أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> حول الناتج العلمي والمعرفي نواتج التعلم في لبنان رؤية وواقع

حول الناتج العلمي والمعرفي
نواتج التعلم في لبنان رؤية وواقع

 

 

 

1- مقدمة:

ليس الناتج لأي عمل معرفي – أممي – رقماً أو جدول أرقام يمكن أن يوضع بدقة ووضوح في موازاة جدول المدخلات والمعطيات المرقمة أيضاً، حتى نخرج من خلال مقارنة سريعة بخلاصة عن الربح والخسارة.

وليس ذلك ناشئاً عن غياب أو قلة المعطيات الإحصائية الدقيقة في أكثر من مجال فحسب1، بل إن المشكلة الأدق هي في عدم وضع البحث حول الناتج في إطار منطقي طبيعي، يتسلسل في بنود وفقرات ترتبط فيما بينها برابطة السبب والنتيجة أحياناً أو برابطة الجزء والجزء المكمل أحياناً أخرى أو برابطة التعاريف والحدود والمصاديق أو الأحكام والموضوعات 2 وما إلى ذلك.

وللإيضاح فإن البحث في الناتج يرتبط بشكل وثيق بتحديد المشروع المنتج: حدود وإمكانيات بشرية ومادية ومعطيات كثيرة أخرى تتعلق فقط بتحديد هوية المشروع المنتج دون الحديث عن أية إضافة أخرى.

فقد يكون ممكناً تحديد الهوية بمؤسسة معرفية ما – جامعة ما على سبيل المثال –  إذ لا مانع من الناحية النظرية حصر البحث والسؤال عن الناتج المعرفي بهذه المؤسسة وإعداد النتائج لتقارن أو تتكامل مع نتائج أخرى من هنا وهناك 3.

غير أن في ذلك تفريط بمبدأ الهوية العلمية الكاملة ذات التشكل الموضوعي والتي هي غير قابلة للتجزئة، وإن كانت تتشكل من مؤسسات علمية متنوعة ممتدة على جغرافية معينة، غير أن كل جزء على حدة لا يشكل كياناً مستقلاً، أو لا ينبغي أن يشكل كياناً مستقلاً على الأقل في محاولة تقديم أجوبة دقيقة على البحوث والأسئلة المتعلقة بموضوع الناتج.

من الممكن حتماً مناقشة مبدأ "الهوية العلمية الكاملة" قبولاً أو رفضاً، ولكن من غير الجائز بحال من الأحوال التوغل في بحوث الناتج بدون تحديد الموقف النظري من هذا المبدأ.

 

وذلك لأن البحث لن يتغير من الناحية الشكلية أو المنهجية، لكنه يؤدي إلى رؤى جزئية لا تصلح أن تكون مادة أولية للتحليل والنقد الموصل إلى تبني خطط إصلاحية وتنموية واعدة. فهي ليست جزئية بمعنى النقص فحسب بل هي جزئية بمعنى الحاجة العضوية إلى نتائج أخرى قبل أن يبدأ العمل التحليلي النقدي للناتج وهو – على ما أظن – الغاية من وراء هذا النوع من البحوث لأنه الضوء الذي سوف يسلط على الخطط والبرامج التطويرية عند بلوغ أول نية حسنة لدوائر الفعل والقرار في بلداننا.

والبحث في هذا المبدأ يستهل بطرح مسألة البت في قبول أن الهوية العلمية هي تشكل طبيعي موضوعي في حدود معينة وصيغة محددة واضحة وشروط ومواصفات خاصة4، عوضاً عن الاعتقاد بأنها مسألة اعتبارية اتفاقية اصطلاحية تتخذ بشأن تكوينها قرارات سياسية وقانونية وتنظيمية واقتصادية فتولد بناء على ذلك بشكلها ومضمونها وسائر مكوناتها.

الفارق جوهري بين المعتقدين، فإذا كانت الهوية العلمية تتشكل موضوعياً في سياق تاريخي طبيعي، فإنه لزام على الباحث أن يتبين بدقة العناصر والقواعد النظرية التي تحدد هوية علمية - أية هوية - ثم نقوم بتطبيق هذه العناصر والقواعد على مشروعنا لنخرج بحدود واضحة لذلك المشروع حتى نشرع بدراسة ناتجه والعمل على نقده وتحليله.

كما يمكن أن يسفر هذا المعتقد عن خطط وتوضيحات إصلاحية سياسية بدلاً من الإقتصار على توصيات تعليلية أو علاجية علمية كما هو متوقع، وذلك إذا تبين أنّ السياسة تقوم بتجزئة غير مشروعة لهذه الهوية الطبيعية وهو ما يخلف إعاقة لا سبيل إلى إزالتها إلا بإعادة اللحمة للأعضاء التي تعطلت بسبب الإنفصال فحسب، وهذه اللحمة سوف تعيد لكل منها دوره  وفاعليته وإنتاجه، وبهذا يمكن أن نتوقع توصيات ذات طابع سياسي ولكنها برغم ذلك ليست استطراداً أو ابتعاداً عن صلب الموضوع، بل هي مما ثبت بأنه من جملة ما يجب فعله حصراً للمعالجة والتطوير والتقدم. أما إذا كانت هذه الهوية مجرد قرار سياسي سلطوي أو مرسوم يخطه ويمحوه القلم الرسمي، فإن بحث الناتج يضطر في هذه الحالة أن يتخذ له حدوداً مرتبطة بهذا القرار أو ذلك المرسوم، وحينها يكون هناك تمييز بين ما هو أساسي وما هو مكمل أو ثانوي بناءً على حدود السياسة ودوائرها المخترعة، ويكون على عاتق كل أدوات الوزن والتقييم  أن لا تتجاوز في خلاصاتها حدود المسلم وهو حديث قيامة موعودة لمؤسسات الوطن المستقل العزيز.

سوف تدور الدائرة في بحث كهذا على كل شيء: المال – الكادر البشري – المؤسسات . لن يبدو الأمر غير طبيعي بل متناسب تماماً مع كل مقدمات الحدود والتعاريف بالهوية الاعتبارية المحددة.

بعد تحديد الهوية ينبغي تحديد الميزان النظري المؤهل لإعطاء الأوزان والمثاقيل للناتج وهو بعد على صورة مادته الأولية المختلطة. وهنا أيضاً فإن التفريط بهذا البند النظري الخطير قد أدى في تطور غير سوي إلى نشوء أدب جديد وهو أدب "التقارير المقنعة" الذي احترفته المؤسسات التي تريد أن تصنع إنجازاتها وقيمتها ودورها من خلال جملة من العناوين التي لا تتصل بحياة الناس وحاجاتهم ومشاكلهم الإجتماعية والإقتصادية، ومع ذلك فهي تقدم على شكل ناتج مهم يبرر للمؤسسة وجودها واستمرارها وربما المزيد من دعمها والأنفاق عليها، والقارئ المسؤول لهذا النوع من التقارير تأخذ به الحماسة إلى التباهي بأرقام هذه التقارير وإحصاءاتها في حديثه السياسي الدعائي، لكنه وفي أوقات معينة يتحدث خلال تسويقه لأولوياته الداخلية بما يشي بعدم اقتناعه بكل تلك التقارير المعدة بإتقان.

فلقد صرّح أكثر من مصدر مسؤول وفي أمكنة متعددة من العالم العربي بان القطاع الجامعي هو قطاع غير منتج والعاملون فيه هم من فئة المحظوظين الذين ينعمون بما تغدق عليهم السلطة من النفقات والعطايا. المال في هذا النوع من التقارير يحتل مركز الصدارة، ومن المفارقة ان المال المنفق يتحوّل إلى ناتج فيقال أن المال المنفق على هذه المؤسسة العلمية الجامعية أو تلك هو 2.3 ملياردولار5 للإستنتاج أنها أهم وأغنى جامعة في العالم أو أن مخصصات المركز البحثي الثلاثي هي من أعلى المخصصات أو ما إلى ذلك. إن عنوان المال لا ينبغي حتماً أن يكون عابراً في بحوث الناتج ولكنه ينبغي أن يأتي في سياق مقارن وأن يرتبط بحاجات المجتمع ومتطلباته.

وقد يبدو الإنفاق على المشاريع والمؤسسات العلمية لدينا مرضياً من خلال المقارنة مع الإنفاق العلمي في الدول المتقدمة ولكن هذا الرضا سرعان ما يتبدد عندما نجد ان العائد عندنا الناتج عن هذا الإنفاق هو أيضاً ناتج أولي يحتاج إلى بحث ودراسة وتقييم من جديد، كأن يكون الناتج من هذا المال المزيد من المراكز البحثية أو المؤتمرات أو الآلات العلمية الجبارة وهذا كله مختلف عن أن يكون العائد ببساطة هو المزيد من الغنى الملحوظ في زيادة الناتج المحلي أو المزيد من استثمار الثروات المودعة أو المزيد من ترشيق المؤسسات الوطنية الكبرى كمؤسسات الطاقة أو تطوير الصناعات وزيادة الإنتاج وبالتالي التصدير. فالعائد هنا واضح ونهائي وبات الدلالة على ما آل إليه استثمار هذا المال في المشاريع العلمية البحثية.

كذلك يجب أن لا يتخذ المال ذريعة في تجزئة الهوية العلمية الكاملة، كأن يقال أن التعاون العلمي العابر للحدود السياسية لكل دولة هو أمر يخلق تعقيدات مالية كبيرة، يحتاج تذليلها إلى القيام بوضع تنظيمات قانونية تفصيلية تغرق الإتفاقات في روتين إداري قاتل غالباً ما يؤدي إلى وفاة غير معلنة لهذا التعاون6. كذلك لا يجب أن يكون المال مادة للتعاون العلمي المشرف مع أكبر وأهم جامعات العالم وذلك بقطع النظر عن الفائدة التي يمكن أن يقدمها مثل هذا التعاون، فالناتج العلمي غير منوط بالتأكيد بتدوين الأسماء في السجلات الذهبية لأية مؤسسة معرفية كبرى ولا بوضع التواقيع جنباً إلى جنب مع تواقيع رؤساء هذه المؤسسات كنازا او غيرها والتقاط الصور واستعراضها في عمل دعائي مثير للضحك.

الرتب العلمية أيضاً والألقاب والشهادات هي مما اعتدنا على رؤيته في هذا النوع من التقارير. وقد يجدر بنا وفي إطار بحث جاد حول الناتج بمعناه الأدق أن نعيّن متى وكيف تصبح الشهادة أو الرتبة العلمية ناتجاً ومتى تكون على العكس من ذلك، سبباً من أسباب ضعف الرؤية السليمة أو قل انعدامها أحياناً. هل الرتبة العلمية هي ناتج على كل حال؟ يبدو أننا نحمل ردوداً إيجابية على هذا السؤال في ما نضمره من طريقة تفكيرنا الباطنية في التقييم وإحصاء الناتج. ولذلك شاهدان متناقضان ولكنهما يشيران معاً إلى ناحية واحدة محددة.

الشاهد الأول هو ما نجده في واقعنا من رغبة جامحة بتجاوز الإمتحانات بنجاح ونيل العلامة للحصول على الشهادة ولو على حساب المعلومة نفسها7، وقد نستغرب كيف يمكن الحصول على العلامة دون المعلومة، غير أن هذا واقع مؤسف له طرقه وأساليبه وتدريباته الخاصة المؤكدة. وقد نجد تأييداً لذلك – فارقاً مثيراً للدهشة بين نسبة الطلاب الناجحين في الجامعات الخاصة والجامعات الحكومية (فارق قد يصل إلى حد 65%) أو أكثر في بعض الأحيان دون أي شعور بالحاجة إلى القيام بدراسة علمية جادة لتحديد الخلل الذي يدل عليه هذا التفاوت بوضوح، إذ لا شيء يمكن أن يكون تفسيراً طبيعياً لتبرير هذا التفاوت في إطار نفس الجيل في بلد واحد أو حتى في مدينة واحدة. الصمت المطبق هو الذي يسود، ثم تعد بعد ذلك لوائح الخريجين لتأخذ موقعها المرموق في تقارير أبحاث الناتج لمؤسساتنا الجامعية لنزعم بعد ذلك أننا بلغنا بمؤسساتنا تلك مبلغاً متقدماً للغاية.

الشاهد الثاني هو اعتزازنا الكبير بكفاءاتنا التي تعمل بجدية وكفاءة عالية في مؤسسات الغرباء البعيدة. إننا نعتز بما فقدنا وخسرنا، اعتزاز باللخسارة، والأعجب من ذلك أننا نجد صعوبة في نطق ألقابهم العالية أو اختصاصاتهم العصرية التي لا صلة لها بما نشاهد ونكابد في كل يوم. إنهم حيث هم أصحاب ألقاب علمية عالمية ويحتلون مراكز علمية وإدارية مرموقة ويعملون على مشاريع غاية في التطور والتقدم في مختبرات هادئة مسالمة، غير أن الكثير من أبحاثهم وإسهاماتهم لا تصل إلينا إلا بطشاً وتنكيلاً وحرقاً. إنهم يساهمون أحياناً في تطوير التقنيات التي تستعمل في الفتك بنا وتدمير مدننا وأريافنا ولكنهم لا يعرفون ذلك ولا يتوقعونه، وحده العقل الجبارهو الذي يعرف كيف يبني ماكنته العملاقة بناء على جهود وإسهامات هؤلاء. نحن رغم ذلك ندرجهم في تقارير إحصاء الناتج بوصفهم من أهم ما لدينا.

هذان الشاهدان يبرزان بوضوح أن فقرة الرتب العلمية شائكة للغاية ولا تعبر عن ناتج ببساطة مهما بدت مهمة في تقاريرنا. فهما يدلان كيف ننتج أحياناً شهادات تحتاج بجدية  إلى من يتأكد من حقيقتها وأحياناً أخرى نقوم بإنتاج الكفاءات الحقيقية ونبقيها معلقة بين السماء والأرض، حتى تقطفها اليد الغريبة وتسير بها إلى حيث تصبح قطعة صغيرة في آلة جبّارة تأكل الأعمار والأدمغة الوافدة من عالمنا وغير عالمنا، حيث الضياع واللاإنتماء، لأجل أن تصنع غنىً خرافياَ وحضارة تقنية متقدمة للغاية.

إن استمرار ما عرف بنزف الأدمغة وعدم وجود سياسات لإيقاف هذا النزف أو للإستفادة مما سمي بمجتمع الشتات المعرفي، ليحتم علينا أن نقارب بند الكفاءة في تقارير الناتج مقاربة حذرة غير مكترثة بكل التقييمات التشريفية التي سوف نتحدث عنها بالتفصيل في مكانها من هذه الدراسة.

من جهة أخرى فإن الحاجات المتواضعة في سوقنا المحلي لا تمكن من اختبار ومعرفة حقيقة الشهادات الجامعية المتنوعة كما سوف نبين، حيث أن هناك الكثير من الوظائف التي تطلب مواصفات جامعية عالية فيمن سوف يشغلها ، مع أنها سوف تؤدى بما سيحوز عليه الموظف في أشهر أو حتى أيام وظيفته الأولى. وهذا ما من شأنه أيضا أن يضطرنا إلى تبنّي نفس تلك المقاربة الحذرة في هذا النوع من البحوث.

النشرهو أيضا من العناوين المهمة التي تستعرض في جداول إحصائية متخصصة للإستدلال على الناتج العلمي. ولهذا العنوان- كما لغيره- محاذيره و مستلزماته، إذ أنّ المنشورات عندما تتحوّل إلى مجرّد رصيد عددي تمكن الباحث من الإرتقاء الأكاديمي والحصول على الرتب العالية، أو عندما تكون الشهادة التي تؤكّد أنّ المؤسسة تعمل بنشاط و حيوية،في كل هذه الإحوال فإنّ النشر يصبح مأزقا لأنه الوسيلة السهلة للإستتاروتغطية البطالة العلمية والإنتاجية، أي أن الباحث غالبا ما يمكنه أن يجد المجلة المستعدّة لنشر مقالته- و بعض هاتيك المجلات تتقاضى ثمناً على النشر، أي أن النشر يمكن أن يكون سلعة بالإمكان الحصول عليها في سوق البيع والشراء.

كذلك أصبح النشر ببعده العددي فحسب شغل المؤسسات الشاغل، وذلك من أجل التباري في هذا المجال، لذلك عمدت الكثير من المؤسسات العلمية في عالمنا إلى نشر مجلات علمية محلية غير موثقة عالمياً وأصبحت المكان الأمثل لمن يريد نشر مقالات لا تقيم ولا تحكم ولا تقرأ، الغرض الوحيد منها أن تظهر كعنوان على صفحات السيرة الذاتية للباحث أوعلى جداول النشر العلمي للمؤسسة أو للبلد الذي تنتمي إليه. والأنكى من ذلك أن عدداً لا يستهان به من الجامعيين في مؤسساتنا أخذوا ينحون منحى التزوير الذي هو أبعد ما يكون عن الإستقامة المهنية وذلك من خلال زج أسمائهم على مقالات علمية معتبرة لا علاقة لهم بها – إلى جانب أسماء مؤلفيها الحقيقيين – الذين تربطهم بهم علاقة مصلحة وتنفع في كثير من الأحيان، وبعض أولئك يقوم بترجمة بعض المقالات المنشورة من لغة إلى أخرى، أو يسطو على مقالة منشورة ثم يعيد نشرها باسمه بعد تغيير طفيف في هيأتها 8، إلى أشكال كثيرة من أعمال التزييف والتزوير التي نشأت عن آفة التعامل مع موضوع النشر على قاعدة احتسابية احصائية. ولقد اعتمدت الكثير من المعايير العلمية العالمية لأجل التقليل من الإنطباعات الخاطئة الناشئة عن كمية النشر كإسقاط أية دورية غير محكمة عالمياً عن الإعتبار أو إعطاء قيمة المنشور مبنية عن تأثيره وظهوره المتكرر في مقالات علمية أخرى.

غير بعيد عن النشر العلمي، يلاحظ أن الأنشطة العلمية يفرد لها موقعها الخاص في أية مطبوعة أو صفحة إلكترونية لأية مؤسسة خصوصاً المؤتمرات العالمية التي تعقد في تلك المؤسسة العلمية.

هذه الأنشطة من مؤتمرات أو ورش عمل أو دورات تدريبية أو ندوات هي بلا شك عامل مساهم في تكوين الرؤى حول واقع النشاط والحيوية في هذه المؤسسة، ولكنها يجب أن ترتبط بمحددات أخرى تؤشر على جديّة هذه الأنشطة ومساهمتها الواضحة في تفعيل العمل العلمي الإنتاجي، أي أنها بحد ذاتها لا ينبغي أن تعد ناتجاً إلا إذا اقترنت بتتمة مثمرة على الصعيد العملي من فتح آفاق علمية جديدة ومفيدة - وأحياناً ضرورية – أو فتح قنوات اتصال مع خبرات علمية ومعرفية.

إضافة إلى الأنشطة الرسمية الإحتفالية هناك إهتمام أحياناً برصد حركة ونشاط الباحثين في يومياتهم المؤسسية، وهو ما معناه كمية الوقت المعطى لنشاطه البحثي والمنتج الواقعي أو المتوقع، هنا أيضاً كلام عنه يمكن أن يُقال، فالبحث يصبح أكثر قيمة عندما يكون المبحوث عنه شيئاً معتبراً في مجتمع المؤسسة التعليمية بلحاظ الحاجات المحلية لا بلحاظ حاجات الآخرين أو أولويّاتهم، أيّ أنّ البحث لا يقيّم فقط بما يتمتع به الباحث من مواصفات الجديّة والمثابرة والكفاءة، بل الجودة و الجدوى، إذ أنّ المبحوث عنه شريك أساسي في إعطاء القيمة.

وآخر ما نود الإشارة إليه في هذه المقدمة هو المؤسسة العلمية نفسها، جامعة كانت أو مختبراُ علمياً أو مركز أبحاث، فهي طبعاً ليست عنواناً عابراً في بحوث وتقارير الناتج ولذلك فهي عنوان ينبغي التوقف عنده بدقة وعناية.

الجامعة على سبيل المثال يرتبط  دورها وناتجها – أو قل يتوقف – على مناهجها العلمية المعتمدة وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت أنه نادراً ما تكون الجامعة نفسها موضوعاً لأبحاثها عندنا، والسؤال حول التناسب بين مقررات مناهجها وبين حاجات مجتمعها هو سؤال غير رسمي أي أنّه غير مطروح فيا((( الإجتماعات الرسمية ذات الشأن والقرار، لأن الإجابة في الغالب هي إجابة إهمالية متعمدة نظراً للإعتقاد المتجذر بعدم وجود أي قطاع إنتاجي معرفي، وبما أن الأوطان لا يمكن أن تكون أوطاناً تامة الخلقة إلا إذا كانت ذات مؤسسات كبرى وعلى رأسها المؤسسة الجامعية، و الوجود لا يرتبط بعدم ولا يكترث به، وبما أن مشابهة البلدان المتقدّمة هو الطريق الحصري للتطور والإرتقاء، لكل هذه الأسباب معاً أمكن فك الإرتباط بين الجامعة ومحيطها، وهناك فجوات تبدو واضحة بين حاجات المجتمع وما يهمه وما يعنيه في حياته التقنية والإقتصادية، وما تنفق في سبيله الأموال والساعات والجهود والأعمال. وليس هناك من عمل جاد لمعالجة هذه الفجوات أو تبريرها،حيث يبدو أنه لا مبرر لتقديم بيانات توضح فيها فلسفة تكوين المناهج وتحديد مقرراتها على هذا النحو أو ذاك.

وما قيل عن المؤسسة الجامعية يصلح أن يُقال عن المختبرات ومراكز الأبحاث والحاجات العلمية وغيرها من المؤسسات، فهي جميعاً ملزمة بأن تكون على صلة  بواقعها ومجتمعها، لأنّ مبرر وجودها هو أن تكون المحل الذي تحمل إليه الحاجات على شكل إشكالات يمكن بعد صياغاتها في أسلوب علمي أن تكون موضوع دراساتها وبحثها من أجل إيجاد حل تام أو جزئي لها، وبتراكم هذا النوع من النتائج يتشكل الناتج العلمي الذي يستمد قيمته من الخدمة التي يؤمنها لمحيطه ومجتمعه.

ولذلك سوف نعمد في هذه الدراسة إلى الناتج في صيغته التقريرية ونناقشه وفق البنية الفكرية والنظرية المتكاملة لبحوث الناتج العلمي ثم نحاول بعد ذلك أن نتلمّس الناتج  في غير إطار الصيغة التقريرية، من خلال وضع إطار نظري  آخر أكثر دلالة على القيمة والدور والجدوى والنفع وما إلى ذلك.

وقبل ذلك سوف نستهل في بحث مبدأ الهوية العلمية المتكاملة، لأنّه كما قلنا الإطار الذي لا بد من دراسة المعطيات في داخله، إذ بدونه يمكن لنا أن نقدم جداول وأرقاماً دقيقة ونردفها بتحليلات وتعليلات سليمة، لكنها غير مجدية لأنها لم توضع في إطارها العام والشامل.

 

2- مبدأ الهوية العلمية الكاملة

لا أحد يستطيع أن ينكر تعلق وارتباط الجامعة اللبنانية منذ نشأة كلياتها التطبيقية خاصة بالمؤسسة الجامعية الغربية والفرنسية على وجه التحديد، وذلك من خلال مشاركة الأساتذة الفرنسيين في التعليم عندما لم يكن الطاقم التعليمي اللبناني مكتملاً بعد 9 في أول الأمر، ثم من خلال نسبة الأساتذة اللبنانيين المتخرجين من فرنسا الذين يدرسون حالياً في الجامعة اللبنانية. كذلك يتضح هذا الإرتباط أكثر من خلال عقود التعاون والإتفاقيات العلمية الموقّعة بين الجامعة اللبنانية والجامعات الفرنسية 10، كذلك فإنّ المناهج التدريسية في الكليات التطبيقية  تصمم بتأثير واضح مما هو معتمد ومتبع هنالك، وقد كان هذا الإرتباط – ولا يزال – يضطر الباحث في تقييمه للناتج البحث عن صورة الجامعة اللبنانية في التقييم الفرنسي وما آل إليه أمر خريجيها في المؤسسات والإدارات والأسواق الفرنسية تحديداً أو الغربية عموماً.

وربما كان هذا المنحى طبيعياً، وذلك أنّ دراسة الناتج تكون دائماً مصوغة من خلال ما يخطّه قلم المخرجات المؤسسية على لوح البيئة التي تنتمي لها.

وقد استدل دائماً على جودة الكثير من المفردات وحسن سير العمل من خلال ما أثبته المتخرّج من هذه الجامعة في الدوائر الإنتاجية الفرنسية كما أسلفنا. إذاً إن ميل هذا المنحى ليس زيغاً أو اعوجاجاً بل هو دليل إضافي أنّ لا أحد يعمل لوحده، فهو دائماً جزء من كل وهذا الكل هو كيان غير مرئي، كان يرمي بثقله غرباً بالنسبة لجامعة كالجامعة اللبنانية نشأت لتحاكي أولاً النموذج الغربي – الفرنسي- في أسسها وإداراتها ومناهج تدريسها وارتبطت به - لا بمحيطها  - في ما يتعلق بالمتابعة العالية والدراسات المعمقة. والسؤال عن الناتج يصبح بذلك متفرّعاً عن السؤال عن هذا الكيان وتلك الهوية، خصوصاً إذا كانت النسبة الأكبر من الأساتذة لا تزال تعمل بوحي – غير معلن – وربما غير واع من هذه الهوية والإرتباط في الجامعة اللبنانية.

وإذا كان التاريخ والنشأة يبرران انتماء الجامعة اللبنانية لهذا الكيان أو الدخول في مكونات هذه الهوية فهل هذا يعني بانه الإطار الطبيعي لها؟ وهل يمكن الحديث في هذا المجال عن إطار وهوية علمية طبيعية تصوغها وتشكلها عوامل لا تقبل الإهمال أو الإستثناء؟ نحن ندرج جملة من الملاحظات المختصرة لمجموعة من المكونات الطبيعية لأية هوية علمية بغية إثبات الوجود الحقيقي لهذا التصور وليس فقط الوجود النظري الإفتراضي، وعليه يكون  في تجاهل هذه الهوية خسراناً وبطلاناَ حتى في جداول الناتج السمينة والمملوءة بالأرقام الزاهية والإحصاءات الفنية والإنجازات العالية، كما أن الإنتماء إليها يجعل من جملة الأنشطة والعناوين العلمية ناتجاً حقيقياً ومهمّاً وهي بعد في البداية لأنها تمثل مقدمة ضرورية وجدّية لبداية العمل المنتج.

أ- اللغة

لسنا ننظر هنا لأطروحة قومية أو ما شابه، إنما نقول ببساطة أن اللغة بما هي وسيلة  للبيان، فهي تفرز إطاراً طبيعياً للتواصل المتميز، خصوصاً في الشؤون العلمية التي تحتاج إلى الكثير من التبيان والمدارسة والمعالجة العميقة، ولا يكفي فيها مجرد الإشارات شأن الكثير من مجالات التواصل الأخرى.

اللغة إذاً تعطي قرابة خاصة للعارفين بأسرارها وأساليب التعبير فيها، وذلك بسبب سهولة وسرعة سريان المعلومة واستثمارها من جهة، ومن جهة أخرى بسبب إمكانية اشتراك أكبر عدد ممكن من الطاقات والمهارات في ورش التواصل والتعاون، فلا يعود الأمر مقتصراً على عدد محدود من الناس. ولذلك، حين ولدت الجامعة في أوروبا الغربية في القرن الثالث عشر، وابتدأت تبتعد تدريجياً عن المناهج الدراسية الدينية فحسب وأخذت تدرس الفلسفة والقانون والطب والفلك والحساب والموسيقى وغيرها، فإنّ هذه المؤسسة قد أفادت بشكل كبير من اللغة اللاتينية التي كانت لغة أوروبا العلمية والأدبية الغربية الموحدة، وهذا ما جعل هذه الجامعة مؤسسة ذات جغرافية تتعدى الجغرافية الإثنية أو السلطوية في ذلك الوقت وبدأت المعرفة تسير في أسلاك وأوصال هذا الكيان الجديد إنطلاقاً مما نتج عن الإحتكاك بالعالم الإسلامي المتقدّم بعلومه ومعارفه وآلاته وصناعته في ذلك الوقت، من الترجمات التي كانت تنقل علوم المسلمين ومعارفهم إلى اللاتينية وهو ما يكفل انتشارها على طول الرقعة الجغرافية الممتدة من ممالك إيطاليا الجنوبية إلى أقصى الشمال البريطاني أو الإسكندنافي، برغم ما كان يسود هذه الرقعة من التناقضات السياسية وغيرها، إلا أن كياناً علمياً جديداً أخذ يتشكل بفضل عدة من العوامل منها اللغة العلمية المشتركة وهي اللغة اللاتينية. الإحتكاك مع شرق متمدن ومع آلاته ومصنوعاته وحبره وورقه وطبه وفنونه ومع أندلس حضاري عامل بشتى صنوف العمارة والنظم المدنية والزراعية وغيرها كل هذا أشعل هاجساً حضارياً لا في مكان منعزل ضيق بل في جغرافية ممتدة عل مدى آلات الكيلومترات  11.

الحضارة الإسلامية نفسها مدينة بازدهارها لذلك التفاعل الهائل والتواصل في إطار لغوي واحد, إذ إنّ الإسلام بسط اللغة العربية على كل الرقعة التي وصل إليها من بخارى على تخوم الصين إلى المحيط الأطلسي، فكان أن أدّى هذا التوحيد اللغوي إلى انتفاع وتفاعل قلّ نظيره وكانت المخطوطة تسافر من الشرق إلى الغرب، أو العكس بالعكس في حركة لا تهدأ وكان ما يكتب في بغداد سرعان ما يقرأ في قرطبة، والآلة المبتكرة في فاس تصبح مستعملة ومعتمدة في حلب وهكذا. كذلك يمكن أن نرى بوضوح كيف يمكن أن تكون اللغة مانعاً حقيقياً من إنتاج هويّة موحّدة وإطار يعمل المنتمون إليه في صيغة تكاملية لا تعاونية فحسب  12.

ولدى تتبع هذا الجانب فإننا لا نجد لدى الجامعة اللبنانية أية مبادرة على مستوى تعريب المناهج العلمية التدريسية كما فعلت عدة من الدول العربية أو على الأقل العمل على تطوير اللغة العربية وتمكينها من الدخول على خط المعلومات التقنية المعاصرة وذلك لأنه لن يسعف اللغة العربية وأهلها نفاذ القلة من الملمين باللغات الأجنبية إلى مصادر المعلومات ومناهل المعرفة بل سيؤسس ذاك لإنفصام المجتمعات واندحارها أمام هيمنة ثقافية مأزومة أصلاً 13.

 معلوم أنّ هذه الفجوة الناشئة عن تدريس العلوم التقنية باللغة الأجنبية (الفرنسية – الإنجليزية)  قد أثرت على العمل البحثي، وذلك لتعذر كتابة الأبحاث باللغة العربية بعد تعوّد الباحث على اللغة الأجنبية في حديثه عن معارفه العلمية، ولكن الأقسى هو عدم الإهتمام بإيجاد موضوعات بحثية لها صلة بتعزيز وتمكين اللغة العربية من لعب دور أكبر في تداول المعلومات، كتلك البحوث التي نشطت بها بعض الدول العربية مؤخراَ كالمترجم الآلي من وإلى اللغة العربية، أو أبحاث التعرف على الحرف العربي المكتوب بخط اليد لتحويله إلى الحرف الآلي. والمؤسف أنّه يوجد من عمل من اللبنانيين أثناء تحضيره لنيل الدكتوراه في العمل على التعرف على الحروف في إطار لغة أجنبية، من دون أن يستفاد من هذه الكفاءة في العمل البحثي المذكور في الجامعة الوطنية أو غيرها من الأبحاث التي بدأ يسمع لها ذكر في بعض الدول العربية 14. وهنا ينبغي أن تسجل ملاحظة مهمة في تأثير الهوية العلمية على صناعة الهدفية البحثية وهي شيء أهم من الحافز الذي يمكن أن يوجده مجرد الحصول على الشهادة أحياناً أو الدخول في دوامة التعليم و البحث للبحث التي لا تنتهي وذلك لأنه لا يمكن أن تصبح هذه المواضيع البحثية أولوية في بلد صغير كلبنان إلا إذا تلاشى هذا التصور الضيق وأعيد وضعه في مكانه الطبيعي للعب دوره في ماكينة الكيان العلمي الواسع.

ب- التاريخ والتراث

من المؤكد أن الإنسان يتفاعل بقوة مع ماضيه وتاريخه وتراثه، ويبدو ذلك واضحاً في أوقات الهزيمة، حينما يلوذ بصور الأجداد المجيدة بحثاً عن التعويض للذات المهزومة والمحطمة، كما يمكن أن يكون التفاعل معكوساً بحيث تصنع الهزيمة نوعاً من النقمة المقنعة لكلّ ذلك التاريخ فيقوم بالتماهي مع القوي المعاصر حتى لو كان ذلك القوي هو العدو المتربّص والمفترس.

وقد عرف المجتمع العربي والإسلامي نوعاً من الإنكفاء والإنغلاق في ارتباط منكوس، مقيت، تكفيري، بالتراث والتاريخ الديني القومي وأخذ يحكم على كل ما وراء الأفق بأنّه نجس يحرم تناوله واستعماله. وأدى كل ذلك إلى نشوء آراء موغلة في إنكار الحقائق العلمية البديهية 15، ولم تكن هذه الحقبة سوى الرمية الأولى في لعبة كرة التخلف العشوائية التي تنتقل من النقيض إلى النقيض بين برهة وأخرى. إذاً لم يمر وقت طويل حتى ظهر الخط التغريبي الداعي إلى محاكاة الغرب – المعاصر الغالب القاهر والقوي- من أخمص الأقدام إلى طرف الشعر بوصفه طريق حصري لولوج عالم السعادة والحضارة والتمدن 16. مهما يكن من أمر، فإنّ الأفكار و العادات و التقاليد المشتركة و العقائد المتقاربة أو المتطابقة و المقدّسات الموّحدة كل هذه شكلت عبر التّاريخ  حجر الزواية في نشوء روابط أيّة أمة تجاوزت في تشكلّها حدود القبيلة أو العشيرة. فكيف إذا وضعت هذه المشتركات عددًا من الشعوب في مسار تاريخي واحد بؤسًا و شقاءأ وعزّةً ونصرًا و ضعفًا و فقرًا وغنىً و سعادةً و ما يمرّ به أي مسار تاريخي لأي شعب و لأي أمّة، يبدو أن الركوب معًا في عربة التاريخ لمسافة زمنيّة طويلة يؤدّي إلى نشوء روابط لا يمكن أن تتبدّد أو أن تمحى مهما تمّ إهمالها أو تجاهلها. و قد تذوب العناوين التاريخيّة و التراثيّة بعضها في بعض و تتداخل و تتحلل وهي تقوم بتشكيل بطيئ للهويّة، حيث أن الدّين يمكن أن يصبح ثقافة و عادات و تراثًا كما يمكن أن يصبح لونًا من ألوان القوميّة فيتآخى النّاس على وحي أحرفه و أشكاله و صوره حتى بعد إقصائه و إبعاده عن مرافق العيش و الحياة و التحوّل إلى العلمانيّة بعيدًا عن جوهر التصورات الدينيّة. و هذا أمر ملموس في الغرب الذي بقي الدّين فيه لاعبًا أساسيًا في تكوين الهويّة المشتركة حتى بعد وضعه جانبًا و تنحيته الكاملة عن مراكز الفعل و دوائر القرار .فقد بقي التمييز واضحًا في علاقات دول  الكنيسة الشرقيّة بعضها مع بعض كما التمييز في دول الكنيسة الغربيّة أيضًا.

و قد أقحم لبنان في أدوار مختلفة في نقاشات تاريخيّة وجغرافيّة ودينيّة و دار النزاع حول التّراث و التّاريخ الذي ينتمي إليه، ورست سفينة الأمر في النهاية على أنّه جزء لا يتجزّء من محيطه العربي و الإسلامي فهو عضو مؤسّس في جامعة الدّول العربيّة كما أنّه عضو مؤسّس في منظمة المؤتمر الإسلامي.

و في هذا الإطار تشهد الجامعة اللبنانيّة على مستوى العلوم بداية متواضعة، حيث لا يزال منهج التدريس إلى الآن خاليًا من أيّة مادة تتحدّث عن تاريخ العلوم عند العرب و معلوم أن هذا النّوع من الإختصاصات بدأ يأخذ حيّزًا في الكليات العلميّة التطبيقية نظرّا لأهميته في صياغة و صناعة الهويّة العلميّة الكاملة الّتي نحن بصدد الحديث عنها. نعم هناك بعض التمويل من قبل الجامعة لبعض الأبحاث حول موضوعات متفرّقة متعلّقة بتاريخنا العلمي و قد كان لي شرف تحكيم بعض هذه الأبحاث الذي قدّم للجامعة اللبنانيّة بطلب التمويل والدعم وهو يعد كناتج بتحقيق و صياغة معاصرة  لمخطوطة رياضيّة من القرن العاشر الميلادي لأبي جعفر الخازن حول الأعداد المنطّقة، و قد قلت في تقريري التحكيمي أن قيمة هذه الأبحاث تكمن في إعادة رسم معالم الهويّة العلميّة الّتي ينبغي أن تكون لنا إطاراً ومنطلقا. وهناك بعض التعاون في إطار برنامج التعاون البحثي اللبناني السوري بين أساتذة من الجامعة اللبنانية وأساتذة في بعض الجامعات السورية حول تحقيق بعض الأعلام والموضوعات كالمربعات السحرية وغيرها ممّا تميّز به البحث الرياضي عند العرب، كما أنّ هناك فرقاً بحثية شكّلتها الجامعة اللبنانية تشتمل على أساتذة مشتغلين بهذا الموضوع.

ج- السياسة الدولية:

لقد صُنّفت المنطقة العربية ومحيطها الإسلامي من قبل الغرب – القوي المعاصر- بأنّها أرض ذات ثروات طائلة – خصوصاً بعد اكتشاف النفط – تعيش فيها شعوب ذات تاريخ عريق وحاضر بائس يسوده التخلّف وحياته الثقافية والفكرية والروحية ممتلئة بأنواع القيود والأغلال. و بكلمة شعوب لها ذاتٍ محطمة محبطة مهزومة ولذلك سارعت الدول الغربية إلى احتلال ما استطاعت احتلاله قبل الحرب العالمية الأولى وتقاسمت ما تبقّى كغنائم لتلك الحرب. وقد كان الهدف دائماً لشتّى المسميات: الاستعمار، الإنتداب، الإستقلال الممنوح والمزوّر هو الحصول على الثروات المودعة، ولهذا كان الخيار الوحيد أمام هذه الشعوب هو الخضوع والقناعة بما يقسمه لها هذا المسيطر – المحتل أو غير المحتل أحياناً – وهو ما معناه أنّ هذا القطار القادم لا يخيّرنا بين الركوب فيه أو أن ندهس أمامه فإنّ الركوب محظور، و أن نصبح دولة سيّدة نداً بمنةٍ من الغرب، فهذا متناقض مع لبّ الفلسفة الغربية السياسية المعاصرة القائم على القوّة والسيطرة والإستثمار والإفتراس، ولكن ليس بأنياب بالضرورة بل بكثيرمن المقرّرات حول حقوق الإنسان وآلاف البنود القانونية. الخيار إذاً هو إمّا أن نقف أمام القطار فنزحل ونموت وإمّا أن نقف على الرّصيف الهامشي لإلقاء التحيّة على أسيادنا الجدد الغرباء.

غير أنّ المفيد في هذه المهمّة الشرسة أنّها أنتجت لنا الكيان الذي هو نحن والذي استعصى يوماً على الكواسر قبل أن يصبح طعاماً للحشرات بعدها فتت وقسم، أي أنّنا وبدلاً من أن يكون لنا كيان فكري اجتماعي سياسي تاريخي نختاره عن قناعة ووعي ومعرفة، جاء الغرب وحبسنا فيه قسراً حينما بات واضحاً أن لبّ سياسته بعد استبعاد التذويق والتزوير هي في عدم إعطاء الفرصة لأيّة بقعة في أوطاننا لتتحول إلى بقعة استقلال وندية، نعم هي تدعو الأفراد للهجرة وترك الأوطان والدخول والتحلل في مجتمعاتها للمساهمة في تصحيح هرمها السّكّاني المتداعي بعد أن يصبح حاملاً لكل العناوين المميزة لذاته الجديدة متخليًا تمامًا عن ماضيه و تاريخه و تراثه و مقدساته.

إذًا إن السياسة الدولية هي الان مبنية على فلسفة القوي و الضعيف، الآكل و المأكول، المستثمر و المستثمر، ولا محل في تلك السياسة لعناوين الفضيلة و الصداقة و المحبة و الإحسان و المعروف و ما إلى ذلك.

و إذا كانت ظروف تاريخية جعلت منّا اليوم أمّة ضعيفة مأكولة مستثمرة لا تفتح فرصة لأي جزء منها-على حدة-ليحلق في سماء الغنى و الإستقلال و العزة إلا إذا طلبت بنضال مرير و دقت أبوابها باليد المضرجة، فلماذا يتجاهل كل هذا المعطى و ما فيه من دوافع التراص و التواصل و التحوّل من التشتت و التشرذم إلى الكيان الأصلي الكلي التاريخي- و المفروض حاليًا بفعل سياسة الإستثمار المحاصرة –و نحن هنا لا نتحدّث بالضرورة عن التوحّد في كيان سياسي واحد بل عن إعادة الحرارة و الدّم الحي إلى أوصال الهوية العلمية القديمة، التي نمت بمثابرة عجيبة برغم صراعات أقطارها و أقاليمها السياسية و السلطوية.

و يكون ذلك بتبنّي آليات للتشبيك و الربط بين المؤسسات الجامعية و البحثية-التقنية  على وجه الخصوص- بين مختلف أقطار الدول العربية و الإسلامية و ذلك خصوصًا في ظل سعي الشركات العالمية العملاقة لإنشاء روابط و شركات مع كل مكان في العالم-بما في ذلك الدول النامية –يمكن أن يساهم في تطور و تقدّم المنظومة التقنيّة لهذه الشركات ، فقد أشارت بعض التقارير أنّ شركتي IBM, HP  تنفق أكثر من ثلث ميزانياتها قي البحث العلمي خارج الولايات المتحدّة الأميركية، وهو ما يعني أن الفرح والسرور الذي يعتري الجانب العربي والإسلامي من مجرد التوقيع على اتفاق شراكة علمي أو بحثي مع شركة أو مؤسسة أجنبية نظراً لما يؤول إليه من عمليات تمويل وتمكين المزيد من الطلاب من الحصول على شهادات دكتوراه، سوف تغري الجانب الآخر – الاقوى والأرقى علمياً وتقنياً لأنه سوف يعطى في مقابل الألقاب والأوسمة التي منحها لهؤلاء الطلبة المتميزين المزيد من التقدم والتطور.

وقد لوحظ مع الأسف أن مبادرات التنسيق بين الدول العربية والإسلامية لا تزال خجولة، وأبرز ما يشار إليه في هذا إتحاد الجامعات العربية ومحاولاته لإنشاء مركز لإيداع الرسائل والأطروحات العلمية، ولكن هذا الإيداع بقي مقتصراً أكثر الوقت على إسم المؤلف والعنوان بمختصر غير مفيد.

وقد يشار في هذا المجال أيضاً إلى اتحاد مجالس البحث العلمي في الدول العربية ولكنه وُصف بالعقيم والمذهل، حيث اقتصرت أنشطته على تبادل الزيارات وعقد الإجتماعات الموسمية أو إقامة دورات تدريبية.

وقد لوحظ في المقابل قفزة نوعية في التعامل والشراكة العلمية بين المؤسسات الجامعية والبحثية العربية على وجه الخصوص، والمؤسسات الجامعية والبحثية الغربية، فقد بلغ عدد المشروعات البحثية العربية المقدمة في البرنامج الإطاري السادس 2002 – 2006 -وهو برنامج تعاوني علمي عالمي رصد له الإتحاد الأوروبي ميزانية خاصة قدرها 315 مليون يورو – حوالي 2271 فاز منها حوالي 523 مشروعاً 17 ، وكانت حصة المشاريع اللبنانية المقبولة هي 48 مشروعاً من أصل 173 مشروع مقدم.

وقد رصد البرنامج الإطاري الأوروبي السابع ميزانية وقدرها 50.5 مليار يورو وهو ما يؤهله للعب مركز الصدارة في دعم الأبحاث في العالم العربي والمتوسطي على وجه الخصوص.

هذا ناهيك عن الشراكات الثنائية بين كثير من الجامعات العربية والجامعات أو مراكز الأبحاث الغربية، كشراكة جامعة الملك عبد الله في السعودية مع جامعات كأكسفورد وكامبردج ويحصل مركز أكسفورد الجديد للرياضيات التطبيقية على منحة سنوية تقدر بحوالي 25 مليون دولار على مدى خمس سنوات وهو يعمل على إيجاد حلول رياضية للمشاكل التي لها أهمية خاصة في السعودية  18.

ولست أدري لعمري ما الذي يمكن أن يكون هذا الحل الرياضي المكلف إلى هذا الحدّ.

والجامعة اللبنانية ليست استثناءًا في هذا المشهد العام وذلك أنه ومن أصل أكثر من 18 ماستراً بحثي في مجال العلوم التقنية في هذه الجامعة وأكثر من 150دكتوراه مشتركة، فإن نصيب الأسد في مسألة الشراكة لا يزال من حظ الجامعات الغربية والفرنسية على وجه الخصوص.

إن مجرد تفوق الدول الغربية في مجال العلوم والتكنولوجيا لا يكفي وحده كمبرر لهذ الإقبال الجامح وغير المدروس، والذي توضع فيه الجهود والدعاية والأدمغة والمناهج وما إلى ذلك، بل إن مشاريع أكثر جدية وأكثر هدفية يمكن أن تؤشر لضرورة السعي الحثيث لإقامة تعاون – على وقع المعطى السياسي الذي لا يمكن الفرار منه – مع دول أقل رتبة في المستوى العلمي والتقني قد يكون هو الأحجى والأرجح في إطار البحث عن الناتج الذي ينفع شعوبها ويمكث في قدراتها ومدّخراتها.

د- المصلحة:

بعيداً عن السياسة وأحداثها وأحوالها وأعمالها وأعلامها، فإن هناك بعداً مصلحياً نفعياً للمؤسسات العلمية بات يعرف باقتصاد المعرفة، وقد حل الابتكار الذهني العلمي في المرتبة الأولى، قبل رأس المال والعمل في تحديد مسار التقدم لدى أية منظومة اقتصادية. فالاستثمار الحكومي والخاص في تمويل البحث العلمي واحترام الملكية الفكرية والمعايير الأكاديمية في التوظيف والترقية هي من بين الأسباب التي كانت وراء تفوق الغرب في تحويل الأفكار الجديدة إلى مشروعات تجارية ناجحة لعقود من الزمن19.

أدى غياب هذه المواصفات إلى قصور مؤسساتي وثقافي وتقني واضح في العالم العربي، ويبدو هذا القصور واضحاً في لبنان الذي لم تفلح جامعته الوطنية في المساهمة بشكل ملحوظ ببناء اقتصاد يقوم على استثمار المعرفة والابتكار والبحوث طويلة الأمد. غير أننا لا نستطيع أن نعزو هذا الضعف في المساهمة الاقتصادية المعرفية إلى الاستقالة من قبل الكفاءة العاملة أو السياسة الأكاديمية للمؤسسة، كما لا نستطيع أن نعزو ذلك لضعف وقصور الكادر البشري –كما سوف نبين- ولا حتى في الإتفاق والدعم المالي للعمل البحثي. كل هذا قائم على قدم وساق في مؤسستنا الجامعية : السياسات الأكاديمية تتوق للمساهمة في قطاع الإنتاج وأظنها تتلهف لأن تحظى بشرف التحول من مجرد التعليم والتعلم والدوران هكذا إلى الأبد، إلى الضلوع في خطة إنتاجية تنموية اقتصادية واعية، ولا أظنها تبتعد عن أهدافها حينما ينشأ بينها وبين السوق وشائج وروابط وعلاقات وعقود وتبادل. ولماذا يكون النشاط في مختبراتها ذات التجهيزات المكلفة المتطورة، والعمل البحثي العميق والطويل الأمد، لماذا يكون كل ذلك في خدمة اشكالات واستفهامات لا صلة لنا بها، كل ما تعدنا به هو حفنة من المقالات العلمية على صفحات المجلات العالمية وهي التي تعتبر خزانة المعرفة المجلوبة والمجمعة من كل أنحاء العالم ليأخذ منها المشروع البحثي الإنتاجي العالمي- الغربي الأميركي- حاجته ويجد فيه الإجابات أو أجزاء الإجابات على أسئلته الناشئة عن المشكلات التي تعترضه على طريقه للتنمية والتطور.

كذلك فإن الباحثين العاملين في مؤسستنا الجامعية في المجالات التقنية، هم من خريجي الجامعات المتقدمة ولا شك في امتلاكهم ما يمتلكه الباحث الكفء في أي مكان آخر وذلك واضح من خلال أبحاثه القديمة والحديثة والتي تقبل للنشر في المجلات العالمية المرموقة. كما أن هؤلاء يتوقون للمساهمة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة في بلدانهم، إنهم بالتأكيد سوف يسرون بشرف هذه المساهمة أكثر مما يحصلون عليه حين النشر في المجلات البعيدة المتخصصة، هذا بالإضافة إلى مصلحة ونفع ماديين في استثمار معرفته التخصصية في مرافق السوق وأنشطته وعدم الإقتصار على إفراغها سنوياً على لوح الصف لينشأ خلفه أجيال المتخصصين الذين سوف يلحقون به على دائرة أبدية مغلقة من التعليم والتعلم.

أما نقص المال – العام- فهو لم يعد المبرر المقنع لعدم وجود تلك المساهمة في إنتاج اقتصاد المعرفة، وإذا كنا سوف نفرد بنداً خاصاً لدراسة العنصر المالي في المشروع البحثي فإن المهم هنا أن نؤكد أن الإنفاق بات معقولاً، وبات ضرورياً البحث الجاد عن الأسباب التي تحول دون الشروع ببناء الجسور والروابط بين الجامعة الوطنية، مختبراتها ومراكزها البحثية، وبين السوق وعالم الإستثمار وقطاع الإنتاج الصناعي ومجالات الخدمة والغذاء والدواء وغير ذلك.

والذي يبدو أن البحث عن أسباب العزوف عن تحويل تلك المصلحة إلى معيار الناتج وأداة قياسه وتقييمه، يوصل حتماً إلى دراسة النبض العميق والخاص للقرار في لبنان، وربما قيل أن هذا يخرج البحث عن أهدافه – أو قل يوصله إلى صميم ما يبحث عنه- ولكننا نسجل فحسب بديهية أن تكون هذه المصلحة هي المعيار، أما القرار بشأن ذلك فهو متروك لدهاليز السياسة وكواليسها.

 

ه- علاقة الجامعة اللبنانية بمحيطها: 

ليست العلاقة العلمية بين الجامعة اللبنانية والجامعات العربية والإسلامية مع الأسف تعبيراً جدياً عن اعتناق مبدأ الهوية العلمية، بكل ما يحويه هذا المبدأ من مصالح ومحاذير ودوافع وحوافز ومخزون وطاقة، كما أنها ليست تعبيراً عن رأي آخر أو معتقد أو مبدأ آخر، يناقض الأول كلياً أو جزئياً حتى تمكن دراسته ومعرفة ميزته وأوراق عمله، إنها لا تخرج إلا نادراً عن إطار العلاقات الموقعة نظرياً، أمام كاميرات الرصد الإعلامي ووسط طقوس احتفالية ومظاهر رسمية وبروتوكولية. وقد بقي أكثر هذه الإتفاقيات مجرد أوراق رسمية محفوظة في سجلات المؤسسة، ربما يتم إخراجها من وقت لآخر في حديث رسمي عن وجود علاقات تعاون وتنسيق مع هذه الجامعة أو تلك، غير أنها في مجملها تحتاج إلى التفعيل والتحول إلى مشاريع إنتاجية استثمارية نافعة. يمكننا أن نتحدث في هذا الإطار عن برنامج التعاون البحثي السوري – اللبناني والذي ينفذ حالياً بين الجامعات والهيئات والمراكز العلمية السورية، والجامعة اللبنانية والمركز الوطني للبحوث من جهة أخرى، ويقر دعماً مالياً وفق صيغة تعاقدية مباشرة مع الباحث، بحيث يتم تمويل البرنامج مناصفة بين الجانبين السوري واللبناني، وقد تم حتى الآن تنفيذ أربعين بحثاً علمياً بالإضافة إلى تسعة مشروعات تم التعاقد عليها مؤخراً أو ضمن إطار الإعلان الثامن. وقد نصت المادة الثالثة من هذا الاتفاق إلى ضرورة أن تكون المشاريع المقبولة ذات مواضيع متصلة بإشكالات واهتمامات تخص البلدين في حياتهما البيئية والتنموية والصناعية والغذائية وما إلى ذلك. وبالفعل فإننا نجد حين استعراض المشاريع المقبولة في الأعوام المنصرمة، أنها تتصل بجدية بمشكلات هي فعلاً محل اهتمام البلدين. ونذكر على سبيل المثال المشاريع التي تتعلق بالطاقة كدراسة جدوى استعمال العنفات الريحية لتوليد الطاقة من الرياح في سوريا ولبنان، أو الدراسات البيئية كدراسة جيولوجيا وإيكولوجيا المصاطب البحرية والملوثات العضوية وغير العضوية على طول الشاطىء اللبناني السوري المشترك.

وقد رصد للمشاريع التسعة المقبولة في إطار الإعلان الثامن مبلغ 140000$ وهو مناصفة على عاتق البلدين وقد تمحورت هذه الأبحاث حول الغذاء والبيئة والطاقة المتجددة ودراسة الموارد المائية البحرية والعذبة وإدارة الكوارث الطبيعية وتغيير المناخ وتطوير الإنتاج الزراعي. كما تجدر الإشارة أن بعضاً من الأبحاث في هذا الإطار كانت تتمحور حول التاريخ العلمي للعرب والمسلمين وهو ما سبق وأشرنا إلى موقعه في خلق الحوافز والدوافع.

يفيد هذا الاستعراض في اعتبار هذا البرنامج موافقاً لمبدأ الهوية العلمية، ليس فقط لأنه يحاول أن يبين دمج المدمج مما هو غير مدمج – أي أن هذا الإتفاق ينطلق من هوية جامعة للمؤسسات العلمية والجامعية بين البلدين وهو يقوم بنفض الغبار عنها ورفع الموانع أو الحواجز المصطنعة، بل والأهم هو أنه يطلب من الباحث العلمي العامل في إطار هذا المشروع أن يقدم ناتجاً ذا صلة بالمسألة العلمية التقنية التي تحمل أهمية للحياة في مجالاتها كافة في البلدين. مع أن دراسة الناتج في بعده التنموي والإقتصادي(المصلحة) لا تبدو ميسرة – حتى الآن – غير أن شوطاً مهماً قطعه هذا البرنامج في توافقه – في المقومات على الأقل – وفي الإنفاق على تواضعه مع ما ينبغي أن يكون علاقة وتعاوناً ومهمة تنطلق جميعها من الإيمان عميقاً بمبدأ الهوية العلمية الكاملة غير القابلة للتجزؤة أو التبعيض. أما ما يلي من مراحل العمل التعاوني في إطار هذا المشروع: أي جدية الباحثين المتمثلة في تحديد المشكلة والمثابرة سعياً وراء مشاريع الح، فهي أمور يصعب تحديدها، لأن الناتج الذي يتخذ شكل المنشور يمكن أن يكون مهماً، ولكن لم يتحول بسبب الإعاقات البيروقراطية أو حتى السياسية إلى مشروعات استثمارية، أو يمكن أن يكون فارغاً من المعنى لا يصلح إلا لتزيين النواتج التقريرية ذات الإنجازات التي تقام لها احتفالات ولكن أحداً لن يذوق لها ثمرة في يوم من الأيام.

أما بالنسبة للعلاقات بين الجامعة اللبنانية والجامعات العربية فإن المشهد يبعث حالياُ على الأسف، حيث أن مشاريع التعاون الموقعة بقيت في أكثرها مجرد محفوظات لم تتعدى الملفات التي اشتملت على بنودها. فقد وقعت الجامعة اللبنانية اتفاقية تعاون مع جامعة اليرموك في الأردن وكلاً من جامعة القاهرة وبنها والإسكندرية وقناة السويس في مصر وجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في السعودية وجامعة مولاي اسماعيل في المغرب. وهناك اتصالات حالية لتوسعة رقعة التعاون العلمي مع بعض الجامعات العربية الأخرى في الكويت وعمان والجزائر.

وليس لهذه الإتفاقيات أي أثر يذكر في حياة الجامعة اللبنانية وبرامجها التعليمية البحثية والأكاديمية، ما خلا إيفاد بعض الطلاب من كليات الطب والهندسة والصيدلة والزراعة لإجراء تدريبات كان يمكن أن تكون بدون الحاجة إلى توقيع اتفاقات أو مشاريع تعاون. لا تبادل للخبرات ولا للأساتذة في إطار هذه الإتفاقيات، خلافاً لما تنص عليه بنودها وهو مبرر وجودها كما أحسب، وكذلك لا أبحاث ولا منشورات مشتركة ولا تبادل للطلاب في المراحل التعليمية العالية.

لقد كان يمكن أن يكون المشهد عادياً لو تجاهلنا ما يلزم من الإعتقاد بمبدأ الهوية العلمية وإن تجزئة هذه الهوية والرغبة أن يتحول كل جزء على حدة إلى هوية جديدة متينة شاملة راسخة، هما معاً فصول مسيرة التخبط والضياع الذي يحكمنا. لماذا يكون التعاون مع الدول الغربية -الغريبة-  ناشطاً وحيوياً، ويكون أكثرها على شكل خدمة يؤديها العقل الكفوء والذي يبحث عما يعبر من خلاله عن أهليته وكفاءته، فلا يجد سوى الإنخراط في عمل بحثي يتناول أحدث ما طرحته التقنية في الغرب، ويفوز في النهاية بما يعطى من ثقة وتقديرمن خلال النشر على الصفحات العالمية المرموقة، هذا في الوقت الذي يكون التواصل العلمي في أجزاء الهوية الواحدة شبه معطل ولا يجد من يوليه العناية ويعطيه الأولوية.

ومما يجدر ذكره في مجال علاقة الجامعة اللبنانية بمحيطها، العناية التي أولتها للعلاقات مع الجامعات في البلدان الإسلامية، التي بدأت تثير الإهتمام من خلال إنتاجها البحثي الذي بدأ يحتل مراتب متقدمة وأحياناً متفوقة في مؤشرات وجداول القياس العالمية.

وقد اعتبر تقرير ل Canadian Research Firm Science Metrics أن النمو في إنتاج ونشر الأبحاث العلمية في إيران هو الأعلى في العالم حيث قفز عدد الأبحاث المنشورة في 2011 إلى أكثر من 30000 مقالة منشورة، و قد بلغ معدل النمو ما يقرب من 11 ضعف لمتوسط النمو العالمي في 2009 . و يتوقع أن تصل إيران بذلك في العام 2017 إلى منزلة من الإنتاج البحثي العلمي معادلة لما هي عليه كندا على سبيل المثال. والذي يعنينا أن هذه الطفرة في هذا البلد هي عمل علمي يمت بمساره واهتماماته ونواتجه إلى جوهر وصميم مبدأ الهوية العلمية، حيث ظهرت هذه الطفرة في أكثر من مجال حيوي. في المجال الطبي وما قدمه الباحث الإيراني العامل في حقول الbiotechnology  لشعبه وأمته في هذا المجال وفي المجال الصناعي وخصوصاً في تقنيات التواصل المتطورة وما وضعه التقدم الإيراني البارز في مجال النانوTechnology في تصرف هذه الصناعات وكذلك في المجال الدفاعي والصناعات العسكرية والبرنامج النووي.

فقد أفردت الجامعة مؤخراً عنواناً إدارياً مستقلاً لتنسيق وتفعيل التعاون والاتفاقيات الموقعة بين الجامعة اللبنانية من جهة والجامعات الإيرانية من جهة أخرى20.

كذلك فإن الورشة العلمية الملفتة في تركيا في بعض المجالات الصناعية، قد أثار اهتمام الجانب اللبناني وهناك اتفاق للتبادل العلمي والجامعي مع لبنان ينتهي في العام 2012 تحدث وزير التربية العالي عن ضرورة تجديده وتفعيله. ومعلوم ما لتركيا من موقع ووزن ودور تاريخي في الهوية العلمية، وما يمكن أن ينتج عن الربط –أو إعادة الربط- بين مؤسسات الإنتاج العلمي حتى يتسنى للجسد الواحد العمل برشاقة وأداء مميزين بعد أن يتاح له التحرك بكل مكوناته المبعثرة، خصوصاً إذا دارت عجلة المشروع العلمي التقني الإنتاجي التركي بوقود وطاقة ووجهة سير وهدف محلية، ففي ذلك فرصة لاستعادة المبادرة المفقودة –أو قل المسلوبة- والتي تعمل حالياً كموظف في صناعة الكيان الآخر وناتجه العلمي والتقني ومقدراته في شتى المجالات.

هناك أيضاً دول إسلامية بدأت تلوح في أفق المؤشرات العلمية وهي غير بعيدة عن المساهمة في ولادة وتطور الهوية العلمية الخاصة بحاجاتها ، نذكر ماليزيا وأندونيسيا على سبيل المثال ونكتفي هنا بحجرد الإشارة إلى ما يحمله التعاون مع بلدان كهذه من الأهمية رغم بعد المسافة واللغة، غير أن الدين والمقدسات المشتركة تعطي للمشروع العلمي القائم في هذه البلدان والمساهم –ولو بشكل محدود- في إنتاج اقتصاد المعرفة امتيازاً خاصاً للاقتناع بكسر غلواء القبلة العلمية الغربية التي لا نحصل من ورائها إلا على مجرد الأوراق والنشر والأوسمة والألقاب.

3- قراءة في الناتج:

قمنا في ما تقدم بعملية فصل وتفريق بين الناتج وتقارير الناتج وقلنا أن هذا الفصل بين الكلمة ومعناها ضروري لفهم أفضل وأدق، وقد اعتبرنا أن أبرز العناوين المطروحة في تقارير الناتج هي عناوين الانفاق والكفاءة والنشر والأنشطة البحثية بالإضافة إلى المؤسسة العلمية نفسها ونحن هنا سوف نحاول أن ندرس بإيجاز كيف يمكن أن نقيم ونرى الجامعة الوطنية من خلال طرحنا لهذه العناوين.

‌أ.       الموازنات المالية

ترصد الجامعة اللبنانية حوالي تسعة مليارات ليرة لبنانية على أنشطة البحث العلمي وهو ما يعادل 0.03 من الموازنة المالية العامة للجامعة ويتوزع هذا الانفاق على:

 1. دعم المشاريع البحثية الفردية بما تحتاج إليه من نفقات المشاركة في مؤتمرات وشراء التجهيزات اللازمة والعمل الحقلي والميداني وما إلى ذلك.

2. دعم الفرق البحثية وتأمين جميع ما يلزم من تجهيزات وتأمينات ونفقات ونشر وما إلى ذلك.

3. تجهيز مختبرات: تعتمد الجامعة اللبنانية عدداً من المختبرات في حقول مختلفة وهي مؤهلة بشكل عام للقيام ببحوث متقدمة نظراً لما فيها من الأجهزة والآلات عالية الدقة.

4. منح للطلاب المتفوقين للسفر والمتابعة في الخارج سواء في إطار الدكتوراهات المشتركة أو تلك التي تتم في جامعات الخارج بشكل تام وتتلقى الجامعة في هذا الإطار هبات على شكل منح في بعض المؤسسات الأهلية كجمعية العزم والسعادة والوكالة الجامعية الفرنكوفرنسية والسفارة الفرنسية.

5. منح لتأمين نفقات الأساتذة الزائرين الذين يشاركون في التدريس والاشراف على الطلاب في إطار الماسترات البحثية.

6. الانفاق العام على المعهد العالي للدكتوراه في مجال العلوم والتكنولوجيا بما فيه من توظيف ومشتريات ومتعلقات ومستلزمات.

نحن هنا لا نريد أن نقارن ما تنفقه الجامعة في مجالات البحث والتطوير مع معدلات الانفاق العالمي لأن هذا لن يكون مساعداً في دراسة وفهم الربط والعلاقة بين الناتج كماً وكيفاً وبين الانفاق، حيث أن القبول بمجرد المعطيات الرقمية قد يؤدي إلى فهم مغلوط في فهم الناتج وتحليله، وذلك أن الدول العربية برمتها مع ما فيها من الدول النفطية – لا تزال بعيدة كل البعد، في ما تنفقه على البحث العلمي والتطوير، عن المعدلات العالمية لبعض الدول الأخرى، فالعالم العربي ملاصق في هذا المجال للقارة الأفريقية بمعدل 0.2 بالمئة من اجمالي الدخل القومي العام وقد أفادت بعض التقارير أن هذه النسبة قد وصلت إلى 0.4 بالمئة مؤخراً ومهما يكن فهي لا شيء أمام نسب 3.39 و3.37 بالمئة في اليابان وفنلندا على التواليز كما أن ما تنفقه كبرى الشركات الصناعية التقنية على التطوير البحثي هو أرقام مرعبة تجعل من أرقامنا مجرد حبة لا تكاد تبين. فلقد أنفقت هذه الشركات في العام 2007 في التطوير البحثي ما يقرب من 209 مليار دولار في أميركا الشمالية و153 مليار دولار في أوروبا و151 مليار دولار في اليابان21. وهناك دراسات ومؤشرات وجداول لدراسة مردود هذا الاستثمار لهذه الكمية من المال في هذا المجال وهي تؤشر بوضوح إلى نسبة أرباح عالية تدلل بشكل واضح على عدم وجود أية حماقة في وضع رؤوس الأموال الطائلة في خدمة الأبحاث العلمية الطويلة الأمد وغير مضمونة النتائج.

غير أننا نعود أدراجنا بعد هذه الجولة المحبطة لنقول إن رفع قيمة الناتج لا يكون بمجرد إحراز المشابهة بين معدلات الانفاق على البحث وبين ما يصرف في الدول المتقدمة. وقد أدرجنا أمثلة على الانفاق الذي برغم تباهي القائمين عليه إلا أنه يؤدي إلى شراء موقع فحسب على لائحة الذين أتيح لهم شرف التعاون وتوقيع اتفاقات مع شركات ومؤسسات معرفية كبرى أو إلى شراء وامتلاك اجهزة وآلات لا مثيل لها في المنطقة ظنا أن هذا سوف يوفر بمفرده سلماً للعروج إلى رتب الدول المتقدمة وليس في ذلك إلا استخفاف بالعقول وملء أسماع الناس وأبصارهم بكلام وانجازات لا قيمة لها.

وليس من الانصاف القول أن سياسة إنفاق المال في الجامعة اللبنانية تقف عائقا أمام من يحترف العمل البحثي، لكنه لا يجد ما يلزم من التجهيزات للقيام به، فهي حجة استعملت فترة من الزمن لوضع الكرة في ملعب الجامعة والدولة. وهي إن كانت قوية في ما مضى إلا أنها الآن ضعيفة وباطلة، إذ أن ما هو متوفر الآن من المختبرات والتجهيزات والدعم المالي للبحث الفردي وللفرق البحثية ومخصصات للسفر والمشاركة في مؤتمرات كلها تؤشر إلى توفير ما يلزم للباحث للشروع في عمله البحثي.

وإذا كان الانصاف لا يحكم على الجامعة برغم ضعف ما هو مرصود للعمل البحثي في الوطن ككل (الجامعة اللبنانية – مراكز البحوث – القطاع الخاص...) بالمقارنة مع ما هو معمول به في الدول الأخرى، بأنها لا توفر ما يلزم لتمكن الباحث من الشروع بعمل بحثي جاد، فإن الانصاف عينه يحتم علينا طرح الأسئلة ومحاولة النظر الدقيق فيما يؤول إليه هذا الانفاق، ما هو مقدار ما يضيفه استثمار يورو واحد من قبل الجامعة في العمل البحثي، إذا كانت الاجابة على هذا السؤال هي 0.7 بالمئة في الكيان الصهيوني، فإن هذا السؤال يبقى بلا أية عناية وذلك لأن الاجابة واضحة، إن الناتج الآن إلا ما ندر هو مجرد منشورات كما نردد دائما لا تضفي شيئا لا من قريب ولا من بعيد ولا بشكل مباشر أو غير مباشر على الواقع المحلي ولا تسدي خدمة لقطاع معرفي اقتصادي تمكنه من النمو والتطور أو من الولادة إذا لم يكن قد ولد بعد.

والانصاف عينه يدفعنا إلى السؤال بجرأة عن الطريقة التي تنفق فيها هذه الأموال من قبل الباحثين ويجب هنا التأكيد على أن الباحث هو الوحيد الذي يمكنه أن يضبط الانفاق وفق الخطة الموضوعة حتى لو لم تكن تلك الخطة هادفة، إن مجرد رؤية عجلة للبحث العلمي تدور في مؤسستنا واعتبار هديرها ناتجاً ودليلا على حيوية المؤسسة ونشاطها، وانفاق الموازنات في سبيل ذلك، يقابله من جهة أخرى وفي كثير من الأحيان مع شديد الأسف، طريقة غير سوية في الانفاق وتبرير الانفاق، وهذان معاً يجتمعان على ابقاء هذا القطاع أرضاً مخسوفة تضيع فيها الأرقام والموازنات من غير أي عائد. من جهة أخرى فإن الشراء والتجهيز غير الخاضع لأية خطة مسبقة يفضي إلى شراء بعض الأجهزة بمئات ألوف الدولارات لتتحول إلى مجرد منظر يمسح عنه الغبار بين وقت وآخر من دون تشغيله واستعماله لأنه أتى خارج سياق الحاجة والحاجة الملحة، إنه ضرورة الشكل ولازمة الرتبة والمشابهة والمحاكاة.

‌ب.  الموارد البشرية

يبلغ عدد طلاب الجامعة اللبنانية أكثر من سبعين ألف طالب بينهم أكثر من 300 طالب مسجلين في ماسترات بحثية، حوالي 18 ماستر في مجالات علمية تقنية تطبيقية، وأكثر من 160 طالب مسجلين في دكتوراهات مشتركة بين الجامعة اللبنانية وجامعات أجنبية أكثرها في فرنسا، وهو ما يجعل منها جامعة كبيرة، ولو بالمقياس العالمي، في بلد صغير. وعليه فإن احصاءات الخريجين يحتل مكاناً بارزاً في الناتج التقريري المعد للتصفيق وحصد الثناء. وذلك أن المتخرج ما لم يجد في ما ينتظره من وظائف السوق ومجالات عمله وانتاجه استثماراً ولو جزئياً للمعرفة الجامعية التي عمل على تحصيلها عددا من السنين، فإنه سوف يتحول حتماً إلى البطالة المقنعة أو التجارة العلمية أو تسلق الرتب التشريفية الاجتماعية والسياسية أو العقل الجاهز للتصدير. ونحن نقصد بالبطالة المقنعة هو أن يكون الجانب المعرفي التخصصي لدى المتخرج الجامعي في المراحل المختلفة هو تحديداً القاعدة عن العمل والمعطل بشكل تام أو شبه تام، سواء تجلى ذلك في الانفصال المهني التام عن الاختصاص مع المحافظة على العنوان المرتبط بهذا الاختصاص كأن يعمل المتخصص في المعلوماتية في ادخال المعطيات فحسب في إطار وظيفة عنوانها مديرية المعلوماتية في مؤسسة كذا، فهو في المؤسسة مسؤول قطاع المعلوماتية غير أنه قطاع لا يحتاجه سوى في مهمات يستطيع أن يقوم بها متدرب تعلم للتو التعاطي مع الحاسوب. ونقصد بالتجارة العلمية صيغة التحول من العمل الاختصاصي العلمي الى العمل في البيع والشراء العلمي، فهو كمتخصص يعرف المشاكل التي تحصل في المؤسسة التي هو يعمل فيها، بموجب شهادته، ويعرف حلولها بدقة ويعرف من أين وكيف يستطيع شراءها ويعرف أسعارها وطرق إحضارها وتوفير الفنيين اللازمين للقيام بتركيبها وتشغيلها. أما تسلق الرتب الاجتماعية والسياسية فهو أمر واضح في مجتمع يهتز حفاوة للكلام الفارغ، حيث تسعى فيه الجمعيات والهيئات والمؤسسات لترصيع أروقتها بجملة من الألقاب العلمية العالية وذلك عامل مساعد في تسويق نفسها وجلب أنظار الزبائن إليها، هنا يكون اللقب العلمي من أجل التسويق لا من أجل التصميم والانتاج، في بلد لا يكف عقله الزبائني عن التفكير في كيفية تحويل كل شيئ إلى دعاية ولافتة لتشد الاهتمام والانتباه. يبقى الحديث عن العقول الجاهزة للتصدير، وهنا الفقرة الأكثر إيلاماً في الناتج التقريري الذي تباهى بما يخسره كل سنة وهو أعجب وأغرب تباه في التاريخ. وذلك حينما نعلم أن هناك أكثر من مليون خبير واختصاصي عربي مهاجر من حملة الشهادات العليا أو الفنيين المهرة. وتضم أميركا وأوروبا حوالي 450 ألف عربي من حملة الشهادات العليا وفق تقرير مؤسسة العمل العربية. وكثيرا ما يكون الخروج من الوطن بقصد المتابعة العلمية والعودة إلى الوطن للعمل والمشاركة إلا أن التقارير تؤكد أن أكثر من 54 بالمئة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج سواء في المراحل الجامعية الأولى أو في المراحل المتقدمة لا يعودون. ووفق دراسة أعدها مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية في الامارات (أيار – 2004) فإن الاحصاءات الأولية تشير إلى وجود 284 ألف أستاذ جامعي مهاجر في العلوم الهندسية والتطبيقية وأكثر من 450 ألف في مجالات العلوم الحياتية والزراعية والصحية والرياضية والإدارية، ورغم غياب الاحصاءات فإني ومن خلال التواصل والعمل الطويل الأمد في تجميع غير علمي للمعطيات من هنا وهناك في هذا المجال فإنني أتخوف من أن نصيب الجامعة اللبنانية تحديدا في هذا النزف والتصدير المجاني العبثي للعقول والأدمغة أكثر مما نتوقع. وقد أشارت بعض التقارير أن مساهمة لبنان وحده في العلميين العرب والمهندسين الموجودين في الولايات المتحدة الأميركية هي نسبة 15 بالمئة. هناك محاولة للميل إلى الايجابية والتقليل من لوعة هذا النزف الحاصل وذلك من خلال الافادة مما بات يعرف بمجتمع الشتات المعرفي، وهو العمل على ربط هؤلاء الخبراء المقيمين بعيداً عن بلادهم بالمؤسسات الجامعية والمعرفية في بلدهم الأم من خلال تفعيل العمل بين جامعتهم الأم والأمكنة والمراكز والمؤسسات التي يعملون فيها والاستفادة مما وصلوا إليه من المعرفة والخبرة في مسارهم العلمي الطويل الأمد، وهي فكرة يمكن أن تحمل العديد من الايجابيات شريطة أن لا يكون الربط هو بين غريب في الغربة مع غريب في الوطن، غريب في الغربة يؤذيه أن يكون منصرفاً عن خدمة وطنه إلى خدمة الآخرين مع غريب في وطنه المنصرف عنه والمتسغني عن خدماته بعدما انعدمت فيه عقيدة الانتماء إلى هويته العلمية الحقيقية. وإذا كان يحكى عن فوائد لهذا النوع من الاستراتيجيات في تجربتي الهند والصين فإن العلم العربي لا يزال خجولا جدا في هذا النوع من المحاولات ولا يوجد في الجامعة اللبنانية أي دائرة تعنى باحصاء خريجيها المشتتين في العالم والتواصل معهم بغية الاستفادة من محبتهم لخدمة أوطانهم في مشاريع علمية وشراكات وامتيازات معرفية مثمرة. وغير بعيد عن متابعة الناتج التقريري فإن عدد الباحثين العاملين في إطار الجامعة اللبنانية بصرف النظر عن الهدفية أو القيمة، هم قلة بالنسبة لعدد الأساتذة عموماً ولكن هذا الحكم غير مبني على إحصاءات، غير أن المتابعة الواسعة النطاق والاحتكاك المتنوع والعمل الطويل الأمد في أطر هذه الجامعة يشي بما نقول ويتحدث عنه بصراحة، وإذا كان عدد الباحثين لكل مليون نسمة– وهو 4627 – في كوريا الجنوبية هو أحد مبررات هذه النهضة الصناعية في هذا البلد، فإن التدني لهذا المؤشر في العالم العربي يمكن أن يساعد على فهم هذا القصور في بناء اقتصاد مرتكز على انتاج واستثمار المعرفة.

نخلص للقول إن الناتج الوحيد المتبقي والحقيقي في هذا المجال هو تلبية الحاجات الواقعية الحقيقية التي تقوم الجامعة بتأمينها من خلال المتخرجين منها كقطاعات الطب والهندسة، وخصوصا الهندسة المدنية والانشائية والقطاع الاداري والمالي وما شابه.

‌ج.   في النشر

يتوقع أن يزيد عدد المقالات العلمية المنشورة في الجامعة اللبنانية عن 250 مقالاً وذلك في خمس السنين الأولى من عمل المعهد العالي للدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا. وقد نتجت هذه المقالات عن البحث الجاري في المجالات التالية: الفيزياء، الهندسة الصناعية والصيانة، الميكانيك، الرياضيات، علوم الحيوان، الnanostructures، المعلوماتية، الاتصالات، الكيمياء، الغذاء، الالكترونيك، الاوتوماتيك، العلوم البيطرية، التحكم، البيئة، الايمينولوجيا، الهندسة المدنية، الكيمياء الغذائية، العلوم السرطانية، الصيدلة، الصحة.

والنشر هو في الغالب في دوريات محكمة ومعروفة وإن كان بعضها يقدم في مؤتمرات علمية عالمية فحسب، ولا شك أن هذا العدد من المنشورات العلمية هو أمر ملفت في جامعة كانت إلى وقت قريب جامعة تعليمية فحسب في المجال العلمي التطبيقي، وكانت ترسل طلابها إلى الخارج ليتمكنوا من المتابعة والعمل البحثي، لأنها تفتقد لمقومات المتابعة العالية والمختبرات البحثية. بعض هؤلاء عندما يعودون ويصبحون أساتذة في هذه الجامعة يتخلون عن صفة الباحث التي لا ثمرة لها من وجهة نظرهم أو نظر محيطهم، ويبقى منهم ندرة قليلة يعملون كباحثين في إطار نشاط فردي معتمد بشكل أساسي على علاقات وروابط مع الخارج. ومعلوم أن القطاع الخاص في لبنان لا يزال في مجمله تعليميا – أي ماستر وما دون – وهذا ما يعطي صفة الفرادة، لهذا العمل البحثي الممنهج الناشط والمنتج بتميز على مستوى النشر الذي تقوم به الجامعة اللبنانية.

غير أننا وبعد هذه الجرعة من النشوة نعود لطرح السؤال عن ناتج هذا الناتج، أي أننا ننتقل من صفحات الناتج التقريري للتأمل في الناتج الواقعي. وهنا أيضاً من المؤسف الاعتراف بأن ناتج هذا الناتج هو في مجمله المزيد من الأوسمة والألقاب العلمية، حيث ستسفر هذه المنشورات عن أكثر من 160 شهادة دكتوراه جديدة لطلاب مسجلين ما بين الجامعة اللبنانية وجامعات أجنبية، وكذلك عدد لا يمكن احصاؤه من الترقيات الاكاديمية من رتبة معيد إلى رتبة أستاذ مساعد ثم إلى رتبة أستاذ. المهم أن السوق والاقتصاد وقطاع الانتاج والصناعة والقطاعات الحيوية كالغذاء والدواء والطاقة لن يشعر بولادة هذه المجموعة الجديدة من الألقاب العلمية العالية، إذ أن موضوعات البحث ليست آخذة في الحسبان أن تكون في خدمة مشروع التنمية الوطنية أو الانتاج والتطوير أو الدفاع، نعم يمكن أن تكون هذه الموضوعات ذات صلة بحاجات ومشاريع في بلد الجامعة الشريك وهي فرنسا في غالبية الأحيان.

وقد ذكرنا في ما مضى أن الحصول على الرتب العلمية والاكاديمية عندما يكونا الثمرة الوحيدة للنشر فإن جملة من العلل تبدأ بالولادة أكثرها فداحة أن تصبح القيمة العلمية مرتبطة بالعد واحتساب عدد المقالات بصرف النظر عن جودتها أو عن قيمة محتواها، وهذا ما شجع ظاهرة التزوير المشرف الذي يمكن أن يتعاظم من الآن فصاعداً، أناس معتبرون ولهم قيمتهم ومكانتهم العلمية والاجتماعية يقومون بوضع أسمائهم على المقالات العلمية – كما ذكرنا سابقا – وتنشر على أنهم من بين مؤلفيها، بينما هم لا دخل لهم حقيقة بإعداد هذه المقالة. لأن هؤلاء يعلمون أن الطريق الحصري لبلوغ الرتب الأكاديمية العالية هي حيازتهم لعدد من المقالات المنشورة وهو ما يؤهلهم للتشرح إلى مواقع إدارية عالية.

وقد أعطى لبنان عموماً على مؤشر Hirsch موقعاً لا بأس به بالنسبة للدول العربية الأخرى فهو يأتي في الموقع الرابع بعد مصر والسعودية والمغرب، ومعلوم أن هذا المؤشر يقيس الانتاجية العلمية والأثر لهذه الانتاجية من خلال عدد الاستشهادات في الأبحاث اللاحقة. وتشير بعض التقارير أن عدد المقالات المنشورة في لبنان زاد من 203 مقالة في العام 1996 ليصل إلى 1070 مقالة في العام 2008 وهو عدد يقارب نصف ما ينشر في العربية السعودية مثلا، برغم الفارق الكبير في المقدرات المادية والبشرية. ويستنتج من المعطيات المتوافرة أن الأبحاث الطبية كانت تمثل مركز الصدارة في هذه المنشورات يليها الدراسات الهندسية ثم تليها باقي الاختصاصات العلمية الأخرى22.

‌د.      المؤسسات والأنشطة البحثية:

يعمل في الجامعة اللبنانية نحو 3000 أستاذ وهو ما يعطي في المعدل أستاذاً لكل 25 طالباً وهو معدل غير بعيد عن المعدل العالمي الذي لا يتجاوز ال 1/16 في معظم مناطق العالم23 ولا يتعدى النصاب التعليمي للأستاذ ال250 ساعة في السنة وهو ما يسمح له أن يزاول عملاً بحثيا انتاجياً إلى جانب مهمته التعليمية.

وقد زادت الرواتب حتى أضحى يمكننا مقارنتها بالرواتب التي تعطى في بعض الدول الغربية المتقدمة، كما تبنت الجامعة مؤخراً سياسات لاجتذاب الأستاذ للعودة مجدداً إلى مضمار البحث والانتاج المعرفي، وذلك من خلال الدعوة الممنهجة لتقديم مشاريع للبحث العلمي – الفردي أو الفريقي – من أجل الحصول على دعم مالي معتبر. كما قامت الجامعة في المجال العلمي التقني بتأسيس عدة مختبرات نذكر منها 1. مختبر التحاليل الكيميائية 2. مختبر الفيزياء التطبيقية 3. مختبر البيولوجيا الخلوية 4. مختبر ميكانيك المعادن والانشاءات 5. مختبر الكيمياء اللاعضوية 6. مختبر الكيمياء التحليلية 7. مختبر البيوتكنولوجيا 8. مختبر علوم المياه والبيئة 9. مختبر النانو تكنولوجيا 10, مختبر البحوث والتحليلات لعلوم البيئة.

كما دعمت وشجعت إقامة المؤتمرات أو السفر من أجل المشاركة في مؤتمرات أجنبية وقد أقيم حتى الآن عدد لا بأس به من المؤتمرات العالمية التي شملت مواضيع الرياضيات وعلوم المواد والنانوتكنولوجيا والهندسة المدنية والبيئة وغير ذلك. كما شجعت التبادل العلمي والزيارات البحثية، وهناك مشاركة مهمة في هذا الاطار لأساتذة أجانب في التعليم في الماستيرات البحثية المفتوحة وهي تربو على 18 ماتسر في المجالات العلمية التي سبق ذكرها.

وقد لا يكون كافياً لاصدار احكام سلبية ما يعطيه غياب الجامعة اللبنانية الكامل عن التصنيفات العالمية المعتمدة للجامعات وأهمها تصنيف جامعة شنغهاي وتصنيف مجلة تايمز البريطانية وهي تصنيفات تعتمد في مجملها على الانتاج البحثي جودة وكمية – وعلى الأثر لهذا البحث وذلك من خلال الاستشهادات به في الأعمال اللاحقة أو من خلال الثمرة والمردود في القطاع الانتاجي الصناعي. مع أن غياب الجامعات العربية عن مثل هذه التصنيفات وظهور عدد من الجامعات الاسرائيلية ينبغي أن يشكل صعقة تعين على إحياء الجسد الميت ليعود إلى الحياة وتدب في عروقه من جديد حيوية العمل والانتاج والتقدم والتطور.

نحن نريد أن نؤكد أن المشروع البحثي في شكله الراهن هو في مرحلة ابتدائية في الجامعة اللبنانية، فهو لم يكن إطاراً متكاملاً قبل العام 2008، وعليه لا يعقل أن نقبل بمقارنته بمراكز ومؤسسات جامعية ذا ت مختبرات تعمل منذ أمد بعيد.

ولكننا نعود أدراجنا مرة أخرى لنؤكد أن الهم يجب أن يبقى محصوراً في تحويل هذه المؤسسات والمراكز والمختبرات إلى أماكن للانتاج وأن تصبح الأنشطة الكبرى كالمؤتمرات محطات للتبادل والتعارف العلمي المثمر، وأن لا تتحول الزيارات العلمية إلى مجرد سياحة علمية تستنزف ما يجب أن يكون دم الحياة في أوصال الوطن، الذي يقوم بعناء من تحت ركام زمن طويل من الضياع والحروب والتخلف والتبعية.

المختبرات كما أسلفنا يجب أن لا تكون محجة للزيارات الرسمية التفقدية أو أن تعمل في غير مسار هادف ومدروس. إن شراء أجهزة بمئات الألوف من الدولارات ليس قيمة في حد ذاته، كما أن استعمال هذه الأجهزة المتطورة وتشغيلها ليس قيمة بحد ذاته أيضاً، المهم هو كيفية الاستفادة من هذه الآلات في المساهمة في العمل الانتاجي وفي تأسيس وتطوير اقتصاد المعرفة.

4- خلاصة في الناتج الواقعي:

بعد كل هذا الاستعراض نريد أن نلجأ إلى تعريف بسيط وبديهي للناتج الواقعي والحقيقي للمؤسسة الجامعية، وهو أن يساهم الناتج التقريري من منشورات وكفاءات، إلى إحداث تغيير على أرض الواقع: تطوير صناعي أو زراعي، تطوير في القطاع الهندسي أو الطبي. إيجاد حلول وعلاجات لمشاكل وأوبئة في المجال الغذائي أو الصحي أو البيئي، الحد من التلوث على أنواعه....

عندما نقوم بالاطلاع على المراكز البحثية الأكبر في المجال التقني وهي المراكز التي تم ذكرها حول تقنية النانو والبيوتكنولوجيا والكيمياء التحليلية، فإننا نخرج بانطباع أننا في دولة تقنية صناعية متقدمة. إذ كيف يمكننا أن نفسر شراء بعض الآلات والتجهيزات بقيمة تناهز المليون دولار إذا لم يكن هناك حاجة حقيقية  ملحة؟ كيف يمكننا أن نفسر كل هذا النشاط وهذه الكثرة من العناوين التي تبحث في هذه المراكز وتشغل في إطارها هذه الآلات الأحدث والاكثر تطوراً.

ليس في لبنان الذي ما زال مربكاً في تنظيم حياته الأولية أية حاجة للنانوتكنولوجيا، وإذا كان سوف يستفيد يوماً من خدمات هذه التقنية في المعلوماتية، الفيزياء أو المجالات التطبيقية الأخرى، فهو حين تصبح منتجاً جاهزاً للبيع ومرفقاً بدليل الاستعمال، والمنتج حتماً هو دول أخرى أكثر جدية في التعاطي وأكثر منطقية في إيلاء هذا المجال الدعم المالي والاهتمام. لنفترض أن أبحاثا لبنانية ودكتوراهات وجهوداً يومية مضنية أثبتت لهذه المادة أو تلك خصائص يمكنها أن تكون علاجية، وذلك بعد الحصول على نتائج مخبرية مهمة أعان على الوصول إليها تطور واتقان الأجهزة المستخدمة، من الذي سيقدم يوماً على محاولة الاستفادة من هذه النتائج؟ لو كان الشبك والربط العلمي المنطلق من مبدأ الهوية العلمية الكاملة آنفة الذكر قائماً، لأمكن أن تكون الجهة المتابعة والموصلة لهذه الكشوف أو النتائج إلى دائرة الاستثمار والانتفاع هي جهة عضو في نفس الهوية، كأن تقوم ماليزيا أو ايران او تركيا بتحويل هذه النتائج إلى دواء جديد يفرض نفسه في الأسواق العالمية ويعطي للدول المتعاونة في انتاجه العائد المادي والمعنوي المطلوبين. غير أن شيئا من هذا لا يحصل للأسف، الذي يحصل هو اقتناع المجلة العلمية العالمية بجدية هذه النتائج وتعطي بذلك الاذن بنشرها، ثم تصل إليها – بدرجة احتمالية عالية – اليد التي سوف تحولها إلى منتج وعائد وغنى وقوى وتميز ونفوذ وسيطرة وما إلى ذلك، بينما يكتفي الباحث الذي وصل إلى هذه النتائج بالترقية الاكاديمية للتقليل من ساعات التعليم او للترشيح إلى مواقع ادارية عالية.

ليس هذا مثل افتراضي على الاطلاق، ولعله أهم ما أريد أن يبدو واضحاً للعيان وهو أننا انتقلنا من مرحلة عدم الانتاج إلى انتاج العدم، أو ما هو أسوأ من ذلك، انتاج ما سوف يستفيد منه الغريب – ذو السياسات المعروفة – والشريك الملاصق والمانع من أي شراكة أخرى، نظراً لبريق تقدمه التقني، وغياب الايمان بمبدأ الهوية العلمية ذات الجغرافية المتكاملة. لماذا لا يكون مختبرنا في النانوتكنولوجيا شريكاً لدول اسلامية باتت مذكورة عالمياً في تقدمها وانجازاتها في هذا المجال؟ لماذا لا تستفيد شركات تصنيع السيارات والموتورات في بعض البلدان الإسلامية من كل الأبحاث ذات الصلة في الميكانيكا والكيمياء والفيزياء والتحكم وغير ذلك. لقد عاينا وشاهدنا كيف يعكف طلابنا سنوات لدراسة تعديلات تساهم في التناسب مع بروتوكولات الحياة في الغرب من بيئة وصحة وتلوث وغير ذلك. ليست الغربة والنزف هي في مشاهدة العقول وهي تلوح للأهلين والأحباء من على متن الطائرة المغادرة، بل الأصعب والأمر من ذلك أن نكون غرباء في أوطاننا، نطلب من مجتمعنا ومن أمتنا أن تقبل الأرض بين أيدينا وأن تنبهر بما لدينا من ألقاب ومعارف ذات المفردات الي لا يعرفونها ولا يحسنون حتى النطق بها.

الفهم البسيط يحتم علينا أن نبحث عن الناتج الواقعي وأن لا نكتفي بالتهليل لناتج تقريري لا قيمة له. بكلمة، لا بد لهذا الناتج أن يظهر جلياً في العناوين الأساسية التالية: الطاقة والانتاج والدفاع.

‌أ.       الطاقة

إذا كان لا بد من التسليم بضرورة شراء مولدات الطاقة الكهربائية من الخارج، فإن مهمة تكييف وترشيق وصيانة هذا القطاع تبقى مهمات جسيمة لا يمكن أن توضع فقط على كاهل المهنيين من ذوي الخبرات المحدودة، بل لا بد أن ينشأ صلة بين مكاتب الدراسات والتخطيط لهذه المؤسسة وبين الجامعة اللبنانية وأن تفتح هذه الأخيرة مختبراتها أمام هذا النوع من الخدمة الذي يؤدي ويساهم في تحسين قطاع حيوي للوطن وهو قطاع الكهرباء. ليكن كل شيء ممكناً: تدريس مقررات غايتها المساهمة في انتاج المتخصصين في هذا المجال وانشاء المختبرات الخاصة ووضعها في خدمة هذا القطاع، وليكن هنا تعاون علمي بهدف نقل الخبرة إلى العاملين العلميين في هذا القطاع مع تمييز التعامل مع دول الجغرافية العلمية السابقة في هذا المجال كإيران وتركيا وماليزيا.

وليس جائزاً على الإطلاق أن تكون مكاتب الدراسات في هذه المؤسسة مراكز اتصال فحسب مزودة بخطوط خارجية تقوم من خلالها بالتواصل مع الشركات العالمية لمعالجة أقل خلل. الكفاءة المحلية يمكن هنا أن تكون الناتج الحقيقي والواقعي للمؤسسة الجامعية، وذلك سيكون ملموساً في جودة وكفاءة ورشاقة المؤسسة الكهربائية ككل، سواء وظف فيها معرفته الجامعية فحسب او حتى نتائج ابحاثه طويلة الأمد.

أما على صعيد الطاقة المستجدة وهي النفط، فهو حلم لطالما حمله وتحدث عنه الدكتور مهدي قانصو الذي رحل ومعه غصة الأذن الصماء التي كانت تقابل بها مشاريعه ومعطياته. إن المشاريع التي قدمها هذا العقل الجامعي الكفء هي أيضاً ناتج واقعي لأبحاث علمية جيولوجية كان قد قام بها هذا الرجل، فهي إذا ناتج علمي حقيقي لهذه الأبحاث بدون أي تردد.

هنا أيضاً نعود إلى فكرة مجتمع الشتات المعرفي لنقول أن استخراج النفط هو فرصة أكيدة لاستمالة الكثير من الكفاءات اللبنانية التي تعمل في مجال البحث العلمي في كبريات الشركات النفطية في العالم منذ عقود، من أجل أن تعود ومعها كل تلك الخبرة التي هي إلى الآن لا صلة لها بالناتج المحلي الحقيقي والواقعي، فتصبح من الآن في خدمة هذا الاستثمار النافع لقطاع الطاقة والنفط تحديداً.

‌ب.  الانتاج:

عند استعراض الصناعات اللبنانية لا نشعر فعلياً بالحاجة إلى ضلوع الجامعة بمختبراتها وابحاثها طويلة الأمد في هذا القطاع – وهو عكس المتوقع – بل يكفي هذا القطاع في احسن الفروض بعض الشهادات العلمية الوسيطة، وهؤلاء لن يجدوا أنفسهم مضطرين ربما لاستعمال ما لديهم من المعرفة، بل إن القليل منها سوف يكون كافياً للقيام بالدور المتاح في هذه الورشة الصناعية. وهو دور مزيج بين الكفاءة الجامعية والكفاءة المهنية العالية.

غير أننا نعتقد هنا أن لدينا ما يكفي لكي تخطو الدولة خطوة نحو مزيد من الانتاج الصناعي، وهنا أيضاً نؤمن بأن تجربة الدول الاسلامية المحيطة يمكن أن تشكل فرصة في تطوير هذه المساهمة الجامعية في القطاع الصناعي والذهاب بعيداً في هذا المجال ربما نحو إنشاء خطوط للانتاج.

وغير بعيد عن ذلك فإن قطاعات حيوية كالزراعة والغذاء تحتاج بشكل متزايد للكفاءة الجامعية والمختبر الجامعي في أعمال المراقبة ودراسة الجودة والتطوير ومكافحة التلوث وهذه كلها دوافع نحو إقامة سياسة بحثية في مجال الزراعة والكيمياء وغيرها. إن أبحاثاً تقوم الآن في الجامعة اللبنانية لدراسة مواد لن نسمع بها ربما قبل عقود من أجل استبيان قابليتها العالية على منع التلوث وتناسبها بالتالي مع بروتوكولات أوروبية أميركية لمعالجة التلوث، هي أبحاث عقيمة مهما بدت مهمة من على متن المجلة التي ستنشر نتائجها، الأولى بهؤلاء الباحثين الأكفاء أن تضعهم سياسة حكيمة وواعية لبلدهم في إطار بحوث ستكون أقل تعقيداً من الناحية العلمية ربما ولكنها سوف يكون لها ناتج حقيقي في هذه الحالة.

‌ج.   الدفاع

لقد غدا المشروع النووي الإيراني علامة فارقة في سماء الدول النامية عموماً. وازداد أهمية حتى غدا العنوان الأصعب في السياسة الدولية. ولا مفر من الاعتقاد أن هذا المشروع، رغم سلميته بحسب تصريح المسؤولين الايرانيين، غدا الجانب الأكثر قلقاً للدول الغربية في المشروع التسلحي الايراني، وإن أبرز ما يثير القلق ليس هو وجود مناجم اليورانيوم في إيران ولا عمليات التخصيب التي تقدمها شركات روسيا او الصين لايران، إن نقطة القوة في هذا المجال هو وجود علماء إيرانيين يمكن لهم أن يذهبو بالمشروع إلى خواتيمه، ويرجح بعض المحللين أن الخوف من امتلاك السلاح في إيران هو أٌقل من الخوف من امتلاك القدرة العلمية والفنية على إيجاده24.

لقد انخرطت إذاً المؤسسة المعرفية ومراكز الأبحاث في إيران في هذا المشروع وأبعدته تدريجياً عن مجرد مشروع الشراء والاقتناء وهذا ما جعل للمؤسسات الجامعية الايرانية ناتجاً استراتيجياً مشابهاً لما هو عليه الحال في الدول المتقدمة. الناتج هنا يأخذ باستراتيجيات الدفاع إلى آفاق أخرى لم تكن مفترضة أو متوقعة على الأقل بهذه السرعة. ولهذا فإن استهداف العلماء النوويين الإيرانيين هو عملي يأتي في سياق إنزال الضربات الأصعب لنزع الجزء الأكثر أهمية في آلة هذا المشروع المخيفة.

وإذا بقينا في إطار البحث عن الناتج الجامعي في قطاع الدفاع، وربما على مستوى أبسط بكثير فإن الجديد في المقاومة في لبنان هو دخول الجهد الذهني البحثي العلمي التقني على خط إنتاج القوة وخلق المعادلات العسكرية الجديدة.

وقد تحدث الاسرائيلي عن أنه يواجه في لبنان حرب أدمغة لم يعتد عليها في حروبه السابقة مع العالم العربي. ولدى تتبع المعلن في هذا الجانب من عمل المقاومة في لبنان، فإن هناك حاجات جبهوية بدأت تزداد الحاحاً واضطراراً للقيام بجهود ذهنية لتلبيتها. وقد بدأت هذه الجهود على شكل التجربة والحطأ وتدوين النتائج، ثم تطورت الحاجات بعد ذلك فاستحدث لها مكاتب دراسات تحتاج إلى كفاءة تقع على حافة العمل المهني العالي وتلامس بعض جوانب العقل الجامعي. ثم دفعت الحاجات العسكرية المتزايدة إلى بناء وتأسيس المختبرات التي تعمل نفس المنهج الجامعي، وهنا لم يعد ممكناً الاكتفاء بالخبرات المهنية فحسب ووجد الجامعيون باباً لهم مفتوحاً لاستثمار كفاءتهم العلمية في خدمة مشروع وطنهم الدفاعي. ويمكن القول أن هذه الجهود قد وصلت تحت ضغط الحاجات الجبوية إلى مرحلة الأبحاث طويلة الأمد.

فمن جهود التجربة والخطأ والتي أدت على سبيل المثال لا الحصر إلى ولادة نوع محلي من العبوات المقذوفة بمديات جديدة استعملت بنجاح باهر في تصيد العملاء المتحصنين في مراكزهم وبيوتهم، إلى الدراسات التي استطاعت أن تتواصل مع طائرة الاستطلاع الاسرائيلية من خلال فك شيفرتها وقراءة معطياتها وخرائطها، إلى المختبرات التي تمكنت من صنع أجهزة الرصد الالكتروني التي استعملت بدقة فائقة في إصابة الاهداف المتحكرة إلى الأبحاث الطويلة الأمد التي تتناول العديد من القضايا الحيوية لنمو هذه المقاومة. كل هذه المسيرة والتي أصبحت ناتجاً حقيقياً وواقعياً للمؤسسة العلمية الوطنية وحقل استثمار لما لدى المتخرج من علم وكفاءة، قدمت تعديلات لا تزال محدودة للغاية فيما لو قورنت مع ما يقدمه العمل الذهني التقني لجبهته على الجانب الاسرائيلي. غير أنه برغم هذا التفاوت فإن دخول خط العمل الجامعي العلمي على خط الدفاع ساهم في قلب الموازين وأوصل إلى منجزات وانتصارات جعلت الاسرائيلي يتحدث عن حرب أدمغة في لبنان.

إن الباحث في تقارير الناتج لا يستطيع أن يغفل ما في هذه التجربة من الدلالة على امكانية الافادة من المؤسسة الجامعية في الحصول على ناتج حقيقي وواقعي نبحث عنه في المرافق الحيوية من حياتنا لا في السجلات المطوية التي تأخذنا بعيداً عن واقعنا وعن مجتمعنا ومشاكلنا.

نخلص في نهاية هذا البحث إلى القول أن الناتج التقريري في المجال التطبيقي هو ناتج مليء بالإحصاءات والجداول والأرقام والإنشطة، غير أن ناتج هذا الناتج يبقى ضعيفاً وشبه غائب عن القطاعات الوطنية الأهم وهي قطاعات الإنتاج والطاقة والدفاع. ولا يفسر هذا الغياب سوى العبثية واللا هدفية التي تتحكم بالسياسات العامة في المجال العلمي والتقني. ولا تمنع هذه الخلاصة برغم سلبيتها من النظر بإيجابية للقدرة والخبرة العلمية الناتجة عن الأبحاث العلمية، حتى لو لم تكن ذات هدف، فهي قدرة جاهزة للاستثمار والأنتاج عند وصول الإدارة الحكيمة ذات الارتباط بمبدأ الهوية العلمية الشاملة إلى سدة الفعل ودوائر القرار. يضاف لما ذكر أن الأحكام القاسية في حق الجامعة الوطنية ليست تسويقاً غير مباشر للقطاع الجامعي الخاص في لبنان، فهو – أي القطاع الخاص – لا يزال في مجمله بعيداً عن الدراسات العليا في المجال التقني والتطبيقي، ولذلك حصرنا الاهتمام في الجامعة اللبنانية التي قطعت شوطاً مهماً في هذا المجال.  


 

[1] التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية ص 21.

[2] لغرضتوظيف اللغة في الأبحاث الدقيقة.

[3] في إطارمحدد

[4] د. عبد العليم محمد اسماعيل علي – مجلة العلوم الإجتماعية – 15/05/2012

[5] جامعة الملك عبدالله

[6] أشارت بعض التقارير الصحفية إلى أن قيمة المشروعات في إحدى الدول العربية تربو على الخمسين مليار دولار بسبب البيرقراطية المعتمدة.

[7]  لطه حسين نص معبر عن عبادة العلامة في أنظمة التعليم عندنا.

 

[8]  الإقتصادية الإلكترونية- العدد6791 – 15/05/2012 – استقالة وزير التربية الروماني بسبب تهمة السطو على مقاالة علمية.

[9] بعد افتتاح كليات تطبيقية

[10] وهي تمثل أكثر الأتفاقيات العلمية المفعلة.

[11] قصة الحضارة-الباب 34 ص. 1-2

[12] تاريخ العلوم عند العرب الفترة العباسية الأندلسية.

[13] التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية، ص 121

[14] التقرير, ص 141

[15] شكيب إرسلان، السيد رشيد رضا وإيحاء أربعين سنة. ص 363.

[16] أنظر مثلاً كتاب مسقبل الثقافة في مصر لطه حسين.

[18]  التقرير ص 157

التقرير ص20[19]  

[20]  هناك حالياً اتفاق موقع مع جامعة طهران وجامعة فردوسي في مشهد كما أن هناك نشاط علمي ملحوظ لتبادل الطلاب في مرحلتيها الماستر والدكتوراه في إطار اتفاق موقع بين وزارتي التعليم العالي.

[21]  التقرير العربي الثاث- ص 33

[22]  التقرير- ص 35

[23]  موقع اليونسكو للاحصاء

 [24]برنارد أوركارد، جغرافية إيران السياسية ص. 188 وما بعدها.

 

                                                          أمين الساحلي