أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> الدولة الدينية و عصر الغيبة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدولة الدينية و عصر الغيبة

 

يقدم الفكر الديني نفسه كأطروحة حلٍ مثالية لجميع ما يعترض الإنسان ، أو يمكن أن يعترضه ، من مشكلات في جميع أدواره ، وهو يحمل في تعاليمه ومقرراته كل ما يمكن أن يدفع الإنسان إلى الكمال والسعادة .

وعليه فهو متمم لتجربة الإنسان وزائد على خبرته ومناقض لمزاعم جهلة وأهوائه، وبكلمة فهو البديل المفروض عقلاً لخطط الإنسان وأفكاره الوضعية .

 

لقد كان في هذا الرأي وما يقابله من آراء تدفع جملة الفكر الوضعي لاستبعاد الأفكار الدينية ، الكثير من عناصر التنافر مما جعل منها المساحتين الأساسيتين التين تقاسمتا تاريخ الفكر والحضارة .

 

إلا أن الباحث المتتبع يجد ثمة تداخلاً يجعل من مسألة ترسيم الحدود بين الخطين ، أمراً أكثر تعقيدا من المتوقع ، حيث أن الوحي لا يحمل تراكيب وآليات جاهزة للتوظيف كي يستطيع المؤمن أن يستغني عن ذهنه ويبقي على طاعة تنفيذية تمنحه السعادة والعيش الرغيد ، فقد لا نجد أحياناً في كلمة الوحي سوى الحد والضابطة التي ينبغي العمل في إطارها وجعلها قاعدة الإبداع والانطلاق .

 

في هذا السياق ، نحاول إثارة بعض التساؤلات الخاصة بواحدة من أهم قضايا التشريع وهي مسألة الحكم والإدارة .

 

لقد حمل لنا التاريخ القديم نماذج وأشكالاً متنوعة من الحكومات ، وكان البعض منها مستنداً إلى أحكام ومقررات نظرية مثبتة يفصل فيها الحديث عن الحكم والحكام وعن الآليات التطبيقية التي يجب أن تعتمد في تنفيذ هذه المقررات .

 

فعلى صعيد الخط الوضعي ، كان هناك الكثير من التشريعات – منذ أيام الإغريق واليونان – بحثت في أصل مسألة الحكم وآليات صناعة الحاكم وبسط الدولة وإجراء القوانين ومختلف قضايا العدالة الاجتماعية .

 

أما على صعيد الفكر الديني فإنما يقدمه التاريخ هو تشريعات وأحكام في مختلف قضايا المجتمع ، وهو حصيلة ما نزل به الوحي أو جرى على لسان ( المعصوم ) الذي كان الرأس المطلق في بناء الدولة الدينية .

 

إذن فالفرق بين التراثي الوضعي والديني في مسألة الحكومة واضح ، حيث أن إقامة الدولة في الفكر الديني هو العمل على تمكين (المعصوم ) من بسط نفوذه وكلمته على جميع مرافق المجتمع ، لتصبح كلمة الوحي الممثل فيه ، هي الكلمة النافذة ، وهذا الطرح منسجم تماماً مع الاعتقاد بعصمة الوحي وكماله الذي يقضي بأن قانون البشرية الأمثل هو قول ( المعصوم ) وفعله وتقريره .

 

أما الفكر الوضعي فهو لا ينطلق من مقدمات كهذه بتاتاً ، وعليه فإن العقدة الأولى التي تواجهه هي في إنتاج آلية صناعة الحكم والقانون وفقاً لخطط نظرية تكون هي المحور الأساسي في بناء الدولة .

 

ومع أن دولة الاستبداد والقهر والغلبة هي أيضاً نموذج من الحكومات البشرية الوضعية ، يصبح فيها قول الحاكم وفعله وتقريره وحتى مزاجه قانونيا مقدساً يحرم المساس به تحت طائلة القهر والإلغاء ، فإن هذا النمط يجب أن يستثنى لأن الحاكم هنا لا يستند في حكمه إلى فكر حضاري ، فهو يمثل شكلاً من أشكال الوحشية المقننة بذكاء الإنسان .

 

والسؤال هنا ما هي الخطة النظرية التي وضعها الفكر الديني في عصر يغيب فيه (المعصوم ) وهو ما نسميه اصطلاحا : عصر الغيبة ؟

أو بكلمة أخرى ما هي القاعدة التي يجب أن يستند إليها المجاهد الساعي لبناء الدولة الدينية في مقابل الدولة الوضعية الأخرى في عصر لا يكون فيه           (  المعصوم ) ؟

 

قد يمكن حصر الاحتمالات لدى معالجة هذا السؤال في الاحتمالين التاليين :

 

1-إن الفكر الديني يؤمن بحقيقة مفادها أن علاقة السماء بالأرض لا يمكن أن تنقطع ، بمعنى أن المعصوم وهو نبي أو وصي لنبي حاضر دائماً في مختلف العصور والأحقاب ، ينبغي التصديق به والدعوة إليه ويكون هذا هو الأساس المنطقي لبناء الدولة الدينية ، وهذا ما يفسر غياب الشروح التقنينية لآليات صناعة القانون والحاكم في التراث الديني ، حيث تستبدل جميعها بالعمل على تنصيب مفترض الطاعة في موقع الولاية والأمر ، ليتمكن من خلال قوله وفعله من إظهار قوانين الوحي وتشريعاته في مختلف شؤون الحياة .

 

وقد يكون هذا الاحتمال مؤيداً بتلك الكثرة من الأنبياء والرسل التي جاء الحديث عنها في الكتب السماوية مع إشارة موجزة أن الكثير من قصصهم وأحداثهم ضاع ولم يحمل إلينا التاريخ منه شيئاً ، كما أن بعض هؤلاء الأنبياء قد اضطهد وقتل أو سجن ، وهو ما يعني هزيمة لطرح الدولة الدينية في مقابل الدولة الوضعية في تلك الحقبة من الزمن ، وهذا يعني حضور الطرح الديني على مساحة وإن بصورة مهزومة ، وعليه فلسنا نستطيع الإثبات أن حقبة ما كانت خالية من       ( المعصوم ) في أمة بسبب احتمال سقوط الحدث من ذاكرة التاريخ أو بسبب هزيمة الطرح الديني في مقابل الدولة الوضعية التي سوف تتمكن منفردة من تسويد صفحات التاريخ .

 

لا نريد مناقشة هذا الاحتمال من جهة عمقه العلمي والفلسفي ولكننا سوف نقوم باختباره من خلال دراسة واقعنا الحالي على ضوء معطياته ، فنطرح ببساطة الإشكال التالي : من هو ( المعصوم ) في عصرنا الحالي ؟ .

 

لسنا نحتاج إلى الكثير من الجهد حتى نثبت أن جميع النحل الدينية الحالية لا تؤمن بوجود معصوم ظاهر يمكن أن يكون على رأس نهضة تغييرية في العالم ، فهي أي النحل الدينية – بين قائل بمعصوم غائب مستور كالعقيدة المهدوية عند المسلمين  أو قائل بعدم وجوده كالكثير من الأديان الأخرى . وبشكل هذا الواقع في جميع أحواله نقضاً بيناً لما تم طرحه في الاحتمال السابق .

 

وقد يجاب على ذلك بالقول أن غيبة المعصوم هذه هي غيبة مفروضة تعود إلى ظلم كبير لحق بالمؤمنين وحال بينهم وبين مولاهم وتركهم عزلاً من التشريع في حيرة من أمرهم ، تماماً كحبس مجموعة من الأفراد والقطع بينهم وبين الخارج ، فإن هؤلاء لا شأن لديهم إلا كسر القيود والخروج إلى الحرية ، ويصبح الحديث عن التشريع في واقع كهذا ضرب من اللغو ليس إلا .

 

ولكننا لو قبلنا – بناء على هذا المثل الأخير – أن هذا هو التصور الأدق للواقع الحالي ، فإننا لا نعفي الفكر الديني من مسؤولية أخذ هذه الحقبة بالحسبان وإدخالها مسبقاً في نظام تشريعاته النظرية ، واضعاً لها الخطة المناسبة التي تكفل للمؤمنين بصيرة هادئة على طول الطريق ، خصوصاً إذا طاولت هذه الحقبة عشرات أو مئات الأجيال .

 

كما أن من القبيح عقلاً أن يدعى المؤمنون إلى الثورة على القيود الظالمة من غير منظومة دقيقة لبناء الدولة – المؤقتة – التي تستطيع الصمود والتصدي في عالم لا محل فيه إلا للكيانات العظيمة والمؤسسات الكبيرة ، بوصفها الوسيلة الوحيدة التي توصل المجاهدين إلى شاطئ الأمان .

 

2-أن تكون الغيبة مسألة معترفاً بها في التنظير الديني ، على أن تكون الحقبة التي وقعت فيها الغيبة التامة محكومة بالضوابط الدينية فتصبح مسألة الحكم والإدارة شأناً إنسانياً بحتاً يبدعه على طريقته ، مناسباً لحاجاته وظروفه ، ولكنه يكون في كل ذلك ملتزماً بالضوابط الدينية .

 

وتؤمن هذه الفكرة أن الدين لا يريد أن يلغي وظيفة العقل ، ولكنه يريد أن يحد هذه الوظيفة الإبداعية بالضوابط التي تسدد ولا تقيد ، فهي إذا تؤمن بتكامل بين التعاليم الدينية والوظيفة العقلية البشرية وتتحدث عنهم في سياق متماسك ومتحد ، فالعقل يرى الحدود والتعاليم الدينية عوناً مساعداً في التسديد والهداية ، لا قيداً أو حائلاً بينه وبين الحقائق ، كما أن روح الدين لا ترى في النشاط الذهني عملاً مريباً منطلقاً دائماً من مآرب مشبوهة ، أما الأثر الفعلي والترجمة العملية لهذه الرؤية فهي تتلخص بما يلي :

 

أ-لا بد في أجل إعطاء الضوابط الدينية صفة الهيمنة على جميع الأنشطة البشرية أن تحدد الجهة التي تملك الفهم الأدق لهذه الضوابط ، وذلك لجعلها الرأس في بناء الدولة الدينية .

 

ب-أن يتم التعاقد والاتفاق على الآلية التي تقوم بهذا التحديد المذكور ، وتسفر عن العنصر الأهم ، لا بل الأساس لبناء الدولة .

 

ج-إطلاق الفكر المتخصص في شتى الميادين سعياً وراء المؤسسات والبرامج التي تسد حاجات المجتمع وتكفل له الحياة المزدهرة .

 

وقد يشكل على هذه النظرية كما يلي :

 

أما أولاً : فإن الفكر الديني يعرف بإتقان لغة الإلزام ومفرداتها ، أما " التوافق " فهو أمر غامض وغير معروف ، هل هو التوافق التام الذي يستوعب كل أفراد المجتمع ؟ أم هو تعبير عن توافق لأكثرية حسابية ؟

 

فإذا كان المقصود هو التوافق التام ، فالأمر إذا غير واقعي ، لأن تحققه أقل من النادر ، فإذاً لا بد أن يكون المقصود من التوافق هو المعنى الثاني ، والسؤال هو كيف يصبح هذا التوافق ملزماً للأقلية الباقية ؟ أو بطريقة أخرى ، هل لهذا الإلزام مبنى ديني فقهي أصولي معتبر ؟ .

ويزداد هذا السؤال أهمية حينما تكون نسبة التفاوت بين الأقلية والأكثرية نسبة ضئيلة %2 أو أقل .

 

ويجاب على هذا الإشكال أن المناط بالتوافق هو تعيين وتشخيص الجهة التي تحمل الأوصاف التي بت بها الإلزام الديني في مقرراته النظرية ، فالمراد منه إذا هو حسم الخيار حيث يتردد الأمر بين أكثر من مؤهل لهذه المهمة وفق المعايير النظرية الدينية .

 

ويمثّل هذا الحسم مقدمة ضرورية لمسألة إقامة الحكومة ، وعليه يصبح الالتزام بضرورة إقامة الدولة الدينية مدعاة للالتزام بجميع مقدماتها وإلا أصبح اعتقادا لغوياً مستحيلاً في الفكر الديني ، فلا بد إذاً من الالتزام بتقنية تسمح بترجيح البعض على البعض الآخر من أجل اختياره ، وذلك كتقنية الانتخاب أو القرعة أو غير ذلك ، ويكون الإلزام متفرعاً على الإلزام الأول بضرورة إقامة الدولة .

 

ومهما يكن من الأمر فإن ما سبق يفضي إلى ضرورة الاعتقاد أن عصر الغيبة هو عصر تطاوله النظرية الدينية للحكم والإدارة ولا يجوز الاعتقاد أن عصر الغيبة – على طوله – ساقط من حسابات وتخطيط النظرية الدينية .

 

ولكن بحثنا هذا يريد أن يؤدي إلى أن الدولة لا تبنى في عصر الغيبة بناءً على إعطاء شخص أو جهة معينة صفة القداسة ليصبح قولها ، فعلها وتقريرها قوانين نافذة في كل شؤون المجتمع ، مشابهين بذلك معنى الدولة الدينية بحسب التوضيح السابق .

 

وهكذا تتخذ الدولة الدينية في عصر الغيبة لها شكلاً آخر يقوم على تداخل وثيق بين الجهة المختصة بمعرفة القواعد والضوابط الدينية المسلمة وبين فريق المتخصصين في العلوم الوضعية المختلفة فترفع صيغة التداخل هذه من الأذهان صورة التضاد والتنافر التي أصبحت ملازمة لهذين الاتجاهين ويجعل من التكامل بينها أمراً معقولاً .

 

إن المسلمة الدينية تصبح في نظام الدولة في عصر الغيبة نصاً دستورياً مقرراً واضحاً وهو في تناول الجميع ، أما الجهة المتخصصة في العلوم الدينية والتي قلنا أنها يجب أن تكون على رأس إدارة الدولة وفق التزام بالمقدمات والنتائج ، فهي تعمل على تمكين القواعد الدينية من التحكم بجميع أنشطة المجتمع وذلك من خلال مؤسسات دستورية عامرة بجميع الكفاءات والاختصاصات الأخرى ، وليس من خلال قول لا يناقش ، يرتفع عن كل مسألة ومحاسبة ، فالإدارة الدينية ملزمة هنا في اتخاذ قراراتها في القبول أو المنع من خلال المؤسسات الدستورية المتخصصة حتى تكون قراراتها مبررة ومقبولة .

 

فلو أقيم على سبيل المثال نشاط مالي في إطار الدولة الدينية وكان يقوم على أساس نظرية اقتصادية وضعية ، كإقامة بنك أو مشروع استثماري ذي طابع معقد ثم لم تجد الجهة المتخصصة في المؤسسات الدستورية فيه أي خرق للقواعد الدينية وذلك من خلال تقديم دراسة مفصلة عن هذا النشاط تبيح للإدارة الدينية القول بخلوه من أي خرق للقاعدة الدينية ، والحكم بالتالي بإقامة هذا النشاط ، وعليه تصبح هذه النظرية الاقتصادية الوضعية أصلاً – دينية لا بالمعنى التنزيلي ولكن بمعنى أنها عمل مشروع في إطار الدولة الدينية .

 

إن هذا المثل الأخير وغيره يوضح إلى أي مدى يمكن أن يكون التداخل بين الديني والوضعي بناء في زمن الغيبة ، بل هو أكثر من ذلك أمر ضروري مرتبط بشكل وثيق بالمقدمات الخاصة بهذا الزمن دون غيره .

 

إن التقليل من قداسة الإدارة الدينية بالمعنى الذي ذكر لا يقلل من قيمتها ، بل هو على العكس تماماً يضع بين يديها أمانة مجتمع بأسرة ولكن بعد أن يرسم لها الإطار الطبيعي المشتق في معطياتها هي دون أي زيارة .

 

ونلخص ما تم استنتاجه في هذا البحث بما يلي :

 

إن عصر الغيبة هو عصره له خطة في الحسابات الدينية ، فهو محكوم من الناحية النظرية – بدولة ذات إدارة دينية تحكم على أساس مسلمات دينية مقروءة ، واضحة وتحاسب على أساسها وتعتمد في كل ذلك مؤسسات دستورية عامرة بالكفاءات المتعددة وهو ما يفضي إلى نوع من التداخل بين المنزل والوضعي ليكون هو الأساس الوحيد لبناء الدولة الدينية في عصر الغيبة .

 

 

أمين الساحلي                             

الجامعة اللبنانية – كلية العلوم