أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> إنسان في الكون أم كون في الإنسان

إنسان في الكون أم كون في الإنسان

 

هذا الوجود الهائل المحيط بنا من كل جانب، تشغلنا ألوانه ونصغي إلى ألحانه ونتحسس أنسامه، نميز القريب والبعيد، الواضح والغامض. الجدران التي تحيط بنا، الحديقة حولنا: حصاها وأوراقها وألوانها، الأرض التي نعيش عليها، السماء وما تحويه من الكواكب والأجرام، والمجرة التي ندور نحن وسماؤنا في أفلاكها، وما وراء هذه المجرة من مليارات المجرات مثلها، وما وراء كل ذلك وما وراءه.

 

ثم نعود فننظر إلى أنفسنا: كم هو تافه وجودنا وحقير إذا ما قورن بكل هذا الوجود الهائل المحيط بنا، إننا فعلاً نبدو كحبة رمل على شاطئ المحيط أو اقل من ذلك بكثير.

 

أمام بحر هائل وسماء لا حدود لها وأكوان تحتوي على ما لا يتخيل ولا يعد، نبدو أمام أنفسنا شيئاً ضئيلاً للغاية ويستمر في التضاؤل إلى أن يقترب من الفناء حينما يستولي على تصورنا جبروت معنى اللامحدود وهوله. كلما اتسعت رقعة وعينا و شملت عوامل جديدة وأكواناً بعيدة وموجودات لا عد لها ولا حصر، وجميعها لا يشغله بنا شاغل، كلّما عدنا إلى أنفسنا فوجدناها شيئاً ضئيلاً وموجوداً لا يكاد يحفل الكون بوجوده لكثرة ما يحوي ممّا هو حيّ أو غير حيّ.

 

ولكن! مهلاً، فإن المسالة ليست بهذه البساطة، أبداً ليست بهذه البساطة.

 

إن جمال القمر مدين لعيني التي اكتشفته، لا بل أكثر من ذلك، فإن وجوده مدين لوعيي الذي أعطاه هذه الصفة – أي صفة الوجود- وهكذا كل ما هو حولي مما تكشف وجوده لي عبر إحدى حواسي مدين في وجوده لمن منحه هذه الصفة وهو الوعي الذي اختصصت به أنا: الوردة الجميلة المبللة بالندى ليست شيئاً منعزلاً عني أو كياناً مستقلاً عن كياني، إنها لولا خضوعها لشروطي وقبولها بأن تكون ممّا يرى ويحس ويشم فإنني ما كنت لأعطيها صفة أنها موجودة.

 

البحر العظيم الهائل لن تراه عظيماً ولا هائلاً وهو ينتظر كغيره من الموجودات ريثما أعطيه شهادة انه موجود عظيم وهائل. إن المشهد الذي أبدو فيه تافهاً وحقيراً أمام هذا الكيان البحري الهائل سوف ينقلب تماماً عندما تراه صاغراً ينتظر إشارة مني، نعم إشارة من الوعي الذي أحمله لكي أعطيه جميع هذه الصفات التي يتمتع بها.

 

هذه السموات اللامحدودة الزاخرة بما نعلم وبما لا نعلم من الموجودات سوف تبيد وتنطفئ وتندثر إذا لم تلح لناظر أو لم يبلغها وعي. ما هو معنى وجودها حينما يبيد وعينا الذي يعي هذا الوجود ويعطيه الصورة واللون والصوت والشكل والكتلة.

 

ما الذي يعنيه كل هذا وما هي النتيجة التي يوصلنا التفكير إليها؟

 

هل معنى هذا أن الوجود ليس سوى صور ومطبوعات محبوسة في داخل وعينا، هل لها وجود وهل هي ذوات لها وجودها المستقل عنا تماماً أم أن هذا السؤال لغو غير منطقي وغير صحيح؟

 

كيف يصبح الوجود برمته جزءاً أو تابعاً لذرة فيه اسمها الإنسان؟ الكون جزء من أصغر أجزائه وتابع لأحقر وأتفه ما هو تابع له، هل هذا جنون أم ضحك ولهو أم أن هذا هو منتهى الحقيقة واليقين؟

 

إذاً هذا التفكير يقودنا إلى طرح ما بدا لنا لأول وهلة من أننا من أقل الموجودات وأتفهها، حيث أخذ بنا التفكير بعيداً حينما أصبحنا وعاءً هائلاً يتسع لصور الموجودات والمعقولات المحيطة بنا.

 

من هو في داخل من ومن هو جزء ممن ؟

 

ولكن مهلاً هنا أيضاً فلو سلّمنا أن الوجود بجميع محتوياته ليس إلا تصورات مدمجة في داخل شريط وعينا نستعرضه في سياق انفعالات خاصة، ثم نزعم أن حواسنا هي نافذة وعينا على كون خارجي يحيط بنا، مستقل عنا نقيم فيه ولا يقيم فينا، ولدنا فيه ولم يولد فينا وسوف نفنى عن قريب ونغادره وسوف يبقى بعدنا كما كان قبلنا، لا يضع فناؤنا حداً لوجوده كما لم يكن حدوثنا سبباً أو علة أو دليلاً أو ضرورة لحدوثه. لو سلمنا بكل هذا فإن السؤال الذي يصبح مربكاُ فعلاً ومحيراً إلى أقصى الحدود هو التالي:

 إن قبولنا اعتبار الوجود شريطاً من الصور الجميلة في داخلنا، سوف يجعل منه واحداً من وجودات عدة سوف تضاف إليه بحسب طبيعتها، إذاً سوف تتعدد الوجودات في داخلنا بعد أن كان تعدد الوجود مستحيلاً، إذ إن الصور التي نشاهدها في أحلامنا أو ما يحوم في خيالنا ووهمنا لا تقل سطوعاً وانطباعاً في أذهاننا عن الصور الواقعية! إن وجه الرجل الذي طالعنا في السوق قد يختفي ويندثر بعد حين، غير أن وجهاً ملائكياً كنا قد رأيناه في منامنا منذ عدة سنين وهو لا يزال مطبوعاً في أذهاننا مصوراً بنفس تلك الخطوط اللامعة التي بدا من خلالها لأول مرة.

 

هذا بالنسبة للفرد الواحد فقط، بالنسبة " للوعي الآخر" ، ما الذي يمنعنا نحن الذين نتباهى بقبولنا "بالرأي الآخر" أن نعترف ونقبل "بالوعي الآخر". ليس هذا حالنا على الإطلاق، إن ما أسميه هنا "بالوعي الآخر" ليس في نظر الناس سوى الجنون المحقور المسخّف المستهزئ به. لا محل إلاّ لوعي واحد فقط وعليه أن يعي الوجود حوله بالطريقة نفسها، وعلى حواسه أن تحدث في داخله نفس التصورات والرؤى.

 

أليس من الاستبداد أن نسخر ممن أسميناه مجنوناً حينما وجدناه يتحدث مع أولئك المحيطين به وهم موجودات طبعت في وعيه دون أن تنطبع في وعينا لسبب لا نعرفه، أو حينما يرفرف بأجنحته التي لا نراها ولكنه يراها ويسمع حفيفها ويلفحه هواؤها، أليس من الاستبداد أن نسخر من هذا "المجنون"  وكل ذنبه أنه يحمل وعياً آخر تنقدح فيه الصور الذهنية على قاعدة مختلفة. إنني لن أفاجأ إذا وجدت هذا "المجنون" ساخراً في قرارته من وعينا الذي هو قاصر عن معاينة ما يرى، إنه "وعي آخر" بالنسبة له وهو لذلك وعي معاق متهتك.

 

إن من نضحك من صوره وموجوداته يضحك هو بدوره من صورنا وموجوداتنا ومن نشفق عليه وهو يهز بأجنحته أو يمشي على سلم الهواء يشفق علينا بدوره كيف نسير على ذهب بدون أن نلتقطها و كيف نتكلم وحدنا ونحن نزعم أننا نخطب أمام الجماهير المحتشدة.

 

إنه صاحب وعي يحدثك عن وجود يحيط به يختلف عن ذلك الذي يحيط بك، الكثير من عالمه في نظرك وهم وسراب كما أن الكثير من عالمك في نظره وهم وسراب أيضاً، فمن هو المؤهل لحسم هذا التضاد بين الفريقين، ومن هو المؤهل ليكون الحكم في هذه الخصومة؟ أحد الفريقين ليقال أن الخصم هنا هو الحكم، أم أننا هنا على مشارف الاعتقاد بضرورة ووجوب وجود "حكم" يبت في هذه المسألة.

 

نعود الآن للحديث عن الموجودات في داخل الإنسان الواحد بعد أن أصبح الواقع مجرد صور ورؤى تضم إلى مجموع الصور والرؤى المختزنة في داخلنا، نعود لنبحث في الحدود الفاصلة بين أصناف الرؤى تلك: واقع- خيال- وهم- حلم- حدس- كشف... ما هي القاعدة التي تم على أساسها ترسيم تلك الحدود؟ أليست حدوداً مفتعلة أو على الأقل لا مبرر لها ؟ فإن قيل أن هذه الحدود هي بديهية غرست في أصل الإنسان وجبلته، فهي شيء وجد مع وجود الإنسان تماماً كوجود اليد والرجل، أي أن  الإنسان لا مفر له من الإعتراف بوجوده.

 

قد يجاب على ذلك بأن الدليل على أن هذه الحدود والفواصل ليست بديهية نفس تشكيك الفكر البشري بمواقعها، حيث أن القول بأن الواقع له وجود ذهني تصوري فحسب، وهذه هي المقولة الأساس في المدرسة الفلسفية المثالية " في مقابل المدرسة الواقعية".

إن هذا القول لم يولد حديثاً وإنما هو قديم قدم تأريخ الفلسفة، منه مثلاً ما عرف في المدارس السفسطائية القديمة حيث اعتقدت مدرسة غورغياس أنه لا يوجد شيء على الإطلاق.

 

وقد يجاب على ذلك أيضاً بدليل مستند إلى التداخل في المساحات التي ينبغي أن تكون منعزلة بحكم هذه الفواصل: كثيراً ما ادعى قوم أن رؤى غير واقية هي شيء له مصداق واقعي أكثر توكيداً من الرؤى الواقعية نفسها، ويقولون أن الرؤى الواقعية المجلوبة عن طريق الحواس كثيراً ما تخدع وتكون غير واقعية، كالواحة الغنّاء التي إن أتاها الإنسان وجدها سراباً لا حقيقة له، أو كالنجم المتراقص أمام الشاعر الهائم وهو قد مات في الحقيقة منذ مليارات السنين. وقد قيل أن هناك رؤى ومشاهدات أكثر قرباً من الحقيقة حتى من المشاهدات الواقعية نفسها، إنها تؤدي إلى كشف ما هو واقع ولكنه استعصى على أدوات الكشف الواقعية من الحواس والاستدلال العقلي. وقد تؤدي أحياناً إلى رؤية أحداث واقعية مستقبلية يعني أنها قد تكشف عن أحداث المستقبل التي لا سبيل للحواس ولا للاستدلال للقطع فيها.

 

وهؤلاء الذين يحملون هذا الاعتقاد ليسوا فئة واحدة ولا يتحدرون من أصل واحد، فهم أهل رياضات تارةً وأخرى فهم منتمون إلى مدارس دينية وثالثة فهم منجمون لا علاقة لهم بالأديان والرياضات والمبادئ وغيرها. هؤلاء الناس على تنوع فئاتهم لم يكونوا دائماً معزولين عن الواقع، إنهم أحياناً في صميمه، وقد كانوا دائماً عبر التاريخ عاملاً فاعلاً في صناعة الأحداث. فهم في الأحقاب التي يسود فيها الإعتقاد بالسحر والخرافة حاضرين بقوة، ومن الغريب أن هذا الحضور لن يتغير بعد أن يزعم الزمن بأنه أضحى زمناً واقعياً تجريبياً مادياً تبنى فيه الحقائق على أساس التجربة والحس والمشاهدة، في هذا الزمن بالذات ينشط هؤلاء الجماعة في التأثير على صناعة القرار، كل ما يتغير ان الإستعانة بهم - التي يقوم بها زعماء العالم المعاصر – تصبح عملاً مستوراً معيباً ولكنه واقع.

 

إن المتابع لأخبار الزعماء السياسيين في أوروبا يعرف أن الكثير منهم يستعينون بواحد من أولئك الأفراد الذين يزعمون بأن لديهم رؤى تكشف عن المستور وتنبئ عن أحداث المستقبل.

 

لقد خصص علم النفس المعاصر مساحة واسعة لدراسة هذه الظاهرة أي ظاهرة الرؤى غير الواقعية التي تكشف عن واقع مستور خلف أفق المسافة أو الزمن، وهو دليل إضافي على وجود تداخل بين هذه الحدود المزعومة، إن هؤلاء كانوا يقابلون دائماً بفئة ترى في رؤاهم محض وهم وخيال أو كذب وافتراء لا حقيقة له على الإطلاق ، وهذا التضاد بين هذين الفريقين والتعاكس ليس سوى نزاع على ترسيم الحدود التي تفصل بين أنواع الرؤى وأصنافها.

 

السؤال هنا هو التالي: طالما أن جميع ما لدينا في النهاية ليس سوى رؤىً وتصورات، ما الذي يمكننا من إعطاء هذه الرؤى صفة الحقيقة دون طائفة أخرى من الرؤى؟ من الذي يستطيع أن يجيب بحسم على هذا التساؤل؟ هل نحن هنا أيضاً أمام ولادة حاجة جديدة إلى الذي يمكنه أن يصف لنا أنفسنا أكثر منا، أن يكون كلامه حاكماً علينا كسائر ما هو حاكم على عقولنا من البديهيات التي تسيّرنا. الحاجة إلى وعي آخر مركزي نكون نحن من موجوداته وتصوراته ويكون هو الحاكم علينا والمهيمن المتسلط، نتناول منه البينات كما نتناول أننا نمشي وننطق وما إلى ذلك. إذا قال لنا أنكم ذرة تافهة من كون هائل حقّ ذلك وصار حلاً تقر به العقول الحائرة الباحثة عن الحقيقة، وإذا قال لنا أن الكون سواكم موجود قبلكم وبعدكم، حقّ جميع ذلك واستراحت له الجوارح التي انهكتها الحيرة وأتلفها الضياع!.

 

وأقرب الأمثلة لهذا هو مثال الحركة والسكون الكونيين، فإن تطور الفكر البشري في دراسة الحركة وآثارها أوصل إلى فكرة الحركة النسبية وهو أقرب المفاهيم تمثيلاً لفكرة "الوجود النسبي" الذي نحن بصدده.

 

لا وجود للحركة المطلقة في هذا الوجود، ومعنى هذا أننا دائماً نتحدث عن متحرك بالنسبة لآخر ثابت. وهذا المعنى سوف يتضح للغاية فيما لو افترضنا أن الكون يشتمل على كوكب واحد هو الأرض مثلاً ، حينها ما معنى أن تكون الأرض متحركة أو ثابتة إذ لا فرق حسياً بين الحالتين على الإطلاق مع أن إمكان تصور الحركة ممكن حتى في هذه الحالة.

 

إنطلاقاً من هنا ، لاحظ الإنسان منذ أولى مشاهداته الكونية التغيير في مواقع النجوم والكواكب المحيطة به بدءاًً من المشاهدات البسيطة للشمس والقمر وصولاً إلى مشاهدات أكثر دقة لهيئة السماء في أوقات مختلفة من الليل وصولاً بعد ذلك إلى تسجيل تغيرات لا ترى إلاّ بالمناظير. لقد آمن ببساطة أن الكواكب يتحرك بعضها حول بعض ولكنه وقع في معضلة تحديد المركز: من يدور حول من؟ أين يقع مركز الكون؟ وهنا بدلاً من أن تحسم الإجابة على هذه التساؤلات ببساطة أيضاً راحت المسائل تتعقد، وتربعت على عرش التصورات العلمية مفاهيم خاطئة بقيت لآلاف السنين إلى أن أدرجت في عداد العقائد المقدسة في حقبة من الأحقاب يعاقب مخالفها بالحرق والتنكيل.

 

لماذا تعقدت الأمور ولم تحسم ببساطة؟

 

لإيضاح صعوبة المشكلة سوف نفترض أننا اقتصرنا في مشاهداتنا على ما نراه من تغير مواضع الشمس حولنا بين اليوم والليلة. إن ما نراه يمكن أن يكون نتيجة دوران الشمس حول الأرض، كما يصح أن يكون نتيجة لدوران الأرض حول الشمس، فكيف يمكن حسم هذا الأمر؟

 

إن الأمر لا حل له البتة فيما لو كانت هذه كل المعطيات، أي أن ما نراه من حركة الشمس لا يكفي لتحديد الثابت من المتحرك بين الأرض والشمس.

 

كانت الأجوبة الأولى التي جعلت الأرض مركز الكون الثابت والشمس والقمر والكواكب السيّارة: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل تدور حولها في مدارات تخصها كما في نظام بطليموس. لقد كان هذا التفسير استجابة سطحية لمشاهدات مجتزئة لم تخضع لأي تحليل.

 

وقد بقي هذا النظام معمولاً به لوقت بعيد حينما جاء الزرقلا في الأندلس وبعده جاء كيبلر وكوبيرنيك وغاليليه وبدأوا بإعادة النظر والتشكيك بهذا النظام واعتباره نظاماً سطحياً لا يتلاءم مع المشاهدات الكونية بعد إخضاعها للتحليل والتدقيق. لقد واجه بعض هؤلاء عقوبات تصل إلى حد الإعدام حرقاً إذا هو لم يتراجع عن القول أن الأرض " مهبط الرب على حد زعمهم" هي ليست مركز الكون وإنما تدور مع غيرها من الكواكب حول الشمس.

 

المشكلة التي بدأت في تمييز المتحرك من الثابت تحولت إلى البحث عن مركز"ثابت" يؤدي اتخاذه إلى تفسير المشاهدات الكونية تفسيراً معقولاً، وذلك بعد أن بدأ يتضح التعارض بين مركزية الأرض وبين مسارات بعض الكواكب المحيطة، فالمريخ مثلاً يبدو من الأرض أنه يتحرك على مسار أشبه بربطة العنق ذهاباً إياباً، وهذا ما يجعل من المستحيل أن يكون هذا الكوكب في حركة دائرية حول الأرض. إن وضع المركز الثابت للكون في الشمس " وهو النظام الفلكي المعاصر" واعتبار أن الأرض وسائر الكواكب هي التي تدور حولها تتلاءم وبشكل تام وبرهاني مع كافة ما لدينا من المشاهدات حتى الآن.

 

ومعنى ما تقدم أننا الآن لا نملك حقائق مطلقة وإنما لدينا فرضيات حول نسبية الحركة تتلاءم مع مشاهداتنا وقد تتبدل هذه الفرضيات في المستقبل إذا وجدت معطيات جديدة لا تفسرها المنظومة المعتمدة.

 

لو أردنا أن نقارن الآن بين مثل الحركة والسكون ومسألة الوعي فإننا نجد بين الحالتين تشابهاً تاماً: لا معنى لوجود الأشياء إذا باد الوعي البشري الذي يعطيها هذه الصفة أي صفة الوجود. غير أن إعطاء الوعي البشري صفة المركزية النهائية وجعل الأشياء في الخارج من موجوداته ومما يحوم حوله في مدارات محددة ، لا يعطي أي حل للمعضلات السابقة كمعضلة تمييز الحقيقي من الوهمي أو كمعضلة الوعي والوعي الآخر التي أمكن تصورها في إطار مركزية الوعي البشري، ولقد أثبتنا أن هذه المعضلات لا حل لها إلا بنقل مركزية الوعي من الإنسان إلى وعي أعلى وأشمل وأسمى، يكون الإنسان والأشياء من موجوداته سواء بسواء، الجميع يطوف حوله في مدارات يرسمها لهم بدقة وإتقان، ويسيرون فيها بمنتهى التسليم، وهذا الخضوع والتسليم الإختياري هو الذي يوصل إلى تمييز الحقائق من الأوهام وهو الذي يضع الحلول والتعاريف لكل شيء.

 

تماماً كما أدى نقل مركزية الحركة في الكون إلى الشمس إلى تقديم إيضاحات مبرهنة لجميع المشاهدات الكونية من خلال إعطاء الكواكب مداراتها التي قبلتها بتسليم وخضوع ودأبت فيها في حركتها الدائمة.

 

وإذا أرادت المقارنة المعقودة بين المفهومين أن تبلغ أبعد مدى، فإننا نقول أن خطأ اعتبار الأرض مركز الحركة الكونية لم يؤثر على حركة الكون ولكنه أثر على مسيرة الفكر الديني والاجتماعي البشري، وذلك بعد أن صار جزءاً من مقدس مبني على جهل بالحقيقة، ولهذا نظر هذا المقدس إلى الحقيقة بعين العداء والشراسة فحاربها وأخّر ما استطاع خروجها إلى العلن وتحكمها بالتصورات المعتمدة وذلك من خلال التنكيل بحملتها وظلمهم وترويعهم، ومعلوم ما في ذلك من الأثر السلبي على مسيرة الإنسان وحياته.

 

كذلك فإن اعتبار الوعي البشري هو الوعي المركزي النهائي وجعل كل شيء يدور حوله، لم يؤثر على حركة الكون وبنيته، ولكنه سوف يؤثر وبشكل حاد على حياة الإنسان ومسيرته، أما كيف يمكن أن يؤثر على حياة الإنسان الاجتماعية والسياسية فهو مما سوف نراه في مكان لاحق من  هذا البحث.