أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> الشباب ضرورة تغييرية تابعة

الشباب ضرورة تغييرية تابعة

 

 

كثيراً ما يرتبط التغيير كتصور ذهني بمعان وتصورات أخرى كالإنقلاب والغلبة والقهر والقوة والضجيج وغير ذلك . ولقد تعزز هذا الإرتباط عبر تاريخنا الطويل من خلال ما عرف عن التحولات التاريخية التي قامت بأكثرها على أسس بدائية ، حيث قامت على القهر والغلبة في حالات الحرب أو على مبدأ الوراثة في حال السلم .

 

ولهذا شبّه للكثير من المنظرين السياسيين والإجتماعيين أن التغيير يحتاج بشكل أساسي إلى عنصر الشباب لإحراز خطىً أكيدة واثقة منتصرة ، حيث ان الشباب يحملون في خصائصهم القوة والإندفاع اللازمين لإحراز التغيير .

وبالفعل كان باستطاعة كل ما امتلك عصبةً من الشبان المتحمسين الأقوياء أن يقلب الموازين المتبعة وأن يطيح بما هو معمول به وأن يرسي ما يراه هو صواباً، وكان يعتمد كثيراً هذا الصنف من المغيرين على نفخ هذه الروح الشابة ووضعها فوق كل اعتبار : "إن فيكم لقوىً لو فعلت لغيرت مجرى التاريخ"[1] .

 

غير أن الباحث المتأمل يستطيع أن يفرق بدقة وبحزم بين مفهومي التغيير والإنقلاب ، إذ ربما صح ان يقال ان الإنقلاب لا يحتاج تحققه إلى أكثر من القوة والحماسة والإندفاع ، وذلك بصرف النظر عن مرتكزاته القيمية والحضارية . هذا في الوقت الذي لا يكون التغيير تغييراً بالمعنى الدقيق للكلمة إلا إذا استوفى شروط الإرتكاز إلى الأسس العلمية الطبيعية السليمة ، ومشى بحركة موزونة محسوبة لا بحركة فوضوية مربكة متخبطة .

 

يقول Bacon "إذا أردت أن تتأمر على الطبيعة فعليك بالإستسلام إلى قوانينها"[2] . إن التغيير يقوم أساساً على استنباط ما يجب الإلتزام به من المبادئ والقوانين ثم يلي ذلك في الأهمية ما يحكى عن الحاجة إلى القوة لاعتماد هذه القوانين ونقلها إلى حيز الفعل والتأثير .

 

ولهذا لن يكون الجديد في كلامنا هو المزيد من دعم الارتباط المألوف بين مفهوم التغيير وبين الشريحة الشابة من شرائح المجتمع ، بل إننا نريد أن نرسم بعنايةٍ الجزء المخصص لهذه الشريحة في ماكنة التغيير الكبرى .

 وغني عن القول ان تعطيل هذا الجزء هو تعطيل للآلة برمتها وإيقاف تام لمسيرة التغيير والتحول ، لكن الذي أصبح بحاجة إلى إعمال نظر هو أن رسم هذا الجزء بحدود جديدة أوسع مما يستحق يؤدي إلى تعطيل او إضعاف اجزاء حيوية أخرى وهو ما قد يؤدي إلى نتائج أخطر من إيقاف عملية التغيير ، وذلك مثل أن ينتج هذا التغيير أمراء يحكمون باللعب وبالمزاج والرأي المتسرع الأخرق الأحمق ، فينكفئ حلم التغيير على وجهه ويسير إلى غير وجهته منتقلاً بشكل معكوس منكوس من الحالة الصعبة المرة إلى الحالة الأصعب والأكثر مرارةً .            

إن التغيير يجب أن يتكون في رحمٍ هادئٍ ساكن قبل أن يقفز إلى عالم الضجيج والصخب والعنف ، وهو كأي مولودٍ ترتسم أكثر ملامحه في مرحلته الأولى تلك. ففي هذه المرحلة يبدأ الفكر النافذ والحكمة الراسخة الأمينة بقراءة الواقع ووضع كل شئٍ في موضعه من أجل ان ترتسم الصورة أمامه في صيغتها الأدق ، مهما كانت هذه الصورة تعيسةً أو مشوهةً وذلك لأن الحكمة لا تخدع نفسها ولا يمكن ان تصور لنفسها القبيح حسناً والقريب بعيداً .

قد يكون أثر هذا الكلام في عملية التغيير لغير صالح إعطاء الشريحة الشابة الموقع الأساس . إن ما نصبو إليه هو إعطاء هذا الجزء دور الجزء الضروري بإمتياز ولكن بصيغة تابعة لما يمكن أن يوجد عند غيره ، لا بصيغةٍ مستقلة معزولة .

 

 نستطيع أولاً أن نجد هذه الصيغة بعينها في ما تشير إليه وجهة النظر الإسلامية المنتزعة من السياق التالي :

طلب العلم والسؤال عنه هو من التكاليف الأصيلة التي كلف بها الإسلام كل إنسانٍ في مسيرة حياته وفي مواجهته لجملة التحديات فيها ، فهو مأمور أولاً بأن لا يسير بغير علم "ولا تقف ما ليس لك به علم ..." (الإسراء 36) ، وهذا النهي جاء مقروناً بواجبٍ آخر هو السؤال عن العلم "فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون" (الأنبياء 7) . إذاً العلم صفة ضرورية يجب أن يتحلى بها كل عاملٍ في مشروع تغيير أو إصلاح . والسؤال هو هل لصفة العلم هذه صلة بمرحلة عمرية محددة ؟ إن إشارة جملة من الآيات الكريمة لوجود صلة أكيدة بين العلم والمراحل العمرية ليضع أمامنا الصيغة آنفة الذكر بشكل واضح . فلقد تحدثت هذه الآيات عن طرفي العمر بطريقة وأوصاف متشابهة ، إذ يقول تعالى "الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً" (النحل 78) وقال أيضاً "ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً" ( النحل 70) ، وفي هذه الآية الأخيرة إختيرت صفة عدم التعلم من جديد كعنوان وتفسير لصفة أرذل العمر . ثم بيّن تعالى أن النقطة الأسمى بين هذين الطرفين المذمومين هي نقطة بلوغ الأشد وهي أيضاً نقطة مقرونة بالعلم والإستواء والنضج والحكمة . يقول تعالى "ولم بلغ أشده آتينه حكماً وعلما"ً ("يوسف 22) ، "ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً (القصص 14) . وإذا حاولنا أن نتلمس الموضع الدقيق لهذه النقطة (بلوغ الأشد) سنجد أنها في غير صالح مفهوم الشباب كما هو شائع اليوم إذ يقول تعالى "حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني ..." (الأحقاف 46) وفي ذلك إيحاء  بأن المرحلة العمرية الأكثر نضجاً ولياقة لحمل العلم اللازم في مواجهة تحديات الحياة هي مرحلة ما بعد الشباب بالمعنى المتعارف ، وهؤلاء مكلفون إذاً باتباع أهل هذه المرحلة الذين هم أهل العلم والحكمة وهذا دأب نجده في بعث أكثر الأنبياء (ع) .

 

 

 وحتى يتسنى لنا رؤية هذا الأمر بالمزيد من الوضوح سوف نستعرض بعض النقاط الأساسية فيما يتطلبه التغيير .  

 

أ- القراءة الحكيمة للواقع المأساوي موضوع التغيير:

 

إن الحديث عن المأساة مهما كان قاسياً ومحبطاً ، فهو ضروري جداً حينما يكون حديثاً واقعياً شريفاً ، وذلك أن إغماض الجفون عن وجود الخطر لا يلغيه . إن الإنسان الطامح الذي يحب واقعه ويسعى به إلى مستقبلٍ زاهر لا بد له أن يرى هذا الواقع على حقيقته قبل أن يخطو أي خطوة ، ولهذه القراءة أثر كبير يتحكم بمستوى نجاح أو فشل مسيرته . إن ستر العيوب لا يكون بالأقنعة ، بل على العكس يتم من خلال الجهد المبذول للإصلاح في أكثر أشكاله نصوعاً وبراءةً وتصارحاً.                                                                                        

ولذلك فإن القراءة حينما تكون صريحة وصادقةً ، لن تقود إلى الإحباط واليأس مهما كانت مرةً وتعيسة ، بل على العكس من ذلك ستجد الشعلة لها في مداد الألم ما لن تجده في واحات الرخاء ، وستحفز المأساة في قلب الضعف عبقريةً وعزيمةًً تضعه فوق مقاييس القوة وقوانين الشدة ، وستفتش الجوارح التي كويت تحت نار البؤس عن الأدوية ووسائل العلاج في تحرٍ هو الأدق الأعمق والأكثر صدقاً ورهافة .                                                                        

وأول ما سوف يتحلى به حامل لواء التغيير في قلب المأساة ، والمبتلي بمختلف العثرات والضياعات والإخفاقات ، أول ما سيتحلى به هو الإقلاع عن المعتقد الفارغ بالعصا السحرية التي ستلقف كل ما لديه من المشاكل مبقية على واقعٍ لا يشوبه أية شائبة . سيجد نفسه مرتاحاً في تسليمه لقوانين التغير والتغيير في الطبيعة ، من غير أن يكترث بقصر باع مفرداته أو بتنكس أعلامه أو بخفوت نبرته . سيعمل بإصرارٍ لا عناد فيه ، وحماسٍ لا إنفعال فيه ، وحلمٍ لا خيال فيه، وعزيمةٍ لا شبهة فيها ، وانطلاقٍ لا تهور فيه ، وعنايةٍ لا جبن فيها ، سيكون قانعاً بالحقيقة فهي أكبر أسمائه وأعز ثروته وأقوى قوته ، فهو لا يخترع ولا يزين ولا يشبّه .                                                                          

                                                                        

إن تغييرياً جاداً مقتنعاً بان الحل لن ينزل بصيغة سحرية تمر مرور البرق ، بل هو هدف سيكون دون الوصول إليه الكثير من العقبات والتحديات التي لن يتم تجاوزها بغير أدوات التغيير المستلة من نفس قوانين الطبيعة بمنتهى التسليم والإستسلام , سوف يبحث عوضاً عن الحل ، عن الطريق إلى الحل وهذ الطريق مهما كان طويلاً فإن من الممكن إجتيازه طالما ان له خطوةً أولى فما هي خطوة هذا الطريق الأولى ؟                                                                

 

ب- الإخلاص للهدف:                                                            

 

ويكون ذلك أساساً بعدم تحويل الإنخراط في العمل التغييري السياسي والإجتماعي إلى فرصٍ سانحةٍ يجب إنتهازها لتحقيق مكاسب وامتيازات متنوعة . حين ذلك سيكون العامل طامحاً لأجل ذاته ولا علاقة له بمعانٍ كالتضحية والبذل والخدمة والمسؤولية الحقيقة ، سيكون أيضاً سباقاً إلى اكتشاف الثغرات التي يمكن أن يتسرب من خلالها بطموحاته وهو أيضاً يعمل متملقاً على خطب ودّ مواقع النفوذ  والقوة بضمير باردٍ ميتٍ .                                                      

والعمل التغييري مهما كانت شعاراته ساميةً ، فهو لا يلبث أن يتحول إلى مؤسسةٍ ذات شكل هرميِ تتحول فيه المواقع إلى فخوخٍ واستدراجاتٍ تحاول أن توقع من خلال بريقها بطهارة الروح لدى العامل ، فيتعثر منحرفاً عن اتجاهه الأصلي نحو اتجاه جديدٍ يسير إلى خدمة الذات في منحىً أناني تعسفي . وعليه فإن حمل ألوية التغيير لسلاح ذو حدين ، فهو ضرورة بحسب منطق الطبيعة والواقع ، وشرك لما سيشتمل عليه من صفات الإغراء المتعددة ، ولذا فإن عثرة العامل في إطار مشروع ما ستسقط ذلك المشروع على رأسه وعلى رأس كل من يعمل معه ، وذلك لن يكون نتيجةً جزائيةً بل هي في الواقع نتيجة طبيعية تنتجها القوانين النافذة في طبيعة الأفراد والمجتمعات .                                                 

 

وهكذا نرى أن صفة الإخلاص من الصفات الكريمة التي اهتم القرأن الكريم بإبرازها لدى الأنبياء (ع) بصيغ متعددة "واذكر في كتاب موسى أنه كتاب مخلصاً ..." (مريم 51)

 

 ت- الإستعداد للتضحية:                                                     

 

يتكون في رحم هذا العامل بالذات غالبية الواقع القادم مع الغد الموعود ، ولذلك فإن الإنتماء إلى مشروع تغييري والإنخراط بتحقيق الحلم الجميل لن يكون جدياً بتاتاً بدون الإستعداد المذكور للتضحية . وليست التضحية كلمةً رومنسيةً أو طقساً من طقوس جلد الذات وهدم الأنانية وتشرفاً بالتفرد في جحد قانون الطبيعة القائم على أساس التعادل والتكافئ . إن التضحية بهذا المعنى لن تكون إذا وجدت سوى عقدةٍ تقتل نفسها بنفسها من دون أن تفتح أي بابٍ من أبواب الأمل للآخرين . غير أن التضحية اللازمة لن تكون سوى الثمن الأغلى الذي يرضى بدفعه من يسعى إلى الأكثر جودةً والأفضل قيمةً ، ففيها إذاً معنىً من معاني التبادل والتعادل على خطٍ ومستوى أعلى من المعتاد ، وكأن المضحي بنفسه بالمعنى الثاني أكثر إلحاحاً للوصول إلى ما يبتغي الوصول إليه من الهدف ، وهو لذلك أكثر جديةً ودقةً في وضع الثمن المناسب في كفة الميزان حتى يكون الرجحان لصالحه . ولعل هذا الثمن الكبير هو ما تشير إلية الآية المباركة "وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين" (الشعراء 109)                                            

التضحية إذاً ضرورة من ضرورات التغيير لا على قاعدة أنها مبالغة في جلد الذات ، بل على أساس أنها الثمن الأدق لبضاعة وقفت نفسها للذين يطلبونها بهذا الثمن ، فتكون إذاً وسيلة الراغب وغاية الساعي وقرار الإلحاح .                

 

 

 

ث- البصيرة والوعي:                                                         

 

ليس في عملية التغيير عنصر أهم من عنصر التبصر والوعي ، وليس المقصود بالوعي هنا هو ما يقابل بالضبط معنى الجهل ، حيث لا يكفي أن يحوز العامل على جملة من المعارف حتى ينطلق في مسيرته التغييرية بنجاح . بل الوعي هنا هو إعطاء كل معرفةٍ شكلاً فعلياً مؤثراً مستمراً ، وعليه لن يكون الجهل هو الخصم الوحيد في الساحة ، بل ستتعاون كل عناصر السلب كالهوى والمصالح الدنيئة والكسل والتبلد وغيرها لتشكل حاجزاً يعترض طريق الوعي المتجه من عالم المجردات إلى عالم الفعل والتأثير . ولن يكون من المبالغة القول أن هذا الوعي المطلوب لتوفير أساسٍ تغييري متين ، لن يستطيع أن ينأى بنفسه عن مؤثرات الواقع المطلوب بتغييره ، فسوف لن يسلم في أحسن أحواله من جملة من التشوهات التي تضطر صورته مرغمةً لحملها والقبول بقبحها . ولا يوجد هناك وعي يؤثر ولا يتأثر ، يشكل ولا يتشكل ، إلا ذلك الذي جادت به مصاريع الرحمة السماوية في مدارس الوحي عبر التاريخ .[3]                                       

 

 

قد يضاف إلى ما ذكر الكثير من النقاط ، غير أن ما ذكر يعطي الإنطباع الكافي الذي نريد إثباته عن دور الشباب الأكيد في عملية التغيير فهم المندفعون للإنخراط في العمل التغييري بالإخلاص المنقطع النظير وهم المستعدون للتضحية بإمتياز وهم سيكونون الأكثر إستجابة للمنطق السليم والحكمة العالية التي وإن كان غيرهم أقدر منهم على إستعمالها وإحترافها ، غير أنهم مهيؤون جداً لطاعة وإلتزام وتطبيق ما قررته هذه الحكمة وما سنّه هذا الوعي من الرؤى فهم سفراءه من عالم القيد والتنظير إلى عالم التأثير والفعلية والواقع .

إذاً وبكلمة الشباب ضرورة تغيرية كبرى بصيغتها التابعة لا بصيغتها المستقلة التي يمكن أن تؤدي إلى نكسةٍ في المشروع التغييري برمته . وقد نجد ما يشير بوضوحٍ إلى هذا الترتيب في مضمون الآية التالية التي سنختم بها كلامنا "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز" (الحديد 25)

 

 

 

                                                          د. أمين الساحلي

                                                   الجامعة اللبنانية - كلية العلوم

 

 


 

[1]   أنطون سعادة في أحد خطاباته

[2]   الإنسان ذلك المجهول ألكسيس كارل

[3] أ-ب-ت-ث أخذت من "نحن من الداخل" للكاتب