أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> جبهات غير مسلحة في عمل المقاومة

جبهات غير مسلحة في عمل المقاومة

 

مقدمة

يخطئ من يعتقد أن الضغط على الزناد هو المهمة الأصعب في مقاومة الاحتلال الصهيوني، ويخطئ أكثر من يعتقد أن هجمة الاسرائيلي بالحديد والنار والطائرات التي تعصف وتقصف هي أعتى وأقسى ما يقوم به هذا العدو علينا من هجمات وحملات، والخطأ الثالث هو في الاعتقاد أن اسرائيل تريد أن يتحول العالم العربي إلى عملاء كأنطوان لحد، فهي تعلم أن ذلك متعذر، إنها يكفيها ربما أن نتساقط من الحماسة لهذا المطرب أو ذاك أو يكفيها ربما أن نتآخى ونتعادى في مدرجات الحماسة الرياضية وما إلى ذلك.

لقد حار الاسرائيلي في فهم هذه المقاومة، ولم تتمكن مكاتب دراساته من مقارنتها بما سبقها من أنواع المقاومات، إنها ليست عنصرية دينية أو نزعة قومية أو حامية حدودية، إنها ليست هبة حماسية خرقاء ولا مغامرة متهورة ولا عداء أعمى يقوم على التعصب والكراهية، إنها تمتاز بشيء عن جميع ما سبقها، إنها تعبير عن ثقافة جديدة أصيلة نشيطة مبتهجة متجددة، ثقافة تستعصي على أدوات التحليل المعتمدة في دوائر البحث الاسرائيلية والغربية، فهي تربط مثلا بين الخشوع في الصلاة والثبات في المعركة، وتعد للمجاهدين كهوفا للكمون والاستعداد وتلاوة الوحي معاً، ثقافة تضع على متن المحارب سلاحاً وكتابً مقدسا يأمره وهو بين الموت والحياة، أن يكون مطأطئ الرأس غداً إذا ساد بقوته ومكنه الانتصار من الرفعة في الأرض ويأمره أن يكون مستقيما في تعامله حتى مع عدوه الذي يقاتله والأرض التي يرابط فيها فلا يفسد ولا يقطع ولا يمثل ولا يطغى.

لقد أنصف الاسرائيلي هذه المقاومة حينما وصفها أنه عاقلة عالمة متزنة مبصرة، تمتاز بحسن التدبر وجودة التوقع واستباق العواقب، هذا في الوقت الذي كان بعض الذين يحفظون القرآن وكتب الأحايث يحرمون التظاهر لنصرتها ويعتبرونها مغامرة والقاء للنفس في التهلكة:

نحن لا ندري غروراً كيف يتلوك المجاهد

نحن دمع واعتزال وهو عزم في الشدائد

نحن تهليل وانشاء وذكرى وموائد

وهو نور مستقيم في دروب الحق رائد.

لقد امتدح اسحق شامير الطريقة التي أديرت فيها المعركة من قبل المقاومة في لبنان، وهي الإدارة التي بنيت على متوالية متزايدة: القول – الفعل – الامكان – المعرفة، القول يجب أن يكون أقل من الفعل والفعل أقل من الامكان والامكان أقل من المعرفة، بمعنى أن لا نتوقف على معرفة ما يمكننا فعله فحسب بل علينا أن نعرف المزيد مما سوف يصبح إمكانا في أقرب وقت، وهكذا تكون عين على ما لدينا من قوة، وإمكانية، وعين على ما هو موجود أو غير موجود في هذه الدنيا ويمكن من خلال إمال عقولنا أن ندخله في إمكاننا وقوتنا.

ولهذا تميزت هذه المقاومة بالصدق الذي يعقد اللسان وهو ما دفع الرأي العام – وحتى الخاص ربما – في اسرائيل إلى انتظار سيد هذه المقاومة في خروجه المتكرر على الشاشة لاستقاء المعلومات الصحيحة والدقيقة، وبات له عليهم من التأثير ما جعلهم يشهدون له من فضيلة الصدق ما ينكرونه لقادتهم وسساتهم، وكم كانت مؤثرة تلك الشهادة التي خرجت في الإعلام الاسرائيلي "إن حسن نصر الله لا يكذب"، لقد أدت هذه الإرادة بالاسرائيلي إلى الوقوع في سلسلة الحماقات التي بدا فيها لرأيه العام أولًأ كاذباً، مخادعاً، مرواغاً يطلق شعارات ثم يلهف من أجل تحقيقها فلا يستطيع أن يدفع بقواته وجنوده في محرقة الموت من أجل تحقيق مكاسب أعلامية رخيصة يختبئ ورائها لتغطية فشله، أو يتخبط ذات اليمين وذات الشمال في مسار يهتز لقلة الكفاءة وانعدام البصيرة والتخطيط حتى قال بعض المحللين الغربيين في مقالة له أن اولمرت لا يشبهنا مع أنه يشبهنا في الشكل والذي يشبهنا هو حسن نصر الله مع أنه لا يشبهنا في الشكل، إنه يشير إلى إدارة حكيمة قالت أقل مما فعلت ففاجئت وفعلت أقل مما تستطيع فاستطاعت أن تشعل حربا نفسية أكثر قوة وفعالية من الحرب العسكرية واستطاعتها لا يمكن أن يرسم لها حد لأن الورشة المعرفية منطلقة في كل الاتجاهات وفي جميع المجالات.

أيضاً وصفت المقاومة بأنها حرب أدمغة وهي ميزة جديدة أعطيت لها من قبل عدوها، وتحدث القاض فينوغراد كيف استطاعت حفنة من المحاربين الانتصار على اقوى جيش في المنطقة وأكثرهم تطورا من ناحية التكنولوجيا العسكرية. وقد سجلت المقاومة فعلأً جملة من النجاحات في عملها المعتمد بشكل أساسي على البحث العلمي والتقني، مدخلة بذلك عاملاً جديدا في عوامل الصراع وبعدا لم يكن معتاداً في هذا النوع من المقاومات حتى الآن.

إذاً العلم والعقيدة والمجتمع والانسان والادارة كلها ابعاد اخرى تكاد تكون حاسمة في تقرير النصر بمعناه الأدق كما سوف نبينه بعد حين ثم نستعرض بكلام مختصر أهمية تلك الجبهات الغير مسلحة وتأثيرها على النتيجة النهائية.

النصر الحاسم

تفضي التضحيات – مهما كانت جساماً – في النهاية إلى أرض محررة تبحث لها عن العنوان واللون الحضاري الذي سوف يحكمها، وتكون هذه المرحلة الثانية عادة جزءً لا يتجزأ من مراحل المعركة، أي أن النصر الحقيقي مؤجل لما بعد النجاح في هذه المرحلة، إن ال"لا" التي تقال للمحتل تشعل – رغم صعوبتها – في نفوس الناس ناراً من الحماسة والاندفاع تستطيع أن تكون كافية – في وقت ما – لصناعة الولاء والالتزام والاقدام والشجاعة والشهامة والتضحية، وهو ما شاهدناه ونشاهده بوضوح في عملنا المقاوم في لبنان، فلقد نضجت الأحجار الصم على نار لاءنا، الصادقة الوفية للغاصب وللمحتل، وتكاتف المجتمع في بذل عز نظيره للغالي والنفيس في سبيل دحر الاحتلال وهزيمته وكانت أخبار المجاهدين وصرخاتهم وقبضاتهم تحفز في المجتمع تياراً لاعتناق الفضائل والزهد بالدنيا وقراءة القرآن وسير الأولياء والتحلي بأخلاقهم والتأسي بأعمالهم، كل ذلك كان حرارة في القلوب بعث بها وجه المجاهد ونبرته وهو يتلو وصيته ورايته التي كان يزرعها في كل رقعة يحررها.

لكن هذه ال"لا" مهما كانت جليلة وصادقة، إذا لم تكن متبوعة ب"نعم" لا تقل صدقاً وعزماً واندفاعاً عنها، فإن الانتصار بمعناه النهائي والدقيق يصبح بعيد المنال وتسمى هزيمة العدو "تغلبا" سيكون عرضة للتبدل والتغير كغيره من الأحداث. النعم هي اللون الحضاري الزاهي الذي وعدت به الأرض الخارجة من تحت بساط اللون الغصبي والاحتلالي الأسود القاتم، إنها الطريقة التي سوف نبني فيها مجتمعنا، ما هو تعريفنا للمؤسسة، للإدارة، للمهنة، للعلوم، للجامعات، لمراكز الأبحاث، للتنظيم المدني للمرافق العامة، للبيئة، للمستشفى، للضمان الاجتماعي، للشيخوخة والدواء... وجميع هذه الأمور تحتاج علاوة على النوايا الحسنة جهوداً متخصصة لتبني الأصح والأصلح ودراسات متأنية متعمقة للإفادة من تجارب الآخرين وتكييفها مع الواقع الخاص بالإضافة إلى وقت يمر على مهل وحق ثابت بالتجربة والخطأ والتقويم وإعادة التقويم.

في مرحلة الرفض والمواجهة يكون التحدي ذا طابع أكثر وضوحاً وأقل عثرة أما في مرحلة المبادرة والإيجاب فإن التحدي يكون أكثر تخفياً والعثار فيه أكثر توقعاً.

وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الذي ذاع صيت سيفه في الآفاق، ذلك السيف الذي مثل رفض أمير المؤمنين للظلم والطغيان والجاهلية وانتهاك الحرم والقمع والاستثار، ولكنه بعد فترته الرافضة الممتدة والتي حفلت بأقسى المواجهات والمعارك والحروب، وما ان استتب له الأمر ودانت له البلاد التي كافح وناضل من أجل إخراجها من بساط الاستبداد والكفر وهتك الحرم، فإذا به يكشف عن منظومته الحضارية الموعودة المحتاجة في عماره البلاد والعباد وهي بما يعقد اللسان من الدهشة لما فيها من القواعد المدنية التي لم تكن سبقا حضاريا فحسب – بما هو مدونات ومقررات تصلح لكتابة الدساتير – بل لا زالت إلى اليوم قواعد يمكن أن تكون صالحة للاعتماد والتطبيق.

فهو في عهده إلى مالك الأشتر أوضح أن المؤسسات والمهن فيها يجب أن لا تبنى من أعلى إلى أسفل وذلك من خلال الأثرة والمحاباة، أو بتعبيرنا اليوم على قاعدة المحسوبية والاستنساب وذلك حينما يعمد الحاكم الى اختيار الرأس على قاعدة القرابة، ثم تبدأ الوظائف تحدد تباعاً بطريقة مشابهة، فهو يقول بوضوح أن المحاباة والأثرة هما جور وخيانة، وهذه لعمري ما يجب التنبه إليه لأن الجور كل الجور، هو في حرمان كفاءة من الوصول إلى الوظيفة التي تنتظرها والخيانة هي في وضع غير الكفؤ – وهو المحظوظ او القريب المحابى.. في موضع وظيفي يؤدي وجوده فيه الى تشوه في بنية المجتمع وفساد لا يستدل عليه إلا غدا حينما يقوض البنيان الاجتماعي ويهوي إلى الأرض. إنه يتحدث بجلاء عن الحكومة والقطاع المالي والقضائي فيعرف السلطة والوظيفة ويشير إلى أنها جملة من المواصفات لا تعرف اسماً او عشيرة او عائلة، فالأكثر حيازة لهذه المواصفات هم الأكثر أهلية لهذه الوظائف والسلطات، وفي هذا ضربة للمنطق الذي يعتبر أن الوظائف العليا في الدولة هي للأكثر وجاهة والأكثر احترافاً لتسويق النفس. إنه يأمر مالكاً أن يبحث هو عن أولئك الأكفاء لا أن ينتظر عرضهم لأنفسهم فهم من أهل الحياء والتعفف والمنبت الكريم والأصل المشرف. وهو يأمر أن لا يعتمد في الاختيار على فراسته وما شكلها من الاستحسان الظني السطحي القابل للخداع والتضليل ممن يجيدون ذلك، بل من خلال النظر والتدقيق في سجل الأعمال والمنجزات والأهليات السابقة وهو ما معناه في أيامنا أن التوظيف يجب أن يكون قائماً على تقييم السير الذاتية فحسب دون النظر إلى الاسم والقرابة والوجاهة والفقر والغنى وما إلى ذلك.

ويطوف موكب "نعم" لدى أمير المؤمنين ليشمل المجتمع برمته: الرواتب، البيئة، الإعمار، الاستثمار، القطاع الخاص، الضمان الاجتماعي...

لقد كانا جناحا ال"لا" وال"نعم" متكافئين متعادلين في حمل طائر أمير المؤمنين الحضاري والتحليق به عالياً ليخلد في سماء الانسانية وليصبح نجم هدى لكل أمة تريد أن ترقى على سلم الحضارة في يوم من الأيام.

ولذلك فإن خطر ضعف جناح ال"نعم" في نهضتنا من شأنه أن يفتح علينا جبهة أخرى يدخل من خلالها العدو – أو يستفيد على الأقل – لخلق تعقيدات اجتماعية ومدنية تدب الوهن والترهل في صفوف الجبهة وتنتج أجيالاً مختلة غير قادرة على مواصلة النضال الذي يتوقع أن يكون طويلاً، فجبهة النعم هي إذا جبهة حقيقية شديدة الخطورة ولكنها برغم أنها غير منظورة، يجب أن لا تتأخر زمناً ولا رتبة عن جبهة العمل المسلح.

العقيدة

العقيدة الاسلامية قاموس من ألف صفحة وصفحة، ومفردات هذا القاموس تحتاج إلى جهد مركز ونوعي لمعرفة معانيها بدقة، ولا يمكن أن يكون الانفعال التراثي او العاطفي كافياً ليمكن الانسان من وعي هذه المفردات وحل معانيها، وإذا كانت اسرائيل تعرف مدى فعالية العقيدة الاسلامية في صناعة القدرة العسكرية للمقاومة، فهي ستحاول بدون أدنى شك أن تفتح جبهة على الخط العقائدي لإيجاد فاصل بين منابع القدرة الاعتقادية وبين الاجيال المتتابعة في مجتمع المقاومة، أو أن تحاول بالحد الأدنى أن تستفيد من خلل ينشأ من طبيعة انخراط المجتمع بكل فئاته في عمل عسكري أو كليهما معا.

فعلى صعيد العمل لخلق شكوك وتساؤلات سلبية في عقول الشباب فهو دأب قديم تقوم به مؤسسات فكرية وإعلامية كبيرة على امتداد الغرب كله، والجديد في الأمر أن شبكة الانترنت باتت اليوم الوسيلة الفضلى للوصول إلى حيث لا يستطيع العدو الوصول بشحمه ولحمه ومؤلفات باحثيه ودسائس مختلف شياطينه.

ومن الأمثلة الكثيرة التي يمكن ذكرها هنا ما أفاده سماحة الشيخ عبد الكريم عبيد بعيد الافراج عنه في محاضرة له في كلية العلوم - الجامعة اللبنانية، فقد أخبر أن باحثاً اسرائيليا جاء اليه في السجن ليسأله عن مسألتي العول والتعصيب. أليس ملفتا أن يكون هذا الموضوع مهماً بحيث يأتي الباحث إلى السجن لملاقاة عالم دين وسؤاله عن ذلك، ومعلوم أن هذه الزيارة ليست زيارة جامعية، وانما زيارة أمنية ترتب على مستويات أمنية رفيعة، إن أقرب تفسير عندي لذلك هو أن مسألتي العول والتعصيب، وتحديداً العول، مما أستعمل كمأخذ على جدية ورصانة التشريع الاسلامي وهو كما يلي: الأسهم التي ذكرها القرآن في المواريث هي ستة: النصف، الثلث..، فإذا كانت الأسهم المفروضة تعادل التركة فلا مشكلة وإذا زادت التركة عن الأسهم بحيث أننا وزعنا التركة على الورثة بحسب الأسهم المفروضة ثم بقي لدينا مال فهنا يقع التعصيب، وإذا نقصت التركة عن الأسهم يقع العول. ويكون المأخذ كيف يمكن أن يكون التشريع دقيقا وجاداً مع امكانية وقوع العول والتعصيب، ألا يدل ذلك على شيء من عدم الوقار العلمي القانوني لنصوص القرآن الكريم خصوصا أن المسلمين انقسموا في التعامل مع أول عول وقع في أيام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، والذي يجعلني أكثر اقتناعاً بأن عملا عميقا يتم لابراز هذه الأمور كاشكالات هو أنني أجدها حاضرة بين مثيلاتها من الاشكالات التي يطرحها علي طلابي في الجامعة. وهذا يعني أننا أمام جبهة أخرى محتملة حرجة وشديدة الخطورة خصوصا أنها تستفيد من واقع مقاوم فيه من الأعباء والمهمات وضرورات التأهب والاستعداد والتدرب ما لا يعطي  الفرصة اللازمة والتمهل الكافي لتعلم القاموس الاسلامي بتمعن وتدقيق، وهو ذو المفردات الثقيلة الوازنة التي لا يحملها العناد ولا الهتاف ولا الشعار. العقيدة أنتجت مقاومة ولكن المحذور الذي يشكل عقبة طبيعية أن المقاومة نفسها بأعبائها ومهامها يمكن أن تصبح مانعاً أو عائقاً من تعلم وحفظ ما يجب تعلمه وحفظه، وحينها يبدأ جيل جديد بالظهور وهو جيل لا يقل ولاء عن الجيل السابق، لكنه ليس متصلاً كسابقه مع عمق العقيدة وان كان مستعداً للموت من أجلها، ويصبح أكثر ارتباطاً بالأمور الشكلية منها بالأمور الجوهرية. إذا الجبهة مفتوحة بين عدو يعمل على احداث شكوك في البنى الاعتقادية في المجتمع المقاوم مستفيدا من أن الظروف مؤاتية وبين مقاومة تحاول وتسعى أن تفرض على المجاهدين صفوفا دراسية متأنية متمهلة تمكن من تعلم الأسس الاعتقادية الصحيحة، وهي بلا شك مهمة صعبة خصوصا وأن الجهود ليست متضامنة فالأب المجاهد غير قادر بالضرورة – بسبب انشغاله أو قل غيابه شبه الدائم الدائم عن البيت والأولاد – على التعليم والمتابعة، وهو الأكثر قدرة على ايجاد الصلة فيما بينهم وبين كتابهم المقدس.

يضاف إلى هذه الصعوبة مسألة أخرى وهو التضاد والتنافر بين القيمة والولاء الإداري في مؤسسات المقاومة، وقد أسلفنا القول أن القيمة العقيدية هي التي صنعت الولاء أولاً ثم اكتسى هذا الولاء شكلاً مؤسساتيا إداريا وهذا أمر طبيعي في أي اداء جماعي، غير أن الذي يميز الادارة المبنية على القيمة والمبدأ الاعتقادي أنها يجب أن تظل محكومة له – أي للمبدأ – في كل حركاتها وسكناتها، وهو ما يعني ضمناً أن حق الادنى على الاعلى في هكذا ادارة أن يجد القيمة تحرز المزيد من التثبيت والتوكيد كثمرة لهذا الولاء، وإذا كان الأمر على هذا النحو فإن تذكير الأدنى للأعلى – أو أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر – يصبح شيئا متوقعاً. وهذا بخلاف الإدارة التي يعرف فيها المبدأ من خلال القرارات المتسلسلة من أعلى إلى أسفل. وبما أن شؤون الحياة وشجونها كثيراً ما تكون تفصيلية ومعقدة والتشخيص فيها يكون تقديرياً، فإن الاختلاف في الرأي بين الرئيس والمرؤوس يمكن أن يتطور – خصوصا إذا تم تقديسه – إلى تضاد وتنافر بين القيمة والولاء: هذا يأخذ على الآخر عدم الالتزام الدقيق بالمبدأ وذاك يأخذ عليه انتهاكه للولاء المقدس. وبما أن الأعلى في أية ادارة غالباً ما تكون الأمور لصالحه فإنه يمكن أن تذهب الأمور في حركة بطيئة وغير واعية إلى مراحل قياسية، وذلك حينما توشك أن تندمج العقيدة مع الزعامة في ذهن العامل وحين ذلك يعرف الحق بالقائل، ويبدأ تدريجياً يتعاطى بعدم الجدية مع منابع ثقافته الأصيلة بوصفها مما سيؤدي به إلى تعقيدات في حياته الجهادية – التي اصبحت حياته المهنية والعملية – في جو كهذا الكل متأفف والكل حانق والأمور باردة جداً وهي غاية في التوتر، ويحل التعايش والمساكنة محل الأخوة الاسلامية النعمة والمعجزة. وهذا ما يفتح أمام العدو فرصاً ذهبية وثغرات يمكن أن يتسرب منها إلى حياتنا النفسية والذهنية ليتمكن مما لم يتمكن منه في أعتى حملات الحديد والنار التي قام بها.

إن جهاد النفس في تعاليمنا هو الجهاد الأكبر وجبهة حفظ الذات هي إذاً الجبهة الأصعب، والانكسار فيها سيمكن العدو من تسجيل انتصارات لم يستطع  ان يسجلها في جبهته العسكرية كما قلنا، والذات هي تارة بمعناها الفردي وأخرى بمعناها الجماعي، ولذلك يكون على العامل والمجاهد التنبه من ثلاثة أعداء: العدو الأضعف وهو العدو الاسرائيلي، ثم العدو الأقوى وهي المقاومة التي هو عامل في إطارها بوصفها الذات الجماعية ويستحكم هذا العداء حينما يصبح الركوب في قطارها مبررا لاغماض العيون واطفاء المصابيح، والعدو الثالث وهو الأخطر والأعتى وهو نفسه التي تصور له أنها أضحت من القداسة بحيث إما أن تكون هي كما تريد أن تكون أو لا يكون أحد.

العلم

لقد اعترفت اسرائيل أنها تواجه خصما عربيا غير معتاد، فهو أدخل الجهد الذهني المعرفي التقني إلى مكونات جبهته، وهي لطالما فضلت أن يكون من يقاتلها معطل الذهن وليكن شجاعا أو غنيا يستطيع أن يشتري بماله ما يشاء، أو ليكن كثير العدد، كل هذا ليس مهماً فهو – ما لم يحز على قدرة علمية ذاتية – لقمة سائغة وعدو مفضل، من أجل صناعة الانتصارات للجيش الذي لا يقهر.

لقد أحدث صدمة قدرة المقاومة على اختراق اجهزة الاستطلاع الاسرائيلية والتواصل معها، وأخذ معلوماتها وخرائطها، كما أحدثت طائرة مرصاد هزة مشابهة وكذلك أجهزة الرصد والتتبع والتوقيت محلية الصنع او التطوير، كل هذا وغيره، بما نعلم وما لا نعلم، كان كافياً لاقناع الاسرائيلي ان عليه خوض حرب ادمغة مع هذا الخصم القليل العدد والعدة، والكثير كفاءة ومنهجاً علمياً واسلوبا عملياً. وقد حاول الاسرائليي مكابرا التخلص من ازعاج هذه الفكرة وقلقها من خلال الحديث عن ان الامر لا يعدو كونه نقل للتكنولوجيا الايرانية فحسب، وهو ما معناه طمأنة الاوساط المختلفة – العسكرية والمدنية – ان المقاومة في لبنان هي مقاومة اعتيادية تعتمد عل ىسوق البيع والشراء في تأمين حاجياتها العسكرية ولا قلق من أن يكون لديها مشروع علمي مخبري وكفاءات تقنية عالية تضع بين يديها اسلحة او منظومات وأساليب غير مرصودة ولا هي متوقعة من الجانب الاسرائيلي، ولكنها عادت واعترفت في نهاية الأمر بأن تجاهل ما هو قائم لا يؤدي إلى فناءه وانعدامه، وراحت تتعامل بجدية مع هذه الجبهة العلمية الجديدة التي انفتحت وباتت تتحدث عن حرب الأدمغة.

صحيح أن النشاط الذهني الاسرائيلي له الحظ الأوفر في تكوين ترسانته العسكرية وقليل من هذه الترسانة يصنعه التدريب الجيد والعقيدة القتالية والتربية الوطنية والشجاعة وما الى ذلك، في الوقت الذي لا يزال فيه العامل الذهني ضعيف للغاية في المساهمة في بناء ترسانة المقاومة واسلوب عملها، غير أن هذا المنسوب المتواضع استطاع ان يسجل انجازات نوعية كتلك التي ذكرناها وغيرها ما أدى الى تحول في مسار الامور، فكيف اذا تطور هذا النوع من الجهد الذهني التقني وهذا ما سيحصل لا محالة، وصار يرفد الجبهة بالمزيد من ادوات القدرة المتطورة والمتكيفة مع شروط البيئة المحيطة والحاجات المطلوبة.

ولذلك سيولد صراع على المؤسسة المعرفية الجامعية بين خط مقاوم علمي تزداد حاجاته الجبهوية العلمية والتقنية الحاحاً وقد بدأت تلبية هذه الحاجات تتخطى مجرد اختبارات التجربة والخطأ وتسجيل النتائج واجراء التعديلات والتصحيح الى ضرورة انشاء مكاتب دراسات اكثر تخصصا ثم ازدادت هذه الحاجات دقة وصارت تتخطى مكاتب الدراسات الى المختبرات الجامعية والدراسات البحثية الطويلة الأمد، وبين خط آخر – غير واع ربما – لا يزال يرى في الجامعة والمؤسسات المعرفية مواقع ورتب تشريفية خصوصا تلك التي تمكنه من البروز في سجلات الغرب العلمية ومجلاته المتخصصة. إنها حركة وكما قلنا ربما غير واعية ولكنها تعمل بتأثير من تيار واع للغاية في مؤسسة جامعية ابرز ما يكون ناتجها ألقاباً علمية ورتباً فارغة ما خلا بعض الاختصاصات ذات الصلة بحاجات حقيقية كالطب والهندسة المدنية وما شابه. الحاجة العلمية الجبهوية هي اذا حاجة تخطت مجرد التجربة والخطأ ومكاتب الدراسات كما اسلفنا ولم يعد بالمستطاع ان يلبيها المهني مهما كان متخصصا، واصبح لا بد للأبحاث العالية والألقاب العلمية العليا التي كانت الى وقت قريب مجرد آنية مزخرفة للعرض او لوحة زيتية للتشريف، من الانخراط في عملية انتاج المعرفة المطلوبة، وهو ما يعني تغييرا جذريا في دور الجامعة مفارقاً لما عليه الحال في عالمنا العربي. إن هذا الصراع يخفي جبهة علمية حقيقية يسعى في اطارها الاسرائيلي معززاً بالجهات الدولية لصرف المؤسسة الجامعية والمعرفية عن الضلوع في اي دور يساهم في صناعة القوة المحلية – على غرار ما يفعلون هم في اوطانهم –، وذلك من خلال اغراقها في جملة من العقود والاتفاقات المغرية ولكنها تؤول بالنهاية الى ناتج فارغ من المعنى. في المقابل ينبغي على المقاومة التنبه الى ما بامكان المختبر العلمي الجامعي ان يقدمه في ابحاثه الطويلة الامد شريطة ان تدار هذه الابحاث من قبل توجيه متخصص واع وجدي ومؤتمن على ان تؤدي المؤسسة المعرفية دورها الطليعي في تلبية الحاجات الجبهوية، وعليه يجب ان يكون لدى المقومة انكار مبرم وقاس لكل محاولة تهدف الى تحويل النشاط العلمي الوطني بكل مقدراته المادية والبشرية الى مجرد رتب ورواتب وتشريفات وتنفعهات وعليها في هذا السياق ان تكون قاسية النكال مع كل من تسول له نفسه الحصول على الشهادة العلمية بصرف النظر عن المضمون والمحتوى من طلابها المجاهدين او حتى متنفذيها من أي موقع كانوا أو أية صفة حملوا. لأن في ذلك خدمة للعدو وليس للأمة كما يحلو للبعض أن ينظر في هذا السياق.

 

العقد الاجتماعي:

بعيداً عن الجبهة العسكرية، وفي عمق المجتمع المدني وفي قلب الأحياء والأزقة يمكن أن تولد أنشطة مشبوهة وأوساط ملوثة أو تعقيدات اجتماعية تؤدي جميعها إلى خلق تشوهات انسانية لها قابلية عالية لاحتضان بذور العمالة أو على الأقل لتفتيت مجتمعها وإنزال الضربات الموجعة وغير المرئية فيه، فهي بذور عمالة أو هدم وكلاهما عداء سافر مزروعة بعيداً عن المكان الذي تدور فيه رحى المعركة ويسمع فيه القصف  والعصف والأزيز والهدير. إنها إذاً جبهة داخلية هادئة ولكنها لا تقل ضراوة عن الجبهة المشتعلة.

إن البناء عشوائياً وعدم الاكتراث بالتنظيم المدني والإستيلاء على المساحة الخضراء وبناء الأحياء المكتظة ليست كما يدعى خدمة جليلة للأمة وتمكين الفقير من شراء مسكن بسعر ملائم، إذ إن هذه التشوهات الحجرية سرعان ما تتحول إلى تشوهات بشرية، وذلك أن الاكتظاظ والعشوائية وعدم وجود ثقافة المرفق العام سوف يحول المجتمع إلى قطع متجاورة متنافرة متعادية يسود فيها منطق الإستقواء بالعائلة والعشيرة وما إلى ذلك، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع غياب – متعمد أو غير متعمد-  للسلطة الرادعة والقانون الذي يحفظ الحقوق. إنه مجتمع البداوة المتناحر سوف يولد من جديد، حتى لو كان سكان هذه المنطقة من الملائكة فإن تعقيدات هذه الفوضى الاجتماعية المكتظة أصعب من أن تدار من خلال الوعظ في المسجد وطلب التسامح في كلام هادىء ورقيق. موقف السيارة قد يتسبب بموت أو بإعاقة كفاءة علمية أو قيمة إجتماعية مرشحة للعب دور كريم في بناء المجتمع الصالح العزيز، كذلك يمكن أن يؤدي تقاطع طريق إلى وفاة مجاهد عجزت اسرائيل عن إدراكه، أو أسوأ من ذلك من الممكن أن تشتعل مشكلة على علم رياضي أو ما هو أتفه من ذلك ليكون ضحيتها من يعملون في مهمات شديدة الفعالية في عمل المقاومة الجهادي. هذا ناهيك عن بؤر الرذيلة وتعاطي الممنوعات مما هو فتك جماعي بمن كان يمكن أن يكونوا كمن سبقهم من أصحاب الكعوب العالية في صناعة النصر التاريخي للأمة.

إذا على صعيد الأمة هذه الجبهة تغنم اسرائيل مجاناً وتحصد من ضياع الشباب وميوعتهم وموتهم وانخراطهم في صراعات تافهة وعقدهم النفسية والاجتماعية المزيد من القوة وإحكام السيطرة وتنفيذ الخطط الجريئة واستقطاب وتجنيد المزيد من العملاء. لم تعد المقاومة مجرد حامية على الحدود تؤمر بإمساك السلاح فحسب وتحمل إليها المؤن وغيرها جاهزة للإستعمال والإستهلاك، بل هي دخلت على خط العمل السياسي الحكومي والبلدي والوظيفي للبلد برمته وأصبح ما تقوم به هنا وهناك عملاً يحسب لها أو عليها في ميزان القوة والضعف وليس في ميزان الربح والخسارة فحسب. للجميع الحق ربما بأن يفكر بميزان الربح والخسارة إلا المقاومة فإن أولويتها يجب أن يبقى ميزان الضعف والقوة لأنه مرتبط بوجودها أصلاً، وعليه فإن المقاومة في التزامها بالمبادىء والقيم الإسلامية أثناء القيام بعملها المدني فهي لا تقوم بذلك بدافع حيازة رضى الله والفوز بالآخرة فحسب بل إن ذلك الالتزام هو جزء من مقوماتها الدنيوية. وللإيضاح نقول لو قام أي متنفذ من خط المقاومة بأي عمل حكومي، مدني ، بلدي أو وظيفي بعيد كل البعد عن قيمه ورسالته، فإنه سيخلق حتماً جوأً من الاستنكار لدى فئات عريضة من الشعب، وسوف يسود حنق وسخط ورفض واحتقان وخيبة أمل من الخط المقاوم برمته وتصدر أحكام مضمرة بحق هؤلاء بأنهم كغيرهم عندما وصل إليهم الحكم والأمر. إن هذه الأمور تفتح أمام الاسرائيلي ثغرات مغرية للنفاذ والتجنيد وحبك المؤامرات، فالاسرائيلي يضع مجتمعنا برمته تحت مجهره الميكروسكوبي وهو يرصد بدقة فائقة حركة المزاج العام وأقل تغيراته ويكفي أن تلوح له علة في مكان ما من مجتمع المقاومة أو عقدة أو ضغينة أو إدمان أو احتقان أو أي خلل فردي أو اجتماعي حتى يستنفر لها كل ما يستطع من أجهزة التواصل والإغراء والتجنيد، ولو ساد نفور من أية ممارسة أخرى لأية جهة أخرى في المجتمع اللبناني حزبية كانت أو أهلية، لما كان لها هذه التداعيات الخطيرة.

لذلك فإن المقاومة هي الفرج المنتظر وعليها لذلك أن لا تصدم أولئك الذين انتظروها طويلاً وتحملوا في سبيل ذلك الصعوبات والتضحيات، عليها أن تقول "نعمها" التي تحمل العدل والإحسان والإستقامة والإلتزام للمجتمع وللحياة المدنية والإجتماعية. عليها أن تعيد تلاوة عهد علي (ع) إلى مالك الأشتر ولكن ليس في المساجد ودور الوعظ هذه المرة بل في بناء المؤسسات على قاعدة الكفاءة والتنافس بالسير الذاتية وتعريف السلم الوظيفي بمواصفات ومهارات بعيدة عن المحاباة والأثرة والخدمة وما إلى ذلك ويكون ذلك حصرياً بتنفيذ القوانين الضامنة للحقوق والعمل على تعديل تلك التي يمكن أن يكون بها بعض الميل والخلل.

إن في ذلك مرابطة وجهاداً ليس على الجبهة العسكرية ولكن على جبهة أخرى أكثر ضراوة وفتكاً ولا تقل أهمية ولا مرتبة - كما أسلفنا - عن الحرب المسلحة. وغير بعيد عن ذلك حركة المال في المجتمع، فإن في المال وحركته ما لا يخفى من الخظورة والتأثير على وضعنا برمته، وهنا نقول باختصار أن المقاومة معنية بأن تبقى حركة المال حركة استثمارية مفهومة، تعمل بانسجام تام بين حركة المدخلات والمخرجات لأن الأرقام البلهاء غالباً ما تفضي إلى انزلاق شامل وحينها لن يسلم قطاع أو جهاز انهارت أسسه التي يقوم عليها. إن هدم الطائرة المغيرة بحديدها ونارها هو هدم من أعلى إلى أسفل ولذلك فهو يمكن أن يكون محتملاً مهما بدا قاسياً ومكلفاً ولكن الأوبئة المالية والاجتماعية تهدم من أسفل إلى أعلى وهو لذلك هدم ليس إلى تحمله من سبيل.

 

الفنون الجميلة:

قامت المقاومة على ثقافة الزهد بالدنيا ونبذ مفاتنها والإبتعاد عن بهرجها وإغرائها وإغوائها والأنس بالشهادة وطلب الآخرة والإعتصام بحبل الله والتأسي بالنبي وأهل بيته وذكرهم والبكاء على مصائبهم. كل ذلك أدى إلى نشوء علاقة فاترة مع مساحات الفرح الاجتماعي والسياحة والفنون الجميلة كالرسم والمسرح والموسيقى والسينما وغير ذلك. وهذا ما لا يستطيع أن يعمر طويلاً، لأن حياة الإنسان هي كل لا يقبل الإستثناء على طول الخط، بإمكان أحد الناس أن يلزم نفسه بطريقة عيش خاصة ولكننا لا نستطيع ان نبني مجتمعا إلا من خلال أطروحة متوازنة يحصحص فيها المنكر لتجنبه والنهي عنه والمباح للذود عنه كحق مقدس للفرد والمجتمع للقيام بحياة ثابتة ومتوازنة. وبهذا فإن هتك الحرمات لا يزيد فداحة في إيذاء المجتمع عن تحريم الحلال والنهي عن مباحه. إن تدابير مؤقته في بيئات خاصة وشروط خاصة هي غاية ما يمكن أن يكون جدياً أو إيجابياً في هذا المجال.

إن المناسبات الفرحة كالأعراس وغيرها سوف تذهب بعيداً في البحث عن أطر وتقاليد لإحيائها إذا لم تقم المؤسسة الحاكمة على المجتمع بتوجيه متعمد نحو صيغة مقنعة وكافية تراعى فيها جميع الجوانب الشرعية والقيمية.

وكذلك الحاجة الدائمة إلى الترويح عن النفس لشحذ الهمة ومضاعفة الطاقة المنتجة في أوقات العمل والجد تعطي المرفق السياحي بعداً آخر غير اللهو التافه وغير الضروري كما نقوم بتعريفه والتعامل معه. فنحن نقوم بترك الشواطئ الجميلة والمرافق الاخرى لأولئك العابثين الذين لا يراعون حرمة في لباسهم وفرحهم وما إلى ذلك ونقنع بما قسم لنا نحن أهل الجد والإستقامة بأن نلصق في بيوتنا ونتحمل الحر والملل أو أن نذهب إلى أمكنة مهملة رثة ملوثة لنمارس فيها لوناً من ألوان الرياضة أو الهواية بعيداً عن مجاورة تلك المستويات الهابطة.

وما يشهد للمقاومة في لبنان أنها تنبهت ما للفنون الجميلة من التأثير على صناعة قوتها وصيانة مجتمعنا وحفظ رسالتها ومكانتها تربوياً وإعلامياً وما إلى ذلك. وقد قامت فعلاً باقتحام مساحات الفنون الجميلة كالإعلام عموماً والتمثيل والمسرح والسينما والموسيقى وأضحت تعد بحسب المال المنفق واحداً من أهم المنتجين المشغيلين لكبار الفنانين والملحنين اللبنانيين، وقد شرعت بذلك ببذر تعاريف عملية جدية لتنمية التراث والمحافظة عليه وتقديمه كإطار ملتزم لإقامة الأفراح والمناسبات السعيدة.

ولعل تطور الفنون في إيران كان ذا تأثير عال لتلك الجرأة الملفتة التي تميزت بها حركة دينية في ولوج هذه العوالم، وقد رعى العقل الفقهي المرجعي الحاكم في إيران هذا التطور في التعاطي مع عالم الفنون الجميلة رعاية خاصة، وقد رأى السيد الخامنئي أنه كان على اللغة الفتوائية أن تكون سباقة في رسم أطر المباح الفني بصيغتها الدقيقة لما لهذا القطاع من الأهمية في بناء الحياة الإجتماعية المتوازنة. ومما يمكن أن يكون مفيداً هنا الإشارة إلى إعطاء المرافق السياحية تعريفاً مختلفاً والمطالبة بحفظ حق تلك الشريحة الكبيرة من المجتمع البناني، فهؤلاء يجب أن لا يحبسهم إلتزامهم الديني في بيوتهم أو أن يجعلهم ظاهرة غريبة عن الاجتماع اللبناني، يجب العمل على أن يحفظ حق هؤلاء في الحصول على كل ما هو متاح لمن يحمل قناعات أخرى، وهذا التقسيم غير المكلف للمرافق السياحية العامة والمجانية لا يحتاج سوى لصناعة قرار مبني على أهمية هذه النظرة. سوف يستفيد العدو من كل ثغرة أو مساحة فراغ أو احتقان أو إرهاق نفسي أو اجتماعي وخصوصاً على صعيد الفنون الجميلة والمرافق الفرحة، من خلال الإندفاعة الواعية والمدبرة أو غير الواعية، للهاث خلف ما يمكن ان يكون كافياً لصرف اهتمام الشباب - بشكل خاص- عن حمل قضايا كبيرة والسأم من ترداد الشعارات العالية، لن يصبحوا عملاء بالضرورة بل هم الآن يبحثون عن إطفاء سأمهم المزمن بتتبع أعمال الفنانين وإفناء الوقت في تتبع أخبارهم.    

 

 

 

 

 

الخلاصة:

توجد إلى جانب الجبهة المسلحة عدة من الجبهات غير المرئية والبعيدة عن أجهزة الرصد والمتابعة، غير أنها بالرغم من ذلك أخطر وأدهى من الجبهة العسكرية، وذلك لأن هدمها يكون من أسفل  إلى أعلى وليس كهدم الحديد والنار من أعلى إلى أسفل وقد ذكرنا في هذه الدراسة عدة من العناوين التي لا تمثل كل ما يجب أن يذكر في هذا المجال، وفي جميعها نحاول أن نبين أن جبهات عريضة وخطيرة يمكن أن تمثل مدى حيوياً للمؤامرات الإسرائيلية، كما يمكن أن تمثل انتصارات مجانية تعطى للعدو على طبق من فضة مستفيداً من جملة التعقيدات والعلل الداخلية إذا لم يتم التنبه لها والتعامل معها بمنتهى الحزم والجدية.

الله من وراء القصد وهو ولي التوفيق

أمين سعود الساحلي

أستاذ في الجامعة اللبنانية