أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> الوجه الآخر

الوجه الآخر

 

أعطي رجل سجين محكوم عليه يالإعدام فرصته الأخيرة للنجاة : كان عليه أن يختار بين بابين أحدهما باب النجاة والثاني هو باب الموت والهلاك ، كان عليه لأجل تحديد باب النجاة أن يطرح سؤالاً واحداً فقط على احد حارسين وقفا أمامه ، واحد مننهما فقط صادق يأخذ بكلامه ، أما الآخر فهو كاذب غير موثوق لا يقول إلا كذباً. سؤال واحد ثم عليه أن يختار، إما إلى الموت وإما إلى الحياة.

لا عجب أن بدت على الرجل معالم الاستحالة ، فالبداهة تقول أن الصادق لا يمكن تحديده أو تعيينه ، ولهذا إن السؤال الذي سوف يطرح لن يحمل أية جدوى طالما أن الإجابة تحتمل الصدق تماماً كما تحتمل الكذب . فالمتاح أمام هذا السجين المسكين هو أن يختار أحد هذين الحارسين بشكل عشوائي ، وهذا ما يضع في أية إجابة شكاً تتساوى فيه قوة احتمال أن تكون هذه الإجابة حقاً أو باطلاً .

المنطق يحكم لأول وهلة بان هذه الفرصة ليست في الواقع إلا مضيعة للوقت ، إذ لا يمكن الركون منطقياً لأية إجابة ، وسيكون عليه بعد طرح السؤال أن يفتح أحد البابين بدون أي مرجحٍ تماما كما لو فعل ذلك بدون حارسين ولا أسئلة.

غير أن حب الحياة جعل ذهن هذا السجين يتفتق عن فكرة ذكية تمكنه من خلال طرح سؤال واحد عن باب النجاة أن يحصل على الإجابة المؤكدة. فكيف سوف يتم ذلك ؟

السؤال ببساطة هو: "لو سئل زميلك أيّ البابين هو باب النجاة فماذا تكون إجابته"؟

لنتأمل في احتمالات الإجابة : إذا كان المسؤول هو الصادق فالآخر هو الكاذب عندها سوف يقول الصادق في نفسه : " إذا سئل زميلي (الكاذب) عن باب النجاة فسوف يشير بيده إلى باب الموت ". في هذه الحالة سوف يشير المسؤول (الصادق) إلى باب الموت . في الحالة الثانية ، المسؤول هو الكاذب الذي سيقول: زميلي (الصادق) حتما ً سيقول الحقيقة وسيشير إلى باب النجاة الفعلي . عندها سوف يكذب المسؤول مشيراً إلى باب الموت . في كلتا الحالتين إذاً يعطي الذي سئل إجابةً خاطئة سواء إذا كان هذا المجيب هو الحارس الصادق أم الكاذب .

إذاً ليس على السجين سوى أن يختار الباب الثاني غير ذلك الذي سيشير إليه السجين . هذا سؤال واحد سلس منطقي طبيعي يمكن السجين من الاهتداء إلى باب النجاة والرحيل بسلام واطمئنان. ما الذي جعل الأمر ممكناً بعد أن كان محالاً في الوهلة المنطقية الأولى؟ المسألة ببساطة تكمن في الحقيقة التالية: إن مضمون الخبر لن يتغير إذا نقله كاذب عن صادق أو صادق عن كاذب ، وهذه تستند إلى حقيقة رياضية بسيطة عن التطبيقات ، لكن هذه الحقيقة اكتسبت وجهاً آخر أكثر تعقيداً حينما أدخلت في سياق الأحجية آنفة الذكر ، غير أن هذا التعقيد عاد وتبدد حينما أتيح لهذا السجين أن يرى هذه الحقيقة في وجهها الآخر البسيط.

الحقيقة يمكن إبرازها في شكل بسيط للغاية بالقول أن حاصل ضرب سالب مع موجب يساوي حاصل ضرب موجب مع سالب يساوي سالباً ( -2 * 3 = 3 * - 2 = -6) ، وحين رؤيتها بهذه البساطة فإننا سوف نتمكن من إيجاد حلٍ فوري للأحجية ليس هذا فحسب بل أضحى بإمكاننا أن نتحرر من الصيغة الخاصة لهذه الأحجية ونستبدلها بصيغةٍ أكثر تعميماً : سوف نقول للسجين أمامك عدد كبير من الحراس كلهم صادقون إلا مجموعةً منهم تساوي خمسة أشخاص أو سبعة أشخاص أو أي عدد مفرد وسنقول له فرصتك في النجاة هي في أن تطرح سؤالاً واحداً على واحد فقط من الحراس تحدد من خلاله باب النجاة .

هل يتخيّل السجين أن نفس الحقيقة والمنطق السابقين اللذين مكّناه من الخلاص والنجاة في المرة الأولى سيمكنانه الآن أيضا : ليس عليه سوى أن يختار أيّ حارس ليطرح عليه السؤال التالي : إذا سأل زميلك عن زميله عن زميله إلى آخر واحد من الحراس الواقفين عن باب النجاة فماذا ستكون إجابته ؟ هنا أيضا الخبر سوف يكون منقولاً عن عدةٍ من الأشخاص وسوف يتعرض للقلب والانعكاس عدداً مفرداً من المرات مما يعني أنه سوف يصل في النهاية مقلوباً معكوساً كاذباً تماماً كما في الأحجية الأصلية .

من المثير للإهتمام أن تكون معضلة أمام السجين في الحالة الأولى مساوية من حيث تعقيدها للمعضلة أمامه في الحالة الثانية ، في الحالة الأولى كان الصادق دائراً بين رجلين فقط غير انه في المرة الثانية هو واحد من مئة رجلٍ مثلاً إنما يعني أننا لو وضعنا أمام السجين مئة حارسٍ واحد منهم فقط هو الصادق لأمكنه أن يفلت أيضاً إذا طرح نفس السؤال المقترح.

إن الذي جعل التعقيد متساوياً في الحالتين هو أنهما وجهان لحقيقة واحدة تفيد أن تعاقب السالب والموجب هو كتعاقب الموجب والسالب من حيث النتيجة ، فإذا كررنا هذه الحقيقة عدداً من المرات بقيت هي نفسها ، كل ما في الأمر أن هذين الوجهين للحقيقة الواحدة هما غير متشابهين على الإطلاق.

الحقيقة البسيطة يمكن إذاً أن ترتدي ثوب الخفاء فلا ترى أو أنها يمكن أن تتنكر في أوجهٍ متعددة يختلف كل وجه منها في ظاهره عن الوجه الآخر ، فإذا تمكن الإنسان من رؤية هذه الحقيقة البسيطة استطاع أولاً أن يضع حلاً للمشكلات الناشئة عن اختفائها، ثانياً أن يفيد من هذه الحقيقة في كل ما يمكنه أن يكون رداءً مناسباً لها ، فيتمكن من إيجاد تعليمات تنقله من الحالات الخاصة المحدودة إلى حالاتٍ عامة أكثر اتساعاً وشمولاً .

مثل آخر لاحظه الإنسان وتحدث عنه خلال رحلة تطور ونمو معرفته هو مثل الجاذبية : ما الذي يربط بين التفاحة التي سقطت على رأس الرجل النائم تحت شجرة التفاح ومشهد الرجل المتعب الذي يحمل أثقالاً إلى أعلى القمة ومشهد القمر الجميل الذي يدور حول الأرض؟

إن حقيقة هذه المشاهد الثلاثة المتباينة هي حقيقة واحدة وهي ظاهرة الجاذبية: يوجد بين أي جسمين منفصلين في هذا الكون قوة تجاذب تتناسب مع كتلتيهما كما تتناسب عكسياً مع مربع المسافة التي تفصل بينهما. فالجاذبية هي التي جعلت التفاحة تسقط على الأرض بعد أن اهترأ عودها وأصبح عاجزاً عن مقاومة قوة الجذب إلى الأرض، كما أن الذي أتعب الرجل وهو يحمل الإثقال هي تلك القوة التي تعاكس قوته وتشدّ بالأثقال إلى أسفل (الأرض) في الوقت الذي يحاول هو أن يرفعها إلى أعلى. وأخيراً فإن الذي يضطر القمر للدوران حول الأرض هو قوة التجاذب الموجودة بينهما ، فلو سأل لماذا لا يقع القمر على الأرض إذا كانت قوة التجاذب بينهما موجودة وقوية، فالإجابة هي أن قوانين الجاذبية تمكن من إثبات أن هذه القوة التي تشدّ القمر إلى الأرض ستجعله يبقى معلقاً في مكانه إذا دفع في أول أمره بسرعةٍ عاليةٍ .

إن اكتشاف الحقيقة الواحدة البسيطة للأوجه المتعددة مكّنت الإنسان من إيجاد واختلاق أوجهٍ جديدة ومظاهر جديدة للتعبير عنها من صنع يديه كما قد ذكرنا في فصلً سابق، فلقد وضع الإنسان أقماره الاصطناعية في مدارات مدروسة وأعطاها الدفعة الأولية اللازمة لكي تبقى حيث هي مستفيداً من قوانين الجاذبية. وهذا ما يدلّ على أن كشف الأوجه المتعددة للحقيقة الواحدة لن يبقى مجرد عملٍ كشفي بل سيمنح الإنسان القدرة على التوليد الإبداع وإعطاء الحقيقة نفسها وجوهاً جديدة من اقتراحه وابتكاره.

إذاً مشاهد بدت متعددةً مختلفة متباينة ثم انكشف أنها جميعاً أوجه بحقيقة واحدة وهذا ما مكّن الفكر من إعطاء وجوه جديدةٍ تعدّ من أهم مبتكراته .

هناك بحوثٍ أخرى يمكن أن تذكر في إطار البحث عن الوجه الآخر في ظاهرةٍ معينة ، وهو البحث الذي يهدف إلى إيجاد الصيغة العامة لصيغة أكثر تحليلا، فالأعداد الصحيحة يمكن أن تنتج معاني مختلفة حينما تصبح جزءاً من مجموعة أكبر هي الأعداد الحقيقية كما أن هذه المجموعة بدورها يمكن أن نجد فيها العديد من المعاني فيما لو شوهدت كجزء من مجموعة أكبر وهكذا . ويذكر لإيضاح هذه الصورة أن الفكر البشري أرتبط منذ البدء بعالم الأعداد والعمليات الحسابية ، لكنه حينما فرغ من دراسة مجموعة الأعداد وما يعتمد في داخلها من عمليات حسابية وجبرية، انتقل بموجب نزوعٍ أصيلٍ إلى تخيّل نماذج مثالية لمجموعات متخيلة ذات عمليات وعلاقات متخيّلة أيضاً بحيث تكون مجموعة الأعداد بعملياتها مصداقاً لهذه الصور المثبتة في عالم المثال والخيال الفكري. لست أدري إذا كان هذا النزوع للإنتقال من عالم الواقع والحقيقة إلى عالم المثال والخيال أمراً تفرّع عن جدوى ما لاحت للإنسان من وراء هذا العمل، لكن المؤكد أن عملية الانتقال تلك سبقت لأمدٍ بعيد جميع الكشوف التي ترتبت عليها وهو ما يعني استحالة أن يكون الإنسان قد رأى كل هذه الآثار من اللحظة الأولى.

عملية الانتقال هذه جعلته يؤمن أن الحقيقة ليست ما رآه في عالم الحساب والأعداد بل الحقيقة هي ذلك المثال المتخيّل الذي راح يضع له تعريفات وأوصاف ، وليس عالم الأعداد سوى وجهٍ متجلٍ خاص لهذه الحقيقة وهو ما يعني أنه يمكن (من خلال احتمالٍ حدسيٍ) أن يجد تجلّيات وأوجه أخرى لهذه الحقيقة المجردة فعلاً.

لقد اعترت مسيرة الفكر دهشة وذهول حينما اكتشف أن الذبذبات هي كائنات تعيش في مجموعات تمثّل مصاديق وتجلّيات للحقيقة التي تم استيحاؤها من عالم الأعداد . الذبذبة ذلك الكائن الجديد الطارئ على ذهن البشر التجريبي، كالذبذبات التي ترى على صفحة الماء بعد إلقاء حجرٍ فيها أو الذبذبات الهوائية الناشئة عن دوي انفجار كبير أو فيما بعد ما عرف الذبذبات الكهرومغناطيسية . عندما اكتشف الإنسان أن مجموعة الذبذبات هي مجموعة من مصاديق الحقيقة الجبرية التي سبق له أن تخيّلها تمكن من فهم جميع قوانين الذبذبات، وهو ما مكّنه فيما بعد من تسخيرها لأجل منفعته في مجال الاتصالات اللاسلكية بالإضافة إلى الخدمات الطبية وما إلى ذلك.

إنها قصة عجيبة عصيّة على التصديق أن يغادر الإنسان المشاهد الواقعية التي تقابله والصور الحقيقية التي تحيط به نحو عالم من المثل والتخيّلات، ثم يبدأ رحلته المثابرة للبحث عن مصاديق جديدة لهذه المثل المتخيّلة. إنه إيمان غريب ذلك الذي يؤمن بأن وراء كل حقيقة ظاهرة حقيقة مجردةً، لها في الوجود مصاديق أخرى أكثر خفاءً، ولذلك فإن السؤال عن جدوى الانتقال من الخاص المحسوس إلى الصيغة العامة المجردة سؤال لا إجابة عليه، والأمر حينها أكثر عرضةً للسخرية منه للإحترام، كذلك فإن عملية الربط بين الحقيقة المجردة وظواهر كونية أخرى تتمّ في الغالب جراء طفرة علميةٍ غير متوقعةٍ ووثبةٍ للذهن البشري نحو آفاقٍ أكثر اتساعاً، وهو ما يعني أن حركة الصعود من المحسوس إلى المجرد ثم الهبوط منه إلى محسوس آخر لا يصله بالمحسوس الأول أي شيء هي رحلة تطول ويسهل بالتالي الطعن في جدواها قبل أن تسفر في آخرها عن نتائج مذهلة تدفع بالإنسان قدما نحو التربع على عرش التحكّم بهذا الكون وقوانينه .

إنها هنا أيضاً رحلة البحث عن الأوجه المتعددة للحقيقة الواحدة ليس انطلاقاً من الحقيقة أولاً (وهو هنا نقطة الإثارة) بل انتقالاً من وجهٍ خاص من وجوه الحقيقة إلى الحقيقة ومن ثم إلى الأوجه الأخرى ، وقد اتضح من الأمثلة التي تمّ ذكرها أن البحث عن الأوجه المتعددة للحقيقة الواحدة يتمّ تارةً من الحقيقة وصولاً إلى مختلف وجوهها الممكنة، كما يمكن أن يتمّ انطلاقا من عددٍ من الوجوه نحو الحقيقة ثمّ منها إلى وجوه أخرى قد تكون مفتعلةً ومبتكرة. كما يمكن أن تكون حركة تنطلق من وجٍه من وجوهها نحوها ثم منها نحو الوجوه الأخرى. وفي جميع هذه الحالات تترتب آثار عظيمة الفائدة تمنح الإنسان المزيد من القوة في بسط سلطته على الظواهر الكونية.

ومن الملاحظ أيضاً أن حركة البحث عن الأوجه المتعددة للحقيقة الواحدة مشوبة أو قل مدفوعة بإيمانٍ راسخٍ لا يجد لنفسه أحياناً ما يدافع به عن نفسه في ميزان الحساب والجدوى لكنه مع ذلك دافع لا يقاوم يعد الإنسان بوعودٍ مهمةٍ في نهاية الأمر.

الأقنعة
يحترف الناس في حياتهم ارتداء الأقنعة المتعددة في المناسبات المختلفة، فهي حرفة ثقفها الإنسان منذ أن كان وعمل بها في سائر المجتمعات، إنها تقوم ببساطة على أن يخفي الإنسان حقيقته ويظهر بمظاهر متعددة في المناسبات المختلفة. هكذا تلبس الأقنعة وتنزع في المعاهد والشوارع والأسواق مراراً وتكراراً في يوم واحد وساعة واحدة إلى أن يضيع الإنسان عن وجهه الحقيقي.

أين وجهي يا قناع الآثمين وجمالي يا بريق الزائفين

القاعدة ليست عبقرية للغاية، كل ما في الأمر هو أن يكون للإنسان الواحد أوجه متعددة ليستعملها في مواجهة مواقف الحياة المختلفة والمتنوعة. فهو لن يتردد في اعتماد وجه ذليل إذا أحدق به خطر لا قبل له بمواجهته، كما أنه سوف يعمل على ارتداء وجه القوة والسطوة إذا ما وجد في نفسه القدرة على البطش أو الظلم. أما إذا أراد الإيقاع بإنسان ما في معاملة مالية أو اجتماعية فهو سوف يرتدي وجهاً ودوداً له لسان فائق العذوبة والرقة تجعل الفريسة تدنو منه وهي تحسب أنها ستجد فيه مصداقاً لما رأته في الظاهر من الرحمة والود والقرب والمحبة، غير أنه سرعان ما ينزع هذا الوجه ليرتدي وجهاً كاسراً يفترس به ضحيته بدون أن يكترث برقة أو بجمال كانت حتى وقت قريب شغله الشاغل وهمه الأول. الأمر لا يقف عند هذا الحد بل إننا نلاحظ أن الدول تعمل هي أيضاً على اقتناء أوجه متعددة لتخفي وجهها الحقيقي، فالدول الاستعمارية تلك التي أصبح القتل والسلب والنهب والاحتلال واستعباد الشعوب المصدر الأوحد لثرواتها الطائلة وحياتها الملكية المرفهة، أضحت هذه الدول تبذل جهداً مركزاً من أجل انتقاء أكثر الخيوط والخطوط بريقاً كي تنسج منها وجهاً ملائكياً ستدعي أنه وجهها الحقيقي، فهي دول بحسب هذا الزعم تؤمن بل تقدس حقوق الإنسان وهي تبشر الشعوب والأمم بحياة أفضل مليئة بالحقوق والحريات والعلاقات العادلة المتكافئة، غير أن هذه الشعوب بعد أن تنطلي عليها حيلة الوجه المستعار تأتي بملء إرادتها للأخذ من هذا الخير الموعود فتجد نفسها تسحق وتفتت تحت آلة حربها التي كتبت على متونها أقدس الشعارات الإنسانية.

المعضلة في حياة الإنسان تشبه إذاً ما نجده من حقائق الكون والطبيعة مع الفارق أن أوجه الحقائق المتعددة موجودة في الحياة ليؤدي كل منها دوراً مفيداً لحياة الإنسان ونموه وتطوره، أما الأوجه التي يعتمدها الإنسان بهدف إخفاء وجهه الحقيقي فهي جميعاً جعلت لأجل خداع الإنسان والإيقاع به ودفعه إلى التعثر بالوهم ولحوق السراب حتى يضيع ولا يجد له وجهة صحيحة تؤدي به إلى منفعة منشودة. لأجل ذلك يعد الشك أصيلاً في بناء حياة فردية وجماعية ناجحة، وهو ما يعني أنه على الإنسان أن يعتقد دائماً أن الوجه الذي يطالعه عند هذا الفرد أو تلك الدولة ليس سوى وجه مستعار يخفي وجهاً حقيقياً أكثر دلالة على المحتوى الحقيقي لهذا الإنسان أو تلك الدولة. ولهذا يقال: إذا أردت أن ترى فلا تنظر، أو يقال في السياسة بطريقة أخرى إذا أردت أن ترى الدولة على حقيقتها فلا تنظر إلى وجهها: فعلاً إن التحديق في وجه أية دولة غربية معاصرة وقصر النظر على ما يحدث في مدنها وأريافها وقراها من تنظيم حياتها الإقتصادية إلى أنظمة العمل وقانون الحقوق وأنظمة الزراعة والصناعة والتجارة والحياة الإدارية والمؤسسات الطبية، والعمران وما إلى ذلك فإن هذا سوف يعطي انطباعا ملائكياً عن هذا المجتمع وتلك الدولة، غير أن نظرة واحدة خاطفة لما تقوم به نفس تلك الدولة ما وراء حدودها سوف تقع على وجه قبيح أسود ممتلئ بالوحشية والإجرام، وهنا لن تطول الحيرة قبل الاقتناع أن هذا الوجه هو الوجه الحقيقي أما الوجه الآخر المزيف والمحلّى بشتى صنوف الألوان والخيوط ليس سوى وجه خداعي يهدف إلى ستر الأنياب الآتية للعبث في أرزاق الناس وخيراتهم والإيحاء بأنها أنامل الخير التي تحمل للناس بشرى الحياة الجديدة المملوءة حرية وحقوقاً.

البحث عن الوجه الآخر هي إذاً في حياة الناس إحدى الصفات الحكيمة التي تمكّن الإنسان من بناء حياة منيعة مغلقة أمام شتى الأوبئة التي تريد التسلل إليها وهديها وهي متسترة بأقنعة مختلفة. إن هذه الملاحظة تقرّب إلى الذهن ما يحصل في اقتفاء حقائق الكون والبحث عنها تحت مختلف الأوجه المستعارة. الوجه الآخر في حياة الناس هو وجه الخداع وهو فخ الإيقاع المتعمد الذي يحول بين الإنسان وأبسط حقوقه ولهذا فإن اكتشافه معبر ضروري لأجل إقامة حياة كريمة. أما اكتشاف الوجه الآخر للحقائق الكونية فهذا ما من شأنه أن يعود على الإنسان بالمزيد من المعارف والاكتشافات الباهرة.

ذات مرة قال بيتاغوروس أن الكون ليس في حقيقته سوى أعداد. فعلاً لم يبدأ الكون بفتح كتاب أسراره أمام الإنسان إلاّ بعد أن أخذ هذا الإنسان بإعطاء قيم عددية لكل ظاهرة من ظواهر هذا الوجود للخلوص بعد ذلك إلى تكوين رؤية كونية وجودية من خلال ما تجمع لديه من المعادلات العددية. الإفلاك ومسارات الكواكب أضحت أرقاماً، القوى أضحت أرقاماً أيضاً السرعة، الكتلة، الضوء، الصوت كل ذلك تم تحويله إلى اعداد وأرقام، وهنا حصلت معجزة الإنسان العلمية عندما طويت صفحة الكتاب الأولى لتمكن الإنسان من الانتقال من مجرد ملاحظة الظواهر إلى اكتشاف القوانين التي تحكمها، والعمل بالتالي على تسخير هذه القوانين لمنفعته الشخصية. كل هذه القوانين لم تكن سوى معادلات تربط بين تلك القيم العددية التي أعطيت لظواهر الكون المختلفة كالطاقة والحرارة والضغط واللزوجة وما إلى ذلك..البرق أصبح مدفأة في بيته أو آلة تنفعه في قضاء حوائجه بمنتهى السهولة وذلك حينما فهم قوانين البرق وسخّرها في خدمته فأنتج الطاقة الكهربائية وانتفع بها من خلال نظام متقن الصنع. كذلك سخّر قوانين الصوت والضوء منتجاً بذلك آلات لطالما بقيت في عداد الأساطير والأوهام، سخّرها جميعاً لإيجاد رفاهية لم يكن يحلم بها أكبر ملوك الكون في زمن من الأزمان.

« ليس الوجود في حقيقته سوى أعداد». حالياً بعد أن خطا التطور التقني أوسع خطواته، أصبحت الصناعة – وهي الخلق البشري- تنتقل من مجرد صورة في الذهن إلى حقيقة مجسّمة على أرض الواقع. السيارة مثلاً تكون في نشأتها الأولى على شكل صورة مفصّلة ثلاثية الأبعاد في الحاسوب، وهذه الصورة هي بدورها ترجمة لتوزيع رقمي على صفحات الحاسوب الأولية. قبل هذه النشأة الرقمية تكون السيارة مجرد فكرة أو صورة يكتنفها الغموض، تلوح بصعوبة بين صنوف الأوهام الذهنية العابثة الضاربة في كل اتجاه. الهرم كان ومضة برقت في ذهن أمحوتب ثم أنشأ أمحوتب من هذه الصورة الومضة صورة أكثر ثباتاً ونصوعاً وضعها على الورق وحكمها وثبّت خطوطها من خلال حساب رقميّ قاس لا يتغير ثم كان الهرم بناءً ترفعه إلى السماء آلاف الصخور. لقد بقي الهرم الحجري ثابتاً شاخصاً تتعاقب على الافتنان به عيون الأجيال وعقولهم غير أن أصله وهو وجهه الحقيقي وهو الصورة الحسابية أو الذهنية في ذهن أمحوتب فقد زالت مع زوال هذا المهندس وموته وصار هذا الذهن مجرد تراب لا صور فيه ولا حساب ولا جمال.

يا مثالاً كان وهماً قبلما شاء البناة
كنت جزءاً من دماغ غيبته الظلمات
كنت أمنية قلب أكلته الحشرات

الومضة هي الأصل وهي الوجه الحقيقي للهرم برقت وانقدحت في لحظة ثم انطفأت وزالت لتعود وتخلد مع خلود الهرم الحجري الشاخص للعيان.

هل أنت برق في خيال ملهم شق القيود وجدّ في الإفلات
يخبو ويولد في زمان واحد ويشيخ في دهر من الومضات

لماذا ذهل بيتاغور عن كل هذه الظواهر الكونية الباهرة ولم ير في النور وفي المجرات وفي المخلوقات وفي الماء سوى أرقام وأعداد؟ إيذاناً للعلم للبدء بإعادة تعريف كل شيء من خلال قيم عددية. الطبائع العددية للأشياء هي التي مكنّت من فهم قوانين الكون والإفادة منها كما قدمنا. لم يعد التفاوت والاختلاف الظاهر في طبائع الأشياء سوى تعبير عن عدد من المعادلات الرقمية التي تعبّر عن هذه الأشياء، إذن إن الانتقال إلى الوجه الرقمي الآخر للوجود كان الوسيلة الحصرية لفهم هذا الوجود أولاً تمهيداً لتسخيره ومحاولة محاكاته في مرحلة لاحقة.

من الجدير أن نطرح في إطار موضوع الوجه الآخر الطبيعة البديلة حول الإعاقات والموانع التي تحول عادة دون رؤية الوجه الآخر، وتضعنا في سجن الظاهر المحدود تارةً، والمخادع تارةً أخرى وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تكوّن رؤىً خاطئة موهومة أو منحرفة، أو قد يؤدي في الحد الأدنى إلى الحد من نمو وتطور الحياة الفكرية والتخبط في مستنقع راكد ومحدود.

الحقائق التي تخفي وجهها الآخر تكون عادة على عدة أنواع، فمنها مثلاً الحقائق المختبئة خلف حائل من غير طبيعتها حال دون اكتشافها ووصول الإنسان إليها. الحقائق المتنكرة المقنعة هي نوع آخر من الحقائق الموجودة التي تخفي وجهها الحقيقي وهي الحقائق التي تكون ظاهرة بادية للعيان غير مختبئة او خافية لكنها تبدو على غير حقيقتها، تماماً كإنسان يسير في الأسواق والشوارع بين الناس وهو غير مختبئ ولا متخفٍ لكنه يرتدي قناعاً فيراه الناس على غير صورته الحقيقية ولا يتعرفون عليه. نوع ثالث الحقائق الواضحة صورة والصعبة إثباتاً وبرهاناً وذلك كمثل متنازعين يبدو واضحاً أيهما المحق وأيهما هو المبطل ولكنّ إثبات الحق لا يكون سهلاً على الإطلاق. نوع رابع: الحقائق المتشابهة وهي التي تتداخل بعضها في بعض ويضيع من جراء ذلك وجهها الحقيقي وذلك للتشابه فيما بينها ومثل ذلك ما يعتمده مزورو الأوراق الثبوتية لنقل عدد من الأفارقة أو الصينيين إلى البلدان الغربية حيث يستعملون الهوية الواحدة لعدد من الأشخاص وذلك لتقارب وتشابه هذه الوجوه وبالتالي عدم القدرة في التمييز فيما بينها لدى أهل البلد الوافدين إليه.

نوع آخر الحقائق غير المعرّفة، فهي تكون مشاهدة محسوسة لكنها على الرغم من ذلك غير معرّفة كسائر التعاريف الأولية في الفلسفة كالزمان وما إلى ذلك، فإن هذه الحقيقية سوف تبدو شديدة الغموض لدى الشروع في تعريفها، لكنها إذا تركت بدت واضحة لا تحتاج إلى مؤونة التفسير والتأويل. سوف نقف عند كل واحدة من الحقائق المذكورة لكي نعطي نبذة وافية عنها وذلك من أجل إنتاج تصور وافٍ كيف يمكن أن تبدو الأشياء بوجه آخر غير وجهها الحقيقي:

الحقائق المختبئة: هي حقائق لا تحتاج سوى إلى رفع الحوائل والستائر لكي تبدو واضحة جلية، وهو ما يعني أن الجهد يجب أن يكون منصبّاً على مهمة إزالة الحوائل والموانع، فإذا ما انزاح الستر برزت من تلقاء نفسها وبانت بشكل واضح لا غموض فيه. يمكننا أن ندرج في هذا الإطار رحلات الاستكشاف الباحثة عن قارات جديدة أو أعمال التنقيب الباحثة عن معادن الأرض وسائر مكنوناته، ففي كل هذه الأمثلة يجتهد الإنسان في الإرتحال أو الغوص والتنقيب والحفر من أجل أن يرفع الساتر الذي يمنعه من معاينة ومشاهدة ما يبحث عنه، وهو بعد أن يجتاز هذه الموانع لن يكلف المزيد من العناء لرؤية قارة جديدة أو درّة تبرق أمام ناظريه أو فلذات المعدن أو ما إلى ذلك. هذا نوع من الوجوه والهيئات التي لا تنبئ ولا تفشي ما في داخلها من الأسرار، كالبحر لا يحكي ماؤه ولا موجه عن درره وأحجاره الكريمة أو كرمل الصحراء الذي لا يخبر عمّا ورائه من كنز ومعادن، لكنها في الوقت عينه لا تبالغ في هذا الخداع لأنها حوائل وإن صعب اجتيازها أحياناً لكنها لا تمس جوهر ما تخفي من الحقائق، فهي مستقلة عنها، ويؤدي رفعها إلى بروز فوري للحقائق دونما تعقيد أو إبطاء.

الحقائق المتنكرة: وهي كما قلنا أنواع من الحقائق بادية غير مستترة، فهي شاخصة مستدل عليها لكنها مع ذلك متخفية خلف قناع يصورها على غير حقيقتها. المجرم مثلاُ يمكنه لكي يفلت من يد العدالة أن يختفي عن الأنظار ليكون حقيقة مخبأة مستترة، لكنّ بإمكانه أيضاً أن يرتدي زي رجل دين مثلاً وان يخرج إلى الناس متنكراً في وجه غير وجهه الحقيقي، والناس في هذه الحالة يرونه ويتعاملون معه لكنهم في الوقت عينه يبحثون عنه في كل مكان ويخصصون الجوائز لمن يدلي عنه بأية معلومات. كثيرة هي الحقائق الكونية المتنكرة التي تبدو بغير وجهها الحقيقي ممّا يدفع الإنسان إلى أن ارتكاب أخطاء فادحة أحياناً قبل أن يتنبه ويتعرف على وجه حقيقي تماماً كما لو صدق أحدنا أن هذا اللص هو قديس لما ظهر من حسن مظهره ونقائه، إن اكتشافنا لحقيقة هذا اللص لن يتم قبل تمكن هذا الأخير من سرقتنا والاعتداء علينا.

لقد حفلت مسيرة الإنسان العلمية عبر التاريخ بالكثير من الظنون الناشئة عن خداع الطبيعة له من خلال ظهورها في وجه آخر غير وجهها الحقيقي، فالماء وهو مادة الحياة الأكثر ألفة وهناءة تحتوي على غازات ذات قابلية عالية للاشتعال والتدمير كذلك الهواء المنعش يصبح حارقاً إذا ما تم الارتطام به بسرعة كبيرة، كذلك الأمر في المآكل والمشارب، فالإنسان يلقى حتفه من جراء تناوله ما لذّ له وطاب في ذوقه ومظهره، إلى كثير مما يمكن أن يذكر في هذا الإطار.

إنّ نوع الفكر الذي يمارسه الإنسان لأجل رفع التنكر ورؤية الوجه الحقيقي يختلف عن ذلك الذي يعتمده الإنسان في كشف الحقائق المختبئة، فالفكر في هذه الحالة ينكب على ابتكار وتطوير الوسائل التي يجب اعتمادها للوصول إلى الحقائق كبناء السفن وتزويدها بأنظمة تمكنها من السرعة ومواجهة الأخطار المحدقة بعد الإيمان أنها الوسيلة لاكتشاف العوالم الجديدة، أو في اختراع آليات الحفر والتنقيب التي تمكن من الوصول إلى الكنوز والمعادن المودعة في باطن الأرض، أما في حالة الحقائق المتنكرة يسعى الفكر بإبداعه الذكي إلى إيجاد موازين جديدة تمكنه من التفلت من تأثير المشاهدة والفرارمن معتقل الحاسة المباشرة الضيق والمحدود، وهي مهمة أصعب من سابقتها، حيث أن رفع الغطاء وكشف المستور لا يساوي – كعمل ذهني - مسألة كشف الزيف ونزع الأقنعة، فالحائل مهما كان عصيّاً فهو ليس كائناً ذكياُ مسلحاً بعبقرية تمكنه من الحرب بدهاءٍ وخداع، إنه كائن جامد، غير عاقل لا يخفي ما يخفيه بناءً على خطة أو تعقل بل هو إخفاء اتفاقي صدفي لا شأن له به على الإطلاق. التراب لا يحفل ولا يتأثر إذا أخفى تحته ذهباً أو حجارة، الجميع بالنسبة له سيان وهو لن يكون أكثر استعصاءً إذا كان ما تحته ذهباً، حيث سيجد الفكر البشري المعاناة ذاتها في رفعه –كحائل- مهما كانت النتيجة التي سوف يصل إليها. أما القناع فهو بالإضافة إلى كونه حائل يخفي ما تحته، فهو كائن ذكي موضوع وفق خطة عاقلة ذكية من أجل أن يعطي معنى آخر وصورة أخرى ووجهاً آخر غير الوجه الحقيقي الذي يخفيه.

الحائل يخفي الحقيقية تاركاً مقعدها شاغراً لكنّ القناع يدفع الحقيقة ليضع مكانها بديلاً آخر، ولذلك فالفكر البشري الذي سوف يعمل على إزالة هذا القناع سيجد نفسه في مواجهة ذكاءٍ آخر لن يسلم له لمجرد شروعه بعملية الإزالة، بل سوف يعمل على مواجهة هذا الفكر والذكاء الراغب في مشاهدة الوجه الحقيقي بذكاء أكبر من أجل أن لا يمكنه من مشاهدة صورة الواقع على حقيقته. قد يفهم مما ذكر أن الحقيقة المتنكرة مرتبطة دائماً بذهن بشري مخادع دساس يعمل من خلال خطته المحكمة على صوغ وإيجاد هذا التنكر، وهو فهم غير مقصود وغير صحيح، فالحقائق المتنكرة ذات الإرتباط بدسائس الذهن البشري وخدعه ليست سوى نوع من أنواع هذه الحقائق، إذ إن الطبيعة حافلة، كما ذكرنا بهذا النوع من الحقائق المتنكرة. الماء، هذه الطبيعة المعروفة لدينا ليست سوى وجه تنكري للطبيعة الحقيقية للماء: الماء مؤلف من ذرتين من غاز الهيدروجين متحدة مع ذرة من غاز الأوكسجين. غاز مضاف إلى غاز آخر هو حقيقة الماء، هذه الحقيقة التي دفعت عن سطح المشاهدة والمعاينة لتحل محلها الطبيعة المائية التي نشاهدها، ولهذا لم تكن آلة Lavoisier مصممة بطرقة تهدف إلى كشف الماء والنظر إلى ما هو تحته، الالة في كل جزء من أجزائها تعبر عن حيلة ابتكارية ابتدعها الذهن البشري ليتمكن من كشف قناع مبني ومرسوم بطريقة عالية الدقة فائقة الذكاء ودقيقة التنظيم.

الحقائق التي يصعب تعريفها
وهي حقائق نعيشها ونتداولها ونتحدث عنها فهي تدخل في سياق تفكيرنا واستدلالنا بشكل بسيط وطبيعي كحقيقة الزمن، الزمان هو حقيقة بسيطة مفهومة طالما أنها آخذة موقعها في سياق فكري معين، لكنها لو عزلت وأردنا أن نتأمل في معناها وأن نطرح الأسئلة لتعميق فهمنا لهذه الحقيقة، فإن الأمر سيكون عندها، على عكس ما هو متوقع، شاقاً للغاية. البساطة التي نتناول من خلالها هذا العنوان ونتحدث عنه سوف تنقلب إلى تعقيد ولغة مغلقة معجمة غير مفهومة. من الأمثلة على ذلك تعريف ابن سينا للزمان الذي يقول فيه: «...» هذا النص كما نراه مثل يوضح إلى درجة كبيرة هذا النوع من الحقائق الذي نزعم أننا نقبض عليه لكننا نجده يفرّ من قيود تعريفنا وتشخيصنا. لا أحد يمكنه أن يتوقع أن يكون تعريف الزمان معقداً وعويصاً إلى هذه الدرجة، وذلك كما قلنا لسهولة تناوله واستعماله في شتى صنوف تفكيرنا.

مثل آخر أكثر أهمية هو مثل السرعة، السرعة التي نشأت كمفهوم يجمع بين مفهومي الزمان والمكان، فسرعة جسم معين كانت تعني في مفهومها الإبتدائي مقدار المسافة التي يجتازها هذا الجسم في مدة معينة، من الواضح إن هذا التعريف لا معنى له إلاّ إذا كانت المسافة التي يجتازها هذا الجسم في الوقت المعين لا تتغير مع مرور الوقت، أي لدى الحديث عن الأجسام المتحركة بسرعة ثابتة فإذا قلنا على سبيل المثال أن القمر يجتاز بسرعة ثابتة في كل ساعة من الزمن مسافة x Km فهذا يعني أن القمر يجتاز في نصف ساعة نصف المسافة وفي ربع ساعة ربع المسافة وهكذا. لكن التعقيد بدأ عندما أراد الإنسان دراسة حركات الأجسام التي تتحرك في سرعات تتغير بشكل اعتباطي. في كل لحظة لدينا قناعة بأن هذا الجسم يتحرك في هذه اللحظة بسرعة كذا، إذا لدينا قناعة ان هناك تعريفاً ما للسرعة يستطيع ان يتناسب مع هذه الحركة الإعتباطية لكننا رغم قناعتنا تلك وإيماننا الراسخ بوجود هذا المفهوم وهذه الحقيقة بقينا نبحث عن تعريف مناسب مفهوم دقيق في التعبير وتام في آن معاً إلى أن حلّ ضيفاً على مسيرة الفكر البشري عقلان شكّلا منعطفاً بارزاً في مسيرة الفكر الرياضي من خلال تقديمهما لتعريف لهذه السرعة المطلوب تعريفها. إنهما نيوتن و ليبنتز.

السؤال طرحه غاليليه كما يلي: إذا كان الجسم يتحرك من خلال سرعة متغيرة تزيد بنسبة ثابتة مع مرور الوقت فما هي المسافة التي سيجتازها هذا الجسم بعد مرور مدة معينة. قبل الحديث عن الإجابة على هذا السؤال نلاحظ أن السؤال يفترض أنه يمتلك تعريفاً للسرعة للجسم الذي يتحرك في حركة متغيرة اعتباطية، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق وذلك لأن الإجابة لم تتم إلاّ بعد أن قدم تعريف علمي دقيق للسرعة في هذه الحالة. التعريف بني على مرحلتين: المرحلة الأولى هي مرحلة تعريف واستعمال الحدود، المرحلة الثانية تعريف التفاضل. وإذا أردنا أن نفهم باختصار كلا العنوانين والوقوف بالتالي على فهم دقيق لتعريف السرعة، فإن الحدّ limite هو المفهوم الرياضي الحديث الذي أضيف إلى العمليات الحسابية الكلاسيكية بالإضافة إلى التطبيقات وهي التي تمثل المفردات الجبرية الأساسية التي عرفت واعتمدت منذ بزوغ التفكير الرياضي في تاريخ الإنسان. وهو ما يعني ببساطة أنه إذا كان لدينا متوالية لا متناهية من الأعداد وقيل لنا أن حدّ هذه المتوالية هو صفر، فهذا يكون معناه أننا لو قمنا بتصوير المشهد من خلال وضع صفر في نقطة معينة وأعطينا نقطة لكل مقدار من مقادير المتوالية فإننا سنلاحظ أن أية دائرة ترسم حول النقطة صفر مهما صغرت سوف تكون مشتملة على جميع نقاط المتوالية باستثناء عدد محدود منها. هذا هو ببساطة تعريف الحد وهذا هو المفهوم الذي أعطى بعد ان أضيف كما ذكرنا للرياضيات بُعدها التحليلي المعاصر.

المرحلة الثانية هي في استخدام مفهوم الحد لإنتاج مفهوم آخر هو مفهوم التفاضل، لقد عُرف هذا الكسر بكسر نيوتن والتفاضل في النقطة b للدالة f لا يعني أكثر من حدّ كسر نيوتن حينما تقتري الـ a من b. لقد كان هذا التعريف للتفاضل الذي تفتقت عنه عبقرية نيوتن و ليبنتز كافياً لإعطاء تعريف دقيق لما سمي بالسرعة اللحظية vitesse instantannée وهو مفهوم يحمل معنيين الأول قيمي احتسابي ولذلك فهو دقيق للغاية والثاني تخيلي تصوري يقوم على تمديد وتطويل تخيلي للحظة لكي يتمكن التصور من رؤية حركة الجسم في داخلها بسرعة ثابتة لا تتغير هي هذا المقدار المعين في المعنى الاحتسابي للسرعة اللحظية لقد كان هذا الدمج بين المخيلة والحساب عملاً فذاً تمكنت من خلاله العبقرية البشرية من رصد وتتبع حركة الأجسام والأجرام والكواكب بشكل دقيق غير مسبوق ممّا فتح افقاً جديداً ورحباً لعصر ركوب الفضاء وغزو الكواكب .

إن الثغرة بين التخيل والحساب في هذا النوع من الحقائق سوف تبقى قائمة إلى أن تزول نهائياً بعد الحصول على نتائج شديدة الدقة والضبط في المراحل العملية المتأخرة، حيث أن هذا الربط المقترح بين المقدار الحدي لكسر نيوتن وبين السرعة المطلوب تعريفها لا يمكن التثبت منه والحديث عن جدواه في أول الأمر غير أن الإثبات يأتي متأخراً حينما نصل بناءً على هذه النظرية إلى تحديد مواقع القمر والمذنبات على سبيل المثال بشكل دقيق فاق في دقته كل تصور. فنحن الآن حينما نرسل مركبة إلى القمر نضرب له موعداً في مكان وزمان محددين لا يخلفه القمر بعد ان استطعنا وصف حركته برمتها من خلال عثورنا على تعاريف لهذا النوع من الحقائق التي يسهل تصورها ويصعب تعريفها حينما أجيب على سؤال غاليليه بالقول أن المسافة المجتازة هي at2½ حيث أن الـ a هي نسبة زيادة السرعة والـ t هي المدة الزمنية أصبح هناك إمكانية لدراسة كافة الحركات الطبيعية والمخترعة، فجميع ما لدينا من سيارات أو طائرات أو صواريخ وأقمار اصطناعية يطوع لنتائج نظرية أعدت سلفاً ومسارات كانت هي الكشف الأهم من وراء هذه النظرية المبنية على تعريف دقيق للسرعة.

إننا اليوم نستطيع أن نرسم مساراً تاماً للصواريخ العابرة للقارات وأن نحدد الهدف على بعد آلاف الكيلومترات بخطأ لا يتجاوز الأمتار. من كان يظن أن العبور من ثقب اللحظة التي لا تتسع لأي تخيل بشري إلى كل هذه الكشوفات والإمكانيات التقنية الهائلة كان بفضل القبض على حقيقة ماثلة أمام التصور ولكنها على الرغم من ذلك بقيت شاردة فارةً من قيود اعتقال العقل البشري الذي عجز عن القبض عليها إلاّ بعد مرور وقت طويل.