقد ذكرت لكلمة العجوز مثلاً أكثر من مئة معنى جمعها السيد محسن الأمين العاملي في قصيدةٍ مطلعها :

أتعمل طول دهرك للعجوز

ولا تخشى غداً حر العجوز [12]

 

   نلاحظ أن القرآن الكريم اهتم بإبراز ان الوحي قد نزل بلسان عربي مبين وان الغاية من ورء ذلك هو أن يعقل هذا الوحي أي ان تفهم معانيه بدون التباس . إن اختيار اللغة العربية في ذلك الوقت ليكون سفينة الوحي إلى الناس كافة لم يتم بناءً على عقدة الشعب المختار أو أي عقيدةٍ باطلةٍ مشابهة ، بل تم لأن مفردات هذه اللغة والمستوى الذي أوصلت إليه جعلت منها الوسيلة الأمثل لحمل تلك المعاني الإلهية الضخمة والكبيرة وايصالها إلى الناس بدون أن تنقصها شيئاً :"إن أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون"[13] .

 

هكذا استعملت في تعريف الإنسان على ربه مفرداته التي هي من وضعه فقيل مثلاً "الرحمان على العرش استوى" أو "السماوت مطويات بيمينه" او "يد الله فوق أيديهم" ، وكان ذلك ممكناً حينما غادرت اليمين في لغة العرب معناها الأصلي المادي المحسوس الأول لتصبح معنىً من معاني القوة المجردة وكذلك الأمر في معنى الإستواء ، غير ان الألفة التي تحدثنا عنها سابقاً وحنين الذهن وارتباطه بالمعنى الأصلي للكلمة أوقع الكثيرين في توهم ما لا يليق على الله زاعمين أن هذا هو الفهم الصحيم لمثل ذلك الآيات كما سنبين ذلك فيما يلي إنشاء الله .

 

هذا كان المضيق الأول أما المضيق الآخر فهو مضيق الفهم البشري الذي يمشي نحو المجرد في مسيرة مكدودة مترنحة بعيداً عن اشكالية اللغة وحدودها ، ولذلك فهو كثيراً ما يصر على هيئةً منقوصة غير تامة يداخلها الكثير من الشوائب للمعارف الإلهية العالية : "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"[14] وليس هذا سوى تعبيرٍ عن جنوحٍ كبيرٍ لدى الذهن البشري نحو المعاني الوطيئة المتداولة المتعارفة ، وفرارٍ من إعتلاء الأجنحة والسفر فوقها نحو الأعالي .

 

يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في ميزانه : "أنه لما كانت عامة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادة والطبيعة ، وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلمية إلى الورود في إدارك المعاني وكليات القواعد والقوانين يختلف امره باختلاف الوسائل التي يسرت له الورود في عالم المعاني والكليات كان ذلك موجباً لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحس والمحسوس اختلافاً شديداً ...

ولا يمكن إلقاء معنى من المعاني إلى إنسانٍ إلا من طريق معلوماته الذهنية التي تهيأت عنده من خلال حياته وعيشته ، فإن كان مأنوساً بالحس فمن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحس كما تمثل لذة النكاح للصبي بحلاوة الحلواء ، وإن كان نائلاً للمعاني الكلية فبما نال وعلى قدر ما نال ، وهذا ينال المعاني من البيان الحسي والعقلي معاً بخلاف المأنوس بالحس [15] .

 

إن هذه المعاني قد نصيبها بشكل واضح في بعض ما اشتملت عليه الآية التالية بشكل موجز ومركز : "أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حليةٍ او متاعٍ زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل ، فاما الزبد فيذهب جفاءً واما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال" [16]. إن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الآية هو جزءها الأخير الذي يعقد التشبيه بين ضرب الله للأمثال والسيل الذي يسيل في أودية ومضائق تغير في هيئته من خلال ما تتسببه من الزبد الزائل الزائف على سطحه، وهذا لعمري تشبيه في غاية الدقة لما يحصل لسيل المعارف الإلهية بعد ان يمر في المضائق التي تم الحديث عنها .

 

يقول السيد الطباطبائي معلقاً على هذه الآية : " ان المعارف الحقة الإلهية كالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب ، من غير تقييد بكمية ولا كيفية ثم إنها كالسيل السائل في الأودية تتقدر بأقدار مختلفة من حيث السعة والضيق وهذه الأقدار أمور ثابتة ... وأما المعارف الحقة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ والدلالة فإنها بورودها أودية الدلالات اللفظية تتقدر بأقدارها ، تتشكل بأشكال المرادات الكلمية بعد إطلاقها ، وهذه أقوال ثابتة من حيث مراد المتكلم بكلامه إلا أنها مع ذلك أمثال يمثل بها أصل المعنى المطلق غير المتقدر ، ثم إنها بمرورها في الأذهان المختلفة تحمل معاني غير مقصودة كالزبد في السيل، لأن الأذهان من جهة ما تخزنه من المرتكزات والمألوفات تتصرف في المعاني الملقاة إليها وجل هذا التصرف إنما هو في المعاني غير المألوفة كالمعارف الأصلية ..." [17] .

 

 

2- الألوهية :

 

التأله منتهى التجريد وغاية الابتعاد عما يألفه الذهن ويتعوده من المعاني المحسوسة الملموسة المباشرة . ولذلك فإن من الطبيعي أن تكون هذه العقيدة رازحةً تحت كافة الضغوط والقيود التي تدفع الإنسان إلى الإنحراف أو تقعد به عن الوصول إلى المراتب اللائقة بالحقائق السامية ، ومن الطبيعي أيضاً أن تكون الألوهية بتفاسيرها المتفاوتة المتناقضة العنوان الأبرز في حرب قديمةٍ متجددة بين دعوة التوحيد والتنزيه ودعاوى التجسيم والتشبيه والوثنية والصنمية وغيرها .

ونحن نريد كما أسلفنا تبيان خطوط هذه المواجهة في إطار ما بين أيدينا من الكتب المقدسة .

 

لقد بدأت المسيحية الآخذة بالتوسع بعد المسيح تتحول إلى إطارٍ غير متجانس مشتمل على كثير من الخطوط والأفكار المتعارضة والمتناقضة وبدأت الهوة تتسع فيما بينها حتى وصل الإحتقان إلى ذروته وصار لزاماً حسم هذا الصراع خصوصاً أنه صراع ذو آثار سياسيةٍ قد تزعج الإمبراطور الذي أصبح منتمياً إلى هذا الدين الجديد ، أو ربما يصح أن يقال أكثر أن الدين الجديد بات ينتمي إليه . وقد تركز الصراع حول نقطة جوهرية وهي ألوهية المسيح التي فرقت الكنائس النصرانية في الجيل الرابع إلى حزبين أحدهما يقر بألوهية المسيح والآخر ينكرها[18] .

 

وقد عقد لأجل حسم هذا الصراع مجمع نيقيا سنة 325 م والذي خرج بقرارٍ ينص على ما يلي :"نؤمن بإله واحد أبدي ضابط الكل خالق كل ما يرى وما لا يرى وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد ، مولود من الأب أي من جوهر الأب ، إله من إله ، نور من نور ، إله حقٍ من إله حق ، مولود غير مخلوق ، مساوٍ للآب في الجوهر الذي به كان كل شيئٍ ما في السماء وما في الأرض ، الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسد وتأنس وتألم وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وسيجيئ ليدين الأحياء والأموات وبروح القدس [19]   .

 

وكان من أبرز الذين وقفوا في وجه هذه العقيدة الجديدة آريوس الذي حكم عليه قسطنطين بالنفي وصدر عنه مرسوم إمبراطوري يأمر بحرق كتبه جميعاً ويجعل إخفاء أي كتاب منها جريمة يعاقب عليها بالإعدام [20] . ثم تلا هذا المجمع عدة من المجامع التي ثبتت فيها أكثر فأكثر عقيدة التثليث مصدرةً أحكامها الجائرة والمضطهدة بحق كل لم يعتمد هذه العقيدة ، وقد نجح الإضطهاد بالأشكال الأكثر وحشية في طمس معالم المسيحية الموحدة التي افترقت عن عقيدة التثليث وذلك من خلال ملاحقة أفرادها وإعدامهم وإحراق كتبهم فلم يصلنا من آثار هؤلاء إلا النادر النادر كإنجيل برنابا الذي ذكر أنه جاء في بيان الكتب التي حرم البابا جيلاسيوس الأول قراءتها ، وكان جيلاسيوس قد تولى البابوية في أواخر القرن الخامس للميلاد [21] .

 

بعيداً عن ما ذكر من مطابقة عقيدة التثليث وما رافقها من العقائد الأخرى لعقائد وثنية قديمة عند الهنود والمصريين والأمم الأخرى [22] . وما حكي عن قدسية الرقم ثلاثة في الفلسفة اليونانية [23]  . وما قيل عن دخول المسيحية إلى الرومانية بدلاً من دخول روما إلى المسيحية . فإن ما يهمنا هو قراءة وفهم وتحليل هذا المقدس الأساسي كما هو مقدم في الصيغ الموجودة في الكتاب المقدس .

 

أولاً إن الإقرار بألوهية المسيح لم تتم إلا بصيغة ملتبسةٍ مبهمة تكاد تكون أقرب إلى الطلاسم منها إلى المقررات العلمية الواضحة ، حتى صارت معنىً يزداد شارحوه فيه تخبطاً وضياعاً كلما ازداد فيه ولوجاً .

 

هكذا نجد أن النصوص التي تريد أن تشرح عقيدة الثالوث الأقدس وكأنها رزمة من المفردات التي جمعت بطريقة فوضوية ، فبها تصعد المعاني وتهبط وتطول وتقصر في غير وجهة محددة وعلى غير قاعدةٍ واضحة . سنبرز كمثال على ذلك شرحاً للأب أوغسطينوس حول هذه العقيدة :

"وحده الله الخير البسيط واللا متغير ، إنه خالق سائر الخيور غير البسيطة والقابلة للتغيير . وأقول إنه خلقها وصنعها ولم تأت من آخر , لأن ما يلده الخير البسيط بسيط مثله وذو كيان مشابه له إنه الآب والأبن وكلاهما مع الروح القدس إله واحد. وهذا روح والأبن يتخذ دون منازع في الكتب المقدسة إسم الروح القدس إنه غير الآب والأبن لأنه ليس أباً وليس إبناً وأقول أنه غيرهما ، وليس شيئاً آخر لأنه هو أيضاً بسيط ، إنه هذا الخير غير القابل للتغيير الأزلي . وذاك الثالوث هو إله واحد وليس أقل بساطة لكونه ثالوثاً ، لأننا لا نجعل السلطة الجوهرية لهذا الخير في وحدة الأشخاص ولا نحول الثالوث على مثال جماعة سابليوس إلى إسم واحد، دون جوهر في الأشخاص ، ولكننا نقول أن هذا الخير بسيط لأن ما له ، ما خلا علاقات الأشخاص . للآب إبن ولكنه ليس الأبن وللأبن آب ولكنه ليس الآب . وعليه في كل ما يتاكد فيه دون علاقةٍ بآخر أنه ما له وعلى هذا النحو قيل فيه انه حي وهو ايضاً الحياة التي له" [24] .

 

وربما وجدنا نصوص أخرى أكثر وضوحاً من هذا النص لكنها أيضاً تعمد إلى إيجاد مركبٍ مؤلف من اجزاء متنافرة غير متناسقة .

 

في شرح له عن اجتماع الطبائع المختلفة في شخص المسيح يقول الأب لويس شيخو :"نفهم بالألوهية كون السيد المسيح الجامع في شخصه الكريم الطبيعتين الإلهية والبشرية ليس هو إلا إقنوماً كما أن كل واحد هو إنسان فرد قائم بعنصرين مختلفين هيولي هو الجسد وروح هي النفس كما إن للإنسان أعمال هيولية تتم في جسده كالأكل والشرب وأعمالاً روحية تتم بقواه العقلية كالفكر والإرادة وكلها مع ذلك تنسب إلى شخصه فكذلك للسيد المسيح أعمالاً بشرية أتاه في ناسوته كالنوم والمشي والتعب والولادة والموت وأعمالاً إلاهية كما بها لاهوته كالمعجزات العديدة التي صنعها إما في ذاته وإما في غيره كتجليه في جبل الطور وإقامته الموتى ومصدر هذه الأعمال المختلفة هو الشخص الواحد الإله الذي وحده أمكنه أن يقول دون كفر وتجديف أنا نور العالم أنا الطريق والحق والحياة أنا والأب واحد ، ولولا ألوهيته لحق لليهود أن يصلبوه ويقتلوه لأن كلام مثل هذا لا يصح لبشر [25] .

 

لن نعلق على هذا الشرح ، بل سنمضي قدماً في مزيد من قراءة النصوص التي اشتمل عليها الكتاب المقدس في الحديث عن الله .

 

إن أول معالم الجمع الفوضوي والتركيب غير المتناسب هو ما حكي عن عجز المسيح وانكساره معبراً عن ذلك بصراخٍ عظيم وهو على الصليب قائلاً ألوي ألوي لما شبقتني الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني [26] . ففي هذا الصراخ إشكال ذهني أكثر ضجيجاً وهو إشكال لا يمكن أن يحل في إطار عقيدة التثليث بطريقة منصفة وغير ملتوية ، وهي أيضاً جملة مستهجنة لا يمكن أن تضم بسهولة إلى مستوىً بشريٍ ناضجٍ وعارفٍ بالله حق معرفته فكيف صح ان تكون صادرةً عمن يشتمل بذاته على الإله الذي تركه فحل به ما حل به  .

 

إن عقيدة التجسيم وأنسنة الله التي تم الحديث عنها في مجمع نيقيا لا تولد دفعةً واحدةً في العهد الجديد بل هي تبدأ بالنمو رويداً رويداً وأنت تطالع سائر صفحات العهد القديم أيضاً ، ففي سفر التكوين الإصحاح الخامس يتحدث صراحةً أن الله خلق الإنسان على شبه الله ، وهذا يوطأ لقبول فكرة الله الإنسان بيسرٍ فيما بعد. والأمر لا يقتصر على الشكل فقط بل نطالع أيضاً ما نسب إلى الله من أبخس ما يعالجه الإنسان من التأثرات والإنفعالات ، فها هو الرب يحزن أن عمل الإنسان في الأرض ويتأسف في قلبه فيهم ان يمحوه عن وجه الأرض لأنه حزن انه عمله[27] . وقد ذكر غير ذلك الكثير كركوب الله على السحابة وغيرها مما نجده واضحاً في تتبع أوراق الكتاب المقدس .

 

إن البحث بموضوعيةٍ يدفعنا إلى رؤية بعض هذه الأفكار تتسرب بعمى إلى بعض الأوراق الإسلامية ، صحيح أنها لم تؤسس هنالك لعقيدةٍ تجسيمية أو تشبيهية بل خلقت توقفاتٍ محرجةٍ فصار التنزيه لدى حاملي وقابلي هذه الأحاديث مشوباً بها مضطراً لعدم النظر إليها مع الإقرار بوجودها. هكذا يتجاوران ويتنافران أبداً فهما جاران عدوان غير متصالحين .

 

بالعودة مثلاً إلى قصة خلق آدم نجد الصحابي أبا هريرة يروي أن رسول الله محمد (ص) قال خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً [28] . وفي حديث له آخر خلق آدم على صورة الرحمن [29] .

 

كما روى أبو هريرة حديثاً عن الرسول محمد (ص) يتصل بفهم الآية القرآنية :

"يوم يكشف عن ساقً ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون"[30] . يقول : قال أناس يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك ، يجمع الله الناس فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت .

وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم ! فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ... فيقول يا ربي لا تجعلني أشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك (الله) فإذا ضحك منه إذن له بالدخول ... [31] . وقد روي هذا الحديث بصيغة أخرى فجاء فيه أن الله عز وجل يأتي يوم القيامة هذه الأمة فيها البر والفاجر وهو في أدنى صورةٍ من التي رؤوه فيها فيقول لهم أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من يسجد اتقاءً ورئاءً إلا جعل الله ظهره طبقةً واحدةً كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ... [32]  .

 

كما ان النظر المحدود في آياتٍ ذكرت من قبل ك"يد الله فوق أيديهم" وما يشبهها دفعت بالبعض إلى إثبات وتصحيح نصوصٍ تزيد في الدلالة على فكرة التجسيم كاعتبار إن لله رجلاً يضعها في النار حتى تمتلئ أو كالحديث عن نزول الله إلى السماء الدنيا ليستجيب إلى دعوة الداعي [33] .

 

إن إعمال النظر الدقيق في جميع ما ذكر من هذه النصوص يؤكد امتناع واستحالة أن تكون الألوهية مشتملةً على تلك المعاني التي نطق بها لسان النزوع إلى الأرض والتشبث بالتراب واستحكام الألفة مع الصور والأشكال الأكثر شخوصاً والأكثر اقتراباً من مدى اليد والرؤية والجوارح عموماً . حيث أن اعتبار الله خالق الكون المهيمن عليه يستحيل أن يتناسب مع صورة الله وهو على شكل إنسانٍ يحده الأمام والخلف ، يرى العالم من خلف قضبان جوارحه فيتفاعل مع من يحيط به من الظواهر على طريقة ما يعتري الإنسان في حياته ، فهو يبدو عليه العجز والحزن والضحك وغير ذلك . والأكثر سخفاً من كل ذلك هو الأصرار على أن يكون الخالق المبدع شبيهاً لبعض مخلوقاته ، ومعلوم ما في هذا التشبيه من تضييعٍ للمعاني السامية ووضع الرأس من جديدٍ في التراب لمعاودة وتكرار العقائد الوثنية البائدة بصيغٍ جديدةٍ . كما أن اختيار مصطلح التولد من الله هو اختيار قبيحُ جداً على الله حيث يسقط دفعةً واحدة جملة من الصفات الإلهية المقدسة ، فالتوليد صورة الإحداث التدريجي الذي لا يليق على خالقٍ يقول للشيئ كن فيكون ، ثم أنه حديثُ عن شبهٍ بين خالقٍ وبينما أوجده وأحدثه من العدم. أين هذا جميعه من المنطق السلس المتقن الذي يلج العقول دونما استئذان وتطمئن به الأرواح من غير اظطراب ولا ارتباك :"وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ، بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون"[34] . "كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم مع كل شيئٍ لا بمقارنة وغير كل شيئٍ لا بمزايلة فاعل لا بمعنى الحركات والآلة بصير إذ لا منظور إليه من خلقه متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده أنشأ الخلق إنشاءً وابتدأه ابتداءً بلا روية أجالها ولا تجربة استفادها ولا حركةٍ أحدثها ولا همامة نفسٍ إضطرب فيها[35] " ...

 

  في الخلاصة نجد أن قراءة وفهم عقيدة التأله (المقدس الأول ) بطريقةٍ مغلوطة أدت إلى انحرافٍ في العقيدة ، وقد صاغ هذا الإنخراف تاريخاً خاصاً إجتماعياً وسياسياً وفكرياً . لقد أدت عقيدة التثليث في تاريخ المسيحية إلى إنتاج نصوصٍ يتستر فيها الخواء والعبث خلف أقنعةٍ من الغموض ليسهل إقناع الناس بأنها كتابات فوق مستوى إدراكهم ، وهي حكر على مجموعة قليلة ممن أوتوا قدرات خاصة في فهم الدين ، وهؤلاء أصحبوا واسطتهم الحصرية لمعرفة ما له صلة بشرائع السماء مما فتح المجال واسعاً امام هؤلاء الحفنة القليلة بتقديم نزواتهم وغرائزهم وأسخف نزاعاتهم واتفه امزجتهم على شكل مقررات مقدسة فراحت تباع الأذرع في الجنة وتصدر أحكام بالحرق والصلب والنفي وسائر أشكال الإضطهاد على كل من تسول له نفسه ان يعتنق فكرةً غير ممهورة بإمضائهم , فأعيقت حركة التقدم الذهني قروناً بعد ان أصبح النشاط العقلي عملاً مريباً تستنفر لأجل مراقبته أكثر الأجهزة قسوةً . والنتيجة الطبيعية لحقبةٍ مثل هذه أن تتبعها حقبة كسر القيد ورفع الظلم والحيف وإرداء الظالم ودق عنقه ، وهذا ما حصل فعلاً في الدول التي كانت تحكمها الكنيسة بهذه العقلية المذكورة . وفي ذلك معنىً من معاني إنتماء حقبة الإنقلاب على الكنيسة إلى التسلسل التاريخي للعقيدة المسيحية ، فإنها وإن أقصت الدين بشكل كامل عن أكثر مرافق الحياة ، فإن جذورها بلا شكٍ قد بدات بالنمو إنطلاقاً من إلزام العقل بما لا يمكن حمله ولا فهمه في تلك المجامع الأولى .

 

أما النصوص التي ذكرت والتي نجدها في مواضع عدةٍ من الأوراق الفكرية الإسلامية فإنها لم تستطع أن تدفع عقيدة التوحيد والتنزيه ذات الدعائم الراسخة والقوية في الوعي الإسلامي ، لكنها أوجدت تنزيهاً مشوباً بنوعٍ من التوقفات المحرجة والمقلقة والتي قد لا يسلم منها العقل في مسيرته الواعية أو اللا واعية من حمل بذور المركبات العبثية ونزوع للتعاطي بفتورٍ وعدم إقبال على هذه العقائد الأساسية وتصديق سطحي بها .

 

ولإيضاح مذهب التوقف هذا سوف نعرض بعض النصوص الحاكية عنه :

يقول الإمام النووي : وإن من العلماء من يمسك عن تأويل هذه الأحاديث كلها (كالذي تم ذكرها قبل قليل) ويقول : نؤمن بأنها حق وان ظاهرها غير مراد ولها معانٍ تليق بها . قال وهذا مذهب جمهور السلف وهو أحوط وأسلم ... [36] .

 

يقول ابن تيمية في كتابه نقض المنطق ... فمن سبيلهم في الإعتقاد : الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله او على لسان رسوله من غير زيادةٍ عليها ولا نقصٍ منها ولا تجاوز لها ولا تفسير لها ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها ولا تشبيه لها بصفات المخلوقين ، ولا سماة المحدثين بل أمروها كما جاءت وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها.

 ونسب عن طريق بعضهم إلى الشافعي قوله :"آمن بما جاء عن الله وبما جاء عن رسول الله (ص) على مراد رسول الله" .

وقال أيضاً... أنهم كانوا إذار رأوا من يسأل عن المتشابه بالغوا في كفه تارةً بالقول العنيف وتارةً بالضرب وتارةً بالإعراض الدال على شدة الكراهة لمسألته ، وروى كيف أمر عمر بأن يضرب صبيغاً ضرباً شديداً وكان قد بلغه انه يسأل عن المتشابه وقد سأله وهو يخطب عن "الذاريات ذرواً فالحاملات وقراً" وكيف بعث به إلى البصرة وأمرهم أن لا يجالسوه فكان بها كالبعير الأجرب.

 ونقل عن الإمام مالك ابن أنس قوله وقد سأل عن كيفية استواء الرحمن على العرش :"الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأحسبك رجل سوء" وأمر به فأخرج.

 وهكذا قال ابن تيمية بعد ذلك : ومن أول الإستواء بالإستيلاء فقد أجاب بغير ما اجاب به مالك ، وسلك غير سبيله . وهذا الجواب من مالك رحمه الله في الإستواء شافٍ كاف في جميع الصفات مثل النزول والمجيئ واليد والوجه وغيرها [37] .

 

خلاصة القول هنا ان مصححي هذه الأحاديث المذكورة يحملون تنزيهاً يستند إلى التوقف الذي تم تبيانه كأحد اهم عناصره ، فهو بدونه سوف يفتح الباب واسعاً أمام ما قد حملته الأمم الماضية ، لكنه به سيبقى مشوباً بالقلق والخوف مما يشتمل عليه من عناصر الهدم ، مما لا يمكن أن يجمع بأي شكلً من أشكال التأويل مع عقيدة التوحيد والتنزيه ، ولهذا فإن إيجاد مساحات ممنوعةٍ على ان يتناولها الذهن بعد أن تتخذ شكل النصوص التي تملأ صفحاته ، من شأنه أن يجعل للسخف شأناً عظيماً يفزع إليه الذهن في مسيرته الواعية أو اللا واعية . 

 

إن الصيغ المطلسمة والتوقفات غير المبررة التي أوصلت إليها القراءة المغلوطة والفهم غير الصحيح لنصوص التأله أدى إلى زرع بذورٍ لنقض الدين برمته وذلك ان قوانين الذهن على ما يبدو كقوانين الكواكب قاسية لا ترحم وليس فيها أي تعديل او استثناء .

 

 

 

3-النبوة :

 

النبوة أو ما يرادفها من المعاني والكلمات التي ذكرت في الكتب المقدسة هي مما يتوقف على دقة فهمه ودقة تصويره مبنى التدين برمته ، فالخلل في فهمها قد يؤدي إلى قطعٍ كامل للعلاقة بالسماء وإلى نكسةٍ تعيد رأس الإنسان من جديد إلى مستنقع الآثام البشرية الآسن .

 

وقبل أن نستعرض نماذج النصوص الصريحة المثبتة في بعض الكتب المقدسة تارةً أو بعض أوراق التفسير والتأويل تارة اخرى والتي نسبت إلى معنى النبوة آفات نقضت اصلها وعطلت دورها ونكست أعلامها وحولت مسيرتها ، نريد هنا أيضاً ان نقول أن الفهم الخاطئ لمفهوم النبوة (وهي المقدس الأساسي الذي يلي مفهوم التأله) قد أسّس لتحولٍ جذريٍ ، وهو الأمر الطبيعي حينما يوضع السفيه العابث على رأس هرم النصح والإصلاح والرشاد ، ولذلك فإن إبراز ودحض هذه القراءة المشوهة التي لا تبقي ولا تذر لمفهوم النبوة هو إعادة توثيق العرى مع الخالق تعالى وتعاليمه الأصلية .

 

إن اول ما سنبدأ به هو معالجة مفهوم النبوة التي يقدمها الكتاب المقدس وكانها تركة بالإمكان الإستيلاء عليها بالطرق المنحرفة والملتوية  ، وهي بعبارة أخرى ملك لحاملها أياً تكن الصفات التي يحملها . والقصة التي تفيد هذا المعنى هي قصة يعقوب الذي لجأ إلى الخديعة لإقناع أبيه إسحاق أنه عيسو اخوه وهو بكر أبيه وهو المستحق (في نظر أبيه لإرث البركة) فما كان من يعقوب إلا ان تقدم إلى أبيه إسحاق وكان ضريراً مدعياً أنه عيسو من اجل ان يباركه إسحاق وحينما اقتنع إسحاق أنه عيسو بعد ان تحسسه باركه وبعد ذلك دخل عليه عيسو قائلاً أن بكرك عيسو فارتعد إسحاق إرتعاداً عظيماً حينما عرف الخدعة وأن الذي باركه هو يعقوب وليس عيسو ، وهذا الأخير صرخ بدوره صرخة عظيمةً ومرةً جداً وطلب من أبيه ان يباركه هو أيضاً فكانت إجابة إسحاق أن بركته استولى عليها يعقوب بمكره .[38]  .

 

أول النظر في هذه القصة هو في معنى البركة التي يفسرها كلام إسحاق نفسه بقوله بعد ان باركه فليعطك الله من ندى السماء ومن دسم الأرض وكثرة حنطة وخمر ليستعبد لك الشعوب وتسجد لك قبائل كن سيداً لإخوتك ويسجد لك بن أمك ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين . إننا نجد في هذا المعنى للبركة سواءً إعتبرنا انها تعني أرث النبوة أو لم نعتبر فهي مشتملة على ما لا يسمح مطلقاً أن يكون حامل هذه الأوصاف ماكراً مخادعاً قد حاز عليها من خلال الخديعة والكذب. إذا كان هذا اول الإيمان وأن الذي يفرق الناس بين ملعونين ومباركين حسب موقفهم منه لينبغي وأيم الحق ان يكون مطهراً معصوماً من كل أشكال الزلل صغيرها وكبيرها حتى يكون قوله وفعله فرقاناً بين الناس وليس ماكراً مخادعاً ، ولولا داعي الإختصار لقمنا بالتعليق على هذه القصة كلمة كلمة لنبين ما فيه من الخلل وما ينعكس من أثرٍ مميتٍ لمعنى النبوة .

 

ننتقل الآن إلى نوع آخر يحط من قدر أنبياء الله ويضعهم في مواقع الإزدراء والسخرية أو في مواقع الفحشاء التي يندر ان يتحدث التاريخ عن نظائر لها ، فإذا هي في الكتاب المقدس تنسب لأنبياء الله أصحاب الفضيلة ولربما توهم أن تصوير النبي وهو في حالة سكر يمكن من قبول كل ما يرتكبه وهو في هذه الحالة . هناك قصتان من هذا النوع في الكتاب المقدس القصة الأولى تحكي عن نوح الذي وجد نعمة في عني الرب وكان رجلاً باراً كاملاً في أجياله[39] . والذي كلمه الله [40] . وهذه الصفات المذكورة تكفي لتبيان معنى النبوة في شخصية نوح . لننظر الآن ماذا فعل هذا النبي : لقد شرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً ... [41] .

كيف صح أن يعاقر الخمرة ذلك الكامل في أجياله فيتعرى وتبدو عورته مع ان الكتاب المقدس ينص بصراحة أن ليس للملوك أن يشربوا خمراً وليس للعظماء المسكر لئلا يشربوا وينسوا المفروض ... [42] . وينص أيضاً : لمن الويل لمن الشقاوة لمن المخاصمات لمن الكرب لمن الجروح بلا سبب لمن إزمهرار العينين للذين يدمنون الخمر ... وبعيداً عن استقصاء كل ما ذكر في الكتاب المقدس عن شرب الخمر فإن البداهة وحدها تمنع أن يكون النبي القائد خصوصاً ذلك الذي سيعيد بناء البشرية من جديد على أسسٍ طيبة كنوحٍ في رواية الكتاب المقدس ، فإن المسؤوليات الجسام التي تقع على عاتقه تضطره ليكون دائماً في أعلى درجات التأهب والتعقل والإستعداد .

 

ولكن ومهما قيل فإنما تم اختياره هنا لنوحٍ وهو في حالة سكره ليس بشيئٍ امام ما تم اختياره للوطٍ وهو في حالة سكره حيث ارتكب ما لم يسمع به في التاريخ إلا نادراً . يحكي الكتاب المقدس : "وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه لأنه خاف ان يسكن في صوغر فسكن في المغارة هو وابنتاه وقالت البكر للصغيرة أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض ، هلما نسقي أبانا خمراً ونضطجع معه لنحيي من أبينا نسلاً فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ولم يعلم بإضطجاعها ولا بقيامها وحدث في الغد ان البكر قالت للصغيرة إني قد إضطجعت البارحة مع أبي نسقيه الخمرة الليلة أيضاً فادخل واضطجعي معه فنحي من أبينا نسلاً سقتا أباهما خمراً تلك الليلة أيضاً وقامت الصغيرة واضطجعت معه ولم يعلم بإضطجاعها ولا بقيامها فحبلت أبنتا لوط من ابيهما..."[43].

 

 كيف يمكن أن تعلمنا هذه القصة وأمثالها إلتزام الخير والتمسك بالفضيلة ، كيف يمكن أن :"يخضع (الكتاب المقدس) الشهوات للعقل لكي يضبطها ويروضها ويجعلها أسيرة البر" [44]

 

ليت الأمر وقف عند هذا الحد ، فإن أنبياء الكتاب المقدس لم يكونوا دائماً في حالة سكر وضياع وهم يرتكبون ما نسب إليهم من الفظائع والفواحش . فهذا داوود يرى بينما هو يتمشى على سطح البيت امرأةً جميلةً جداً وهي تستحم وحينما سأل عنها قيل له أنها إمراة أوريا الحثي فأرسل مع ذلك من أخذها إليه واضطجع معها ثم رجعت إل بيتها . حبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داوود بأنها حبلى فأرسل داوود من يأتيه بأوريا الحثي وطلب منه أن ينزل إلى بيته لكن أوريا نام تلك الليلة على باب بيت الملك ولم ينزل إلى بيته وحينما سأله داوود عن ذلك أخبره أوريا أن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيده يواب وعبيده نازلون على وجه الصحراء فكيف يمكن أن يأكل ويشرب ويضطجع مع إمرأته . وفي الصباح كتب داوود مكتوباً إلى يواب وأرسله بيد أوريا وكان فيه إجعل أوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من وراءه فيضرب ويموت فما كان من داوود إلا ان ضم إليه إمرأة أوريا بعد أن مضت المناحة فولدت له إبناً وجاء في خاتمة هذه القصة في الكتاب المقدس أن الأمر الذي عمله داوود قبح في عيني الرب [45] .

 

كيف يمكن لعاقلٍ أو لمنطق سوي أن يقرّ بعد هذه القصة بفضيلةٍ لداوود ولو صبت عليه الذرائع ماءً طاهراً لما أمكن غسل هذا الدنس إنه شيء لم  نعهده إلا من أشقى عباد الله أن يزنى بإمرأةٍ ثم يكون الحل في قتل زوجها النبيل الذي رفض إلا أن يواسي أصخابه في الحرب فلا ينام في بيته .

 

إن هذه القصة تقوم جنباً إلى جنب مع الحديث عن ان الله اختار داوود ليكون معه حيثما يتوجه وليكون رئيساً وملكاً على شعبه إسرائيل وليعمل له إسماً عظيماً كإسم العظماء الذين في الأرض حتى يتسائل داوود امام ربه من أنا يا سيدي الرب وما هو بيتي حتى أوصلتني إلى ها هنا . وهو الذي كان يجري قضاءً وعدلاً لكل شعبه [46] . وهو أيضاً صاحب المزامير المملوءة بالوعظ والحديث عن الفضيلة والخطيئة والتقرب إلى الله ، والغريب أن أمثال إبنه سليمان جاءت في الكتاب المقدس مشحونةً بالزجر الشديد عن الزنى وعن جميع مقدماته حتى اللحظة التي ينظر فيها أو يشتهي أمرأة أجنبية أو غريبة [47] . إن هذه القصص تصيب مفهوم النبوة الذي يقدمه الكتاب المقدس في الصميم فهي تجرده من معانيه الحقيقية مبقية على رسمه الخرب الذي تسكنه الشرور والآثام الموحشة المفزعة ، فلا ينهض به بعد ذلك أي حديث عن الفضائل بل إن هاذين المتناقضين حين يشدان معاً إلى صورةٍ واحدة فإن هذه الصورة ستزداد تشوهاً وقبحاً .

 

ومن المستغرب أن نجد شذرات من هذه القصة قد تسربت إلى بعض كتب تفسير القرآن[48] . غير أن كثيراً من كبار المفسرين يؤكدون أن ذاك ليس سوى بقايا مما تسرب من الحكاية التوراتية إلى الفكر الإسلامي[49] .

 

لكن بعضاً من سنخ ما ذكر جاء في الأوراق الإسلامية كما يلي :

ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة دائماً أن الآية التي تقول :"يا أيها الذين آمنوا لا تكون كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قاله وكان عند الله وجيهاً" تشير إلى القصة التي رواها عن الرسول الله أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى ان يغتسل معنا إلا انه آدر (أي ذو فتق) قال فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فجمع موسى بأثره يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظر بني إسرائيل إلى سوأة موسى فقالوا والله ما بموسى من بأسٍ فقام الحجر بعد حتى نظر إليه فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر ضرباً فوالله إن بالحجر ندباً (أي جرحاً) ستة أو سبعة . هكذا وضع هذا الحديث معناً للآية المباركة حشد فيه كل سمات الإزراء والسخرية في ذلك النبي التي أرادت الآية ان تبين كيف كان عند الله وجيهاً .

ونبي الله موسى كان ضحيةً لعدة احاديث من هذا النوع فهو كان قد لطم عين ملك الموت الذي جاء يقول له أجب ربك ففقأها [50] ، وغير ذلك من الأحاديث التي تنال من فضيلته فضلاً عن عصمته . وكذلك كانت قصة داوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم مظنةً لأبي هريرة وأمثاله أن أنبياء الله يمكن ان يصدروا أحكاماً قضائياً متناقضة في الواقعة الواحدة حيث راح يروي ما يبين ذلك[51] . سنكتفي بهذه اللمحات التي تبين أن فهم النبوة كان مشوباً لدى بعض المسلمين أيضاً لما يحول بين النبي وبين المقام المعد له من قبل الله تعالى .

 

نعود على بدءٍ لنقول أن جميع ما ذكر يبين كيف صورت النبوة بطريقةٍ قطعت عليها وجهتها وحالت بينها وبين ما تروم من إصلاح الإنسان والأخذ بيده من واقع العثرة والزلة والشهوة إلى واقع الفضيلة والسمو والتكامل والإرتقاء .

 

 

4-العقائد والشرائع المقدسة

 

ينبغي في جملة العقائد التي يمليها علينا المقدس ـ لتكون عقائد مقدسة ـ أن تكون مصدقةً يدل عليها كل باب من أبواب المعرفة ويزيد في توكيدها مجريات الواقع والحياة ، يجد فيها العقل ضالته المنشودة فيحملها بهناءٍ واعتزاز . ذلك أن خيبة الأمل بما هو مقدس يؤدي كما أسلفنا إلى فجيعةٍ مكبوتةٍ تحفز في النفس تمرداً مشؤوماً ونزقاً قد يطال كل شيء فيطيح بالصالح والطالح ، مما يودي بالإنسان إلى الضياع في دوامة العبث التي لا وجهة لها ولا مقدس  فيها ، أولها كآخرها ، حين ذلك لا يجد أمامه شيئاً ذا بال سوى الإنتحار والهلكة .

 

سنكتفي في هذه الفقرة بالإشارة إلى نوعين من المعتقدات التي تحمل في طياتها أموراً مستهجنة تستدعي التوقف والتأمل .

 

في إطار النوع الأول نجد مثلاً أن الكتاب المقدس ذكر ـ دون القرآن الكريم ـ أعمار السلسلة البشرية منذ آدم إلى وقتٍ متقدم مما يسمح بتقدير عمر الإنسان على وجه الأرض . لكن المشكلة ان هذا العمر القليل جداً للإنسان يتصادم بقوةٍ مع ما تقدمه الطرق الحديثة في تقدير أعمار الحفائر البشرية المكتشفة [52] .

 

إن مثل هذه المصادمات بين معطيات العلم من جهة والعقائد التي لا يجوز المساس به بوصفها عقائد مقدسة يخلق ثنائيةً بين العلم والدين تضع الإنسان على مفترق طرق ، فهو أما ان يسلك طريق العلم بمناهجه وأساليبه وإما أن يذهب باتجاهٍ آخر مخالف له تماماً فيصبح الناس كما قال الشاعر :

 

إثنان أهل الأرض ذو عقلٍ بلا

دينٍ وآخر دين ولا عقل له

 

وهذا ما قد حصل فعلاً في أوروبا في العصر الوسيط حينما بدأ العلم بمناهجه الجديدة ومعارفة المستنبطة يظهر على الساحة كمنافسٍ قويٍ للمعارف الدينية السائدة والمناهج المتبعة ، ولم تجد نفعاً كل وسائل الإضطهاد ومراسيم الحرق والصلب والنفي لإيقاف هذا المارد الجديد وحجب سيل الحقائق عن التدفق بقوةٍ ، ولم يمكن سجن العقول في الظلام بعد أن بهرها نور الحقائق الجديدة . ولربما اختصرت هذا الواقع كله كلمة غاليلي الذي منعته المراسيم الكنسية من نشر أوراقه وأبحاثه حول دوران الأرض فكتب كلمته الشهيرة "ولكنها تدور" .

 

هذا نوع أول ، النوع الآخر نتمثله بعقيدة الفداء وهي العقيدة التي تساهم في تصورٍ آخر للشريعة المقدسة سنتناوله بعد قليل ونبدأ أولاً بإيراد حكاية الصلب كما جاء بها الكتاب المقدس .

في البدء نذكر ما جاء في إنجيل متى في الإصحاح الثاني عشر :"حينئذٍ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية فأجاب وقال جيل شرير وفاسق يطلب آيةً ولا تعطى له إلا آية يونان النبي لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الانسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" . وقد تم التأكيد على ان قيامته من القبر ستتم بعد ثلاثة أيام في أكثر من موضع [53] . ولكن تتمة القصة حاصلها أن المسيح يدفن في مساء يوم الجمعة وفي صباح يوم الأحد جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر فوجدتا هنالك ملاك الرب ليخبرهما بأن يسوع قد قام من الأموات [54] .

 

وفي الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متى يتحدث يسوع كيف ان الذي سيسلمه إلى الصلب هو واحد من تلامذته الإثني عشر . واعتبرت قصة الصلب هذه عملية فداءٍ كبرى حمل يسوع المتألم خلالها وزر جميع خطايا الناس .

 

 هنا امور نتوقف عندها أولاً : إن القصة لم تنسج بطريقةٍ متناسقة متناسبة فهي تبدو متناقضةً يكذب بعضها بعضاً بعد جمعها من المواضع المتفرقة من العهد الجديد ، ففي الوقت الذي تم فيه الحديث عن آية القيام بعد ثلاثة أيامٍ وثلاث ليال لم يبقى يسوع في قبره سوى يومٍ وليلتين ، كذلك فإن الحديث عن أن الذي سيسلمه إلى الصلب هو أحد الإثني عشر يتناقض مع حديثه الذي جاء في الإصحاح التاسع عشر من إنجيل متى حين قال له بطرس قد تركنا كل شيئٍ وتبعناك فماذا يكون لنا فقال يسوع الحق أقول لكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس إبن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على إثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر . وفي ذلك تصريح ان الإثني عشر ماضون معه إلى النهاية حتى يتبؤوا معه المنزلة الرفيعة في النهاية ، وهذا ما لا يمكن أن يتم إذا كان أحد الإثني عشر هو يهوذا الإسخريوطي هو الذي سلمه للصلب فنزلت به عقوبة من السماء أهلكته بالعذاب كما في أوائل اعمال الرسل .

 

هذا من جهة القصة أما من جهة نفس معنى الفداء فهو أيضاً مشكل وغير متناسبٍ مع منطق الطبيعة "ولا تزر وازرة وزر أخرى"[55] ولا تقترب من معنى فضيلة الفداء كتلك التي نفهمها حينما يقوم الإنسان بتضحيةٍ تعود بالخير والمنفعة على آخرين (حتى لو كانوا غير مستحقين) . أما في هذا القصة فكأنها تشتمل على رخصة ضمنية أو بداية ذلك للتحلل من أي معنى من معاني الإلزام في الشريعة المقدسة . هكذا ينفتح الباب واسعاً امام حقبةٍ دينيةٍ لا شريعة مثبتةّ مقروءةٍ نهائيةً فيها ومهما قيل عن هذه العقيدة فإننا لا نستطيع أن نفهم بيسر كلمة بولس في رسالته إلى اهل غلاطية :"المسيح أصبح لعنةً من أجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة" ولعمري إن من المحير جداً كيف يمكن أن يكون المصلوب ظلماً وقهراً بغير جناية إنساناً ملعوناً .

 

نعود إلى الشريعة المقدسة وحكاية التحلل منها وهي التي نجد لها جذوراً أيضاً في نصوص الكتاب المقدس . ففي إنجل متى الإصحاح الخامس يقول المسيح عن شريعة موسى (الناموس) :"لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس او الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد ونقطة واحدة من الناموس  حتى يكون الكل ... وفي هذا النص منتهى التقديس لشريعة موسى إلى الأبد . لكن يوحنا يروي في إنجيله قصةً تضع أمامنا تعطيلاً فظاً لأحكام الناموس بدون أية إشارةٍ من قريبٍ او بعيدٍ للأسباب الإستثنائية التي تبرر ذلك ، فمرت القصة وكأنها لا تتضمن هذه الإشكالية وهنا وقع التناقض القوي . حاصل القصة في الإصحاح الثامن من إنجيل يوحنا أن الناس جاؤوا بإمرأةٍ أمسكت بالزنى وقالوا إن موسى أوصانا إن مثل هذه ترجم فماذا تقول فقال من كان بلا خطية فليرمها بحجر فما رماها احد ثم رفع يسوع رأسه فقال يا إمرأة أما دانك أحد فقالت لا أحد يا سيد فقال لها يسوع ولا أنا أدينك إذهبي ولا تخطئي أيضاً ...

 

إن الجمع بين هذين النصين المتناقضين ، الأول الذي يقدس شريعة الناموس بأعلى كلمات التقديس والآخر الذي يبين تعطيلاً واضحاً لهذه الشريعة إنتهاكاً لها من دون أي مبرر ، يمهد لنوعٍ من عدم الجدية في التعاطي مع الشريعة الدينية وهذا ما يؤسس لحقبة استبدال الشريعة الدينية ذات المقررات الواضحة والمقروءة والتي هي في متناول الصغير والكبير بشريعة الأمزجة المقدسة للذين احتكروا الفهم الديني وتربعوا على رأس سلطته ، تم تلا هذه الحقبة حقبة أخرى جردت الدين من كل معاني الإلزام فأضحى عدداً من الطقوس والنصائح الطوباوية التي لن تستطيع ان تلعب دوراً حاسماً قوياً في عملية إصلاح الإنسان وإلزامه بتنكب سبل الخير .

 

 

خاتمة :

 

خلاصة هذا البحث هي أن المقدس الذي قرأ أو فهم على غير حقيقته من معاني التأله والنبوة والعقائد والشرائع أدى إلى أن يصبح الدين المرتكز على أصول التوحيد والتنزيه الراسخة مشوباً بطلسماتٍ حرفت مساره وأدخلته في تاريخ معتمٍ من التنكيل والظلم والإضطهاد ، وهو ما انتج تاريخاً آخر أقصي فيه الدين بالكامل عن جميع المرافق بوصفه السبب الرئيس في إنتاج كل تلك التعاسة التي لن تمحى من الذاكرة . أو أنه أيضاً أي الدين صار مشوباً بجملةٍ من التوقفات التي قد تحمل أيضاً بذور هدمٍ ونوافذ تمر من خلالها أفكار ومعتقدات ضالة منحرفة .

 أما المقدس بمعانيه الدقيقة فهو ليس حكراً على فئةٍ دون أخرى بل هو عنوان جماعةٍ واحدةٍ امتدت عبر التأريخ وكان لها في كل زمن وفي كل بقعةٍ وتحت كل رايةٍ رجال يقيمون الوزن ولا يخسروه في فهم هذه العناوين الكبيرة الخطيرة .

 

 

                                                         د. أمين الساحلي

                                                    الجامعة اللبنانية – كلية العلوم


 

[1] راجع تاريخ نشوء الحركة الوهابية (مثلاً تاريخ آل سعود لناصر السعيد) 

[2] لقد ذكر صاحب الميزان في تفسير القرآن جملة من المعاني لكلمة المتشابهات مغلباً المعنى المذكور اعلاه

[3] آل عمران 7

[4] أدرجت هذه الآية ضمن الآيات المشتملة على متشابه في كتاب على أضواء متشابهات القرآن للشيخ خليل ياسين . الأحزاب 37

[5] الكشاف للزمخشري 3-540

[6] البقرة 219

[7] النساء 43

[8] المائدة 90

[9] فصلت 6

[10]في الكتاب المقدس ، فلتلك شان آخر سنتعرض له في فصول لاحقة  وليس من صنفها ما جاء الحديث عنه

[11] التحريم 1 أدرجها الشيخ خليل ياسين ضمن آياته المتشابهات واعتبر أنها تثير إشكالاً يلزم حله وهو صاغه بالطريقة التالية :":كيف صح منه أن يغير في أحكام رسالته ، فحرم ما أحل الله أوليس هذا منه إخلالاً بوظيفته ؟   فراجع كتابه أضواء على  متشابهات  القرآن 2 -260 راجع أيضاً البيان في تفسير القرآن ودحضه لبعض شبهات الآية

[12] معادن الجواهر 3-530

[13] يوسف 2

[14] 106 يوسف

[15] الميزان في تفسير القرآن الجزء الثالث صفحة 60

[16] الرعد 17

[17]راجع الميزان صفحة 61 و62

[18] دائرة معارف القرن العشرين ، محمد فريد وجدي (10-203)

[19] كنيسة مدينة الله الأسد رستم(1 – 203)

[20] قصة الحضارة ول ديورانت (11 – 396)

[21] مقدمة إنجيل برنابا لمحمد رشيد رضا

[22] النصرانية من التوحيد إلى التثليث الدكتور محمد أحمد الحاج

[23] الأصول الوثنية للمسيحية لأدغار ويند وآخرين

[24] مدينة الله للقديس أوغسطينوس مجلد 2 صفحة 19

[25] مجلة المشرق سنة 11 عدد الثاني – البرهان الصحيح في إثبات ألوهية المسيح التي رد فيها الأب لويس شيخو اليسوعي على مجلة المنار 

[26] إنجبل مرقص الإصحاح 15

[27] صفر التكوين الإصحاح السادس

[28] صحيح البخاري الجزء الرابع كتاب الإستئذان وصحيح مسلم باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير من كتاب الجنة وصفة نعيمها من جزئه الثاني

[29] أنظر شرح هذا الحديث في الجزء العاشر من إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري

[30] القلم 42

[31] صحيح البخاري الجزء الرابع باب الصراط جسر جهنم من كتاب الرقاق وصحيح مسلم الجزء الأول باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة

[32] صحيح مسلم الجزء الأول كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم في اللآخرة

[33] هذه من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن الرسول محمد (ص) فالتراجع في صحيحي البخاري ومسلم

[34] البقرة 116-117

[35] نهج البلاغة الخطبة الأولى

[36] هامش شرح صحيح البخاري الجزء 12 في باب ضرب الوجه

[37] نقض المنطق لأبن تيمية صفحة (2، 3)

[38] سفر التكوين الإصحاح السابع والعشرين وقد نقلت القصة بالمعنى 

[39] سفر التكوين الإصحاح السادس

[40] سفر التكوين الإصحاح التاسع

[41] سفر التكوين الإصحاح التاسع

[42] أمثال 31

[43]عشر سفر التكوين الإصحاح التاسع

[44] مدينة الله للقديس أوغسطينوس مجلد 1 ص 426

[45] صموئيل الثاني ا؟لإصحاح الحادي عشر

[46] صموئيل الثاني الإصحاح 7 و 8

[47] أمثال 5 و 23 وغيرها

[48] أنظر الكشاف للزمخشري في تعليقه على الآيات 21-24 من سورة ص

[49] أنظر ابن كثير في تفسيره للآيات المذكورة ، وانظر أيضاً ما يقوله صاحب الميزان بهذا الصدد وما ينقله عن صاحب مجمع البيان

[50] صحيح مسلم الجزء الثاني كتاب الإيمان

[51] أنظر صحيح البخاري كتاب بدء الخلق وصحيح مسلم باب بيان اختلاف المجتهدين في كتاب الأقضية

[52] للتوسع في هذا الموضوع وأمثاله راجع كتاب التوراة والإنجيل والقرآن والعلم لموريس بوكاي

[53] متى 27 ولوقا 24

[54] أنظر متى 27 و 28 ومرقس 17

[55] الأنعام 164