أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> بحث حول القطع

بحث حول القطع

 

 

1- تعريف علم الأصول 

 

إذا كان الإستنباط هو العمل الذي يقوم به الفقيه للوصول إلى الحكم بالإستناد إلى مصادره المقررة ، فإنه وأثناء ممارسته لعملية الإستنباط هذه في أية مسألة من المسائل ، يجد نفسه معتمداً على جملة من القواعد المحددة التي تتكرر في كل مرة. فعلم الأصول إذاً هو العلم بهذه القواعد التي يشترك اعتمادها في كل عملية استنباطية لأي حكم من الأحكام .

 

وحتى يتضح هذا التعريف ، وقبل أن نضرب مثلاً فقهياً ، سوف نعتمد مثلاً من مجال آخر وهو الرياضيات ، فالنظريات الرياضية على اختلاف موضوعاتها تعتمد على القواعد المنطقية ذاتها ، كمبدأ الثنائية أو مبدأ عدم التناقض أو غير ذلك.

 

تقوم هذه القواعد بتحديد وجهة سير الإستدلال إنطلاقاً من حقائق مسلمة ، فهي بمثابة قانون لسير تحليلي واستدلالي يتحرك في أكثر من اتجاه ، ولذلك فإن الحكم على نتيجة ما بالصحة لا يكون إلا من خلال التحقق من موافقة مسار الإستدلال لكافة الضوابط المنطقية التي تجب مراعاتها . فالقواعد المنطقية هذه بالنسبة للرياضيات هي تماماً كالقواعد الأصولية بالنسبة للفقة .

 

نعود الآن إلى مثل من الاستدلال الفقهي حتى يتركز المفهوم في الذهن بشكل تام ، فنجد مثلاً عندما يتلى قوله تعالى "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها" ، فإن الفقيه يحلل كالآتي :

1-      إن الآية تستعمل صيغة الأمر .

2-      إن دلالة صيغة الأمر بحسب البناء اللغوي هي الوجوب (ظهور الوجوب).

3-      إن الظهور حجة ، أي ما يظهر لغةً من المفردات والجمل المستعملة يعبر بالضبط عن إرادة الشارع وعليه فإنه يجب الإلتزام به .

 

بناءً على هذه النقاط (القواعد) فإن الفقيه يحكم بوجوب رد التحية . إذاً فدلالة صيغة الأمر على الوجوب وحجية الظهور قاعدتان مستقلتان عن موضوع التحية سمحتا بالانتقال من مرحلة إلى أخرى في عملية الاستدلال الموصلة إلى الحكم بوجوب رد التحية ، وهي بالامكان طبعاً أن تساعد في استدلال آخر بالتوصل إلى حكم أخر في موضوع مختلف كوجوب الصوم مثلاً .

إلا أننا لو عدنا إلى الأمثلة الرياضية وجدنا أننا لا نستيطيع أن نضع حداً فاصلاً دقيقاً بين القواعد المنطقية المشتركة وبين قواعد أخرى تختص بمجموعة أضيق من الاستدلالات .

فلو أخذنا المسلمات الهندسية على سبيل المثال ، ستكون بدون شك قواعد مشتركة في كل الاستدلالات ذات صلة بالموضوعات الهندسية ، إلا أننا لو ابتعدنا عن الهندسة إلى موضوعات رياضية أخرى كالحساب مثلاً فإن الاعتماد على هذه القواعد سيصبح ضعيفاً أو معدوماً .

 

الأمر نفسه قائم في الفقه على اختلاف موضوعاته ، غير أن علم الأصول سوف يقتصر فقط على ما يمكن استعماله في أي عملية استدلال إستنباطي . فظهور كلمة صعيد مثلاً يستطيع أن يكون عنصراً مشتركاً في كل استدلال له صلة بالصعيد كالمطهرات والتيمم وغير ذلك ، إلا أنه لا يمكن أن يتعدى هذه الموضوعات إلى غيرها ، وعليه فهو لا يعد من جملة العناصر المشتعركة التي يشتمل عليها علم الأصول .

 

2- الحكم الشرعي وتقسيمه

 

الحكم وهو التشريع الصادر من الله تعالى تارة يتخذ شكل الأمر المباشر بإتيان فعل معين ويكون على المكلف المبادرة إلى تنفيذ هذا الحكم ، ويسمى هذا النوع من الأحكام بالأحكام التكليفية ، وتارة أخرى يأتي على تنظيم وضع معين أو علاقة معينة ، وذلك من خلال تبيان ما تفرضه هذه العلاقة من الإلتزامات ، وللمكلف الحق في هذه الحالة أن لا ينشأ هذه العلاقة أصلاً ، لكنه لو أراد إنشاءها كان عليه أن يلتزم بالأحكام التكليفية التي تفرضها ، وتسمى هذه الأحكام بالوضعية . فالزوجية مثلاً عقد ينظم علاقة بين فريقين لو قاما بها ـ مختارين ـ أصبحا ملزمين بأحكام تكليفية عدة كوجوب النفقة وغير ذلك .

 

أ- مبادئ الحكم التكليفي 

 

إن أي أمر صادر عن عاقل لا بد أن يأتي مسبوقاً عادة بحالات يمر بها ذلك الآمر. فهو اولاً لا بد أن يكون قد اعتقد بوجود مصلحة في الأمر تتناسب معه ، وهذه المصلحة تسمى اصطلاحاً بالملاك . ثم يتبع هذا الاعتقاد بوجود المصلحة إرادة بتحقيقها ، وهذه الإرادة لا بد أن تكون مقترنة بأن الآمر يعتقد بأن تنفيذ الأمر هو حق له في ذمة المكلف ، وتسمى هذه الحالة بالاعتبار . يسمى مجموع هذه الحالات : الملاك والإرادة المقترنة بالاعتبار بمرحلة ثبوت الحكم ، كما يسمى عنصرا الملاك والارادة معاً بمبادئ الحكم .

 

بعد أن يمر الآمر بمرحلة الثبوت تأتي المرحلة الجديدة وهي إبراز وإظهار هذا الأمر على شكل جملة من الجمل التي تحقق هذا المعنى .

وقد جاءت الأوامر الصادرة عنه تعالى سائرة على نفس المنحى ، فهي أيضاً تمر بمرحلة ثبوت ثم بمرحلة إثبات وإظهار .

وتنقسم الأحكام التكليفية إلى خمسة أقسام هي : الوجوب ، الحرمة ، الإستحباب ، الكراهية ، والإباحة . ولكل واحد من هذه الأقسام مبادئه الخاصة : فالوجوب يستند إلى إدراك لمصلحة مهمة تحفر إرادة قوية للفعل ولا تترك مجالاً للمخالفة ، والإستحباب يستند أيضاً إلى إدراك لمصلحة ، ولكنها أقل أهمية من مصلحة الوجوب فهي أيضاً تحفر إرادة للفعل لكنها إرادة تبقي ثمة رخصةً في المخالفة . أما الحرمة والكراهية فهما تستندان إلى الاعتقاد بوجود مفسدة تحفز إرادة للنهي عن الأمر ، وتكون هذه الإرادة شديدةً في حالة الحرمة لا تترك مجالاً للمخالفة وتكون أضعف من ذلك في حالة الكراهية لتصبح المخالفة أمراً ممكناً .

اما الإباحة فهي تستند إما إلى خلوٍ من دافع يدفع بالإرادة إلى جهة من الجهات فيبقيه الاختيار حراً للمكلف ، وإما إلى اعتقاد بوجود مصلحة في ترك الاختيار حراً للمكلف .

 

إن الحديث عن المبادئ المختلفة بالأحكام التكليفية يجعل من البديهي استحالة اجتماع اثنين منها في فعل واحد ، ومعنى هذا أن مجموعات الأحكام التكليفية الخمس لا تتقاطع فيما بينها[1] ، فلا يمكن للفعل أن يكون مستحباً يمكن تركه وبنفس الوقت واجباً لا يجوز تركه فضلاً عن أن يكون محرماًَ . وما هذا التنافر سوى تعبير عن الاختلاف التام في مبادئ هذه الأحكام .

 

ومن نافلة الكلام أن ننبه أن الأمر لا يمكن أن تكون له مبادئ متعددة ، فإذا دعا داعٍ إلى وجود فعل ثم بانت مصلحة جديدة في الفعل فإن الوجوب لا يتعدد بل يقوى ويشتد بظهور المصلحة الجديدة كذلك لو كان في فعل ما مفسدة واضحة ثم طرأ ما جعل في هذا الفعل نفسه مصلحةً أكبر من المفسدة المذكورة ، فإن الفعل لا يصبح ذا نوعين متضادين من المبادئ بل ذا نوع واحد هو حاصل المزج بينها وهو هنا مصلحة تحفز هذا الفعل ، وهذا هو موضوع التزاحم .

 

ب- شمولية الأحكام ، الحكم الواقعي والحكم الظاهري 

 

إن الله سبحانه محيط بجميع المصالح والمفاسد ، ولذلك فإن تشريعه يهدي للتي هي أقوم ، وهذا يعني ضمناً أن أحكامه طاولت جميع مجالات الحياة ، ويعزز هذا الاعتقاد ما أثر عن أئمة اهل البيت (ع) من ان الواقعة لا تخلو من حكم .

إن هذه الأحكام المثبتة في لوح الغيب تسمى بالأحكام الواقعية ، وإن جميع ما نقوم به في البحوث الفقهية واستخدامنا لكافة وسائل البحث وأدوات الاستدلال ليس سوى تحرٍ عن هذه الأحكام الواقعية ، فإذا ظفرنا بحكم واقعي في واقعة ما إلتزمنا به ، وكان في ذلك براءة للذمة . وإذا أوصلنا الدليل الواجب اتباعه إلى غير الحكم الواقعي ـ وهو أمر ممكن ـ أخذنا به أيضاً وهو يسمى حينئذٍ بالحكم الظاهري ، ويكون مبرئاً للذمة أيضاً ، وتوضيح ذلك في المثل الآتي :

إن قاعدة أصالة الحلية تفترض أن كل شيء مباح حتى تتيقن من حرمته . فإن جهلنا بحرمة أمر واقعاً وكان جهلنا مبرراً حق لنا بناء على قاعدة الحلية أن نحكم بحلية هذا الأمر ـ وهو ما يخالف الواقع ـ وكان عملنا مبرئاً للذمة حتى يكتشف الحكم الواقعي .

 

والسؤال الذي يطرح هنا كيف يمكن أن نصل إلى حكم ظاهري قد يختلف عن حكم واقعي ؟

والجواب أن هناك نوعاً من الأدلة ثبت لنا قطعاً أن الشارع يأمرنا بالأخذ بها ، ولكنها مع ذلك لا توصل إلى نتائج يقينية حيث أن الخطأ يبقى محتملاً فيها .[2]  وذلك مثل الخبر الوارد عن المعصوم والذي نقله ثقة واحد عن ثقة واحد وصولاً إلى المعصوم ، فإن الشارع أمرنا أن نأخذ بمفاد هذا الخبر وأن نعمل على طبقه ، وذلك رغم أن خبر الواحد مهما كان صاحبة ثقة وعدلاً فإن احتمال الخطأ والنسيان والشذوذ عليه أمر ممكن جداً . وعليه فأن خبر الواحد الثقة يؤدي إلى حكم يحتمل ان يكون مطابقاً للحكم الواقعي ويحتمل ان يكون مخالفاً له فهو إذاً حكم ظاهري استند إلى دليل ظني يسمى اصطلاحاً بالإمارة . فيقال ان الشارع جعل الحجية للإمارة .

 

وكذلك فإن هناك قواعد عامة يلزم اعتمادها وتطبيقها في حالات خاصة وهو ما يسفر عن جملة من الأحكام الظاهرية أيضاً . من الأمثلة عن ذلك قاعدة أصالة الحلية : كل أمر مباح حتى تتيقن من حرمته . فإذا شككنا في أمر ما هل هو حلال أم حرام ، ولم يكن لدينا إلى ما يشير إلى حرمته حكمنا ـ حكماً ظاهرياً ـ بالحلية. فقاعدة أصالة الحلية ليست دليلاً خاصاً بهذا الأمر ، إلا أنه نتج عن اعتمادها وتطبيقها . ومن الأمثلة أيضاً قاعدة الفراغ : كل عملاً شككت في صحته بعد أن فرغت منه حكمت بصحته . فإن شككت في صحة الصلاة (عدد ركعاتها ، قراءتها إلخ ) بعد أن أتممتها ، فالحكم هنا هو صحة هذه الصلاة .

 

تسمى هذه القواعد بالأصول العملية ، وقد قسمت هذه الأصول العملية إلى محرزة  وغير محرزة فقيل أن المحرزة منها هي تلك التي تستعين بمرجح عقلي كقاعدة الفراغ التي يرجحها غلبة الانتباه على النسيان لدى الإنسان ، أما التي لا يدعمها أي مرجح آخر ـ كقاعدة أصالة الحلية ـ تسمى بالأصول العملية غير المحرزة .

 

ت- موضوع الحكم 

 

لأي حكم شرعي إطاره التطبيقي ، فإذا قلنا أطعم المسكين ، فإن فعل الإطعام يجب أن يطبق في حق المساكين دون سواهم ، فالمسكين هو الذي يطبق الحكم عليه ، فهو يسمى موضوع الحكم . والحكم ينبغي أن يكون واضحاً بمعنى أن يكون محدداً لإطار تطبيقه ، وهو تارةً يتناول مجموعة معينة من الأفراد بعينهم لإشتراكهم في صفة معينة دون أن يتعداهم إلى غيرهم ممن يشتركون معهم في نفس الصفة [3] ، من قبيل : أكس هذه المجموعة من الأيتام ، ويقال في هذه الحالة إن الحكم جعل على القضية الخارجية . وتارة أخرى يشير الحكم إلى مجموعة مفترضة تتوفر في أفرادها صفة محددة [4] كالقول : إذا وجد عالم فأكرمه ، فإن نطاق التطبيق هنا يتسع لأفراد لم يوجدوا بعد ممن سيتصفون في أي وقت بصفة العلم . هنا يقال أن الحكم جعل على القضية الحقيقية .

 

ث- تقسيم البحث 

 

إتضح مما تقدم أن الحكم الشرعي إما أن يستند إلى دليل يكشف عنه وإما إلى أصل عملي يدل عليه ويلزمه . وعليه فإن بحوث علم الأصول سوف تنقسم إلى بحث حول ما يمكن أن يكون دليلاً على حكم شرعي كخبر الثقة وغيره ، وهذه الأدلة تسمى بالأدلة المحرزة ، وإلى بحث يتناول الأصول العملية ، ولكلا هذين القسمين من البحث مقدمة لا مفر منها وهي التي تنظر في حجية القطع .

 

 

3- حجية القطع   

 

إن من شؤون المولى سبحانه أن أوامره ملزمة لنا وحق طاعته فيها في ذمتنا ثابت وناجز . وعليه فإذا قطعنا بصدور تكليف منه سبحانه ، أي إذا حصل لدينا يقين بصدور هذا التكليف ، فإن هذا اليقين يكفي كحجة علينا في مسألة الإلتزام به ، وهذه الحجة تبرر العقاب على المخالفة ، وقد سميت هذه الحجة بالمنجزية .

كما أننا لو أثبتنا يقيناً عدم صدور أي تكليف في أمر من الأمور واعتبرناه بموجب ذلك أمراً مباحاً فإن هذا اليقين يعطينا المبرر الكافي لذلك وهذا ما يسمى بالمعذرية.

 

المنجزية والمعذرية هما شكلا الحجية المستندة إلى القطع أي إلى اعتقاد يقينين .

وقد وقع البحث في الحجية كما يلي :

هل حق الطاعة لله سبحانه يخص فقط الأوامر التي أحرزنا يقيناً صدورها عنه ، أم أنه يشمل أيضاً تلك التي نحتمل صدورها عنه ما لم يرخص هو بإهمالها ؟

وقد وضعت الإجابة على هذا التساؤل الأصوليين في مسارين مختلفين ، آمن الأول بشمول حق الطاعة لكل تكليف إنكشف للمكلف ولو بدرجة احتمالية ، ويسمى هذا المسلك بحق الطاعة . أما المسار الآخر فإنه حصر حق الطاعة في التكاليف التي تم القطع اليقيني بصدورها عنه سبحانه . وسمي هذا المسلك بمسلك قبح العقاب بلا بيان . ولكل من هذين المسارين منهجه الخاص الذي يؤدي طبعاً إلى نتائج خاصة في مناهج الفقه المتنوعة .

 

والشك في الأحكام يمكن أن يكون أولياً مباشراً كالشك في وجوب صلاة العيد مثلاً، ويمكن أن يكون نتيجة لعلم إجمالي محصور ، ومثال ذلك أن نشك هل الواجب في يوم الجمعة هوالقيام بصلاة الجمعة أم القيام بصلاة الظهر . فالعلم بوجوب إحدى هاتين الصلاتين قطعي يقيني ، إلا أن الأمر إذا تعلق بكل واحدة على حدة فهو أمر احتمالي .

 

وقد يقع البحث في المثل الأخير كما يلي : إن قيام الشارع بإسقاط الوجوب عن أي واحدة من هاتين الصلاتين أمر ممكن ومعقول طالما أن وجوبهما أمر محتمل لم يثبت في النهاية . ولكنه لو أسقط الوجوب عن كلتيهما بناءً على عدم ثبوت وجوب كل منهما على حدة فإن العلم اليقني بوجوب إحداهما لم يعد منجزاً وهو ما يتناقض مع حجية القطع كما قدمنا سابقاً .

وقد أجيب عن هذا الإشكال بإن العلم المنجز هو العلم التفصيلي القطعي أما العلم الإجمالي الذي يتفرع إلى شكوك متعددة ـ كما في مثالنا ـ فإنه لا يكون منجزاً ، حيث أن الترخيص ـ الظاهري ـ أمر معقول في أي مكان وجد شك فيه وطالما ان الشك موجود في أطراف العلم الإجمالي ـ في الصلاتين في مثالنا ـ فإن الترخيص بهما أمر صحيح لا مانع منه عقلاً .

 

غير أن هذه الإجابة لا تحل المشكلة ، وذلك لأن الإشكال أوصل البحث إلى القضية المجردة التي جمعت بين علم تفصيلي يقيني بالوجوب ـ العلم بالوجوب إحدى الصلاتين ـ وبين الترخيص الظاهري ـ أي بعدم وجوب كلتا الصلاتين ـ وهو تناقض واضح لما عرف من ملازمة الحجية والمنجزية للقطع بالوجوب .

 

قد يكون حل هذا الإشكال ممكناً في إطار التزاحم الذي سبقت الإشارة إليه . وتوضيح ذلك أن مصلحة وجوب إحدى الصلاتين قد تسقط إذا تزاحمت مع مشقة القيام بهما معاً وهو امر ممكن كما بينا وهو لا يكون نقضاً للوجوب بعد إحرازه بل نظر مستقل وخاص في موضوع جديد له ملاكه الخاص المتحصل من اجتماع مصلحة ومفسدة معاً . فالمرور مثلاً في أرض الغير من دون إذن منه بلا ضرورة لا يشبه أبداً المرور الإضطراري في أرض هذا الغير من أجل إنقاذ غريق . فإن الحالة الأولى لم يعد لها أي أثر في القضية الثانية ولذلك فالحكمان في القضيتين مستقلان في مراحل ثبوتهما أي في ملاكهما . وقد تتضح الصورة أكثر حينما نضيف ماءً قليلاً متنجساً إلى ماء كثير غير متنجس فلا يتغير بأوصاف النجاسة ، فإن الحكم هنا هو بطهارة الماء الجديد الموجود في الإناء المؤلف من ماء طاهرٍ وآخر متنجس ولكن أين هو هذا الماء المتنجس حتى نقول أنه موضوع حكم فيه بحكمين مختلفين . وعلى كل حال فإن البحث في إثبات الترخيص الظاهر في حالة العلم الإجمالي له محل عريض في بحوث الأصول العملية .

 

إن هذا الإشكال يضعه العلم الإجمالي أمام علم الأصول بمسلكيه المختلفين ـ حق الطاعة وقبح العقاب بلا بيان ـ على حدٍ سواء . فبناء على مسلك حق الطاعة ، فإن الترخيص أمر ممكن في طرفي العلم الإجمالي في المثل السابق رغم وجوبهما المستند إلى انكشاف احتمالي وهو ما يضعنا أمام الإشكال المذكور ، وأما على المسلك الآخر فإن الوجوب لم يثبت فيهما أصلاً ، غير أن إهمالهما معاً سيقود إلى نقض علم يقيني بوجوب أحدهما وهكذا نعود إلى نفس الإشكال السابق .

 

وقد يكون الحديث عن فارق بين المسلكين في تناول حجية القطع اليقيني أمر دقيق ينبغي التنبه إليه . فهما يتفقان أن القطع اليقيني يلزم اتباعه بصرف النظر عن الواقع ، فلو قطع امرؤ أن هذا الشراب خمر فشربه ثم انكشف أن هذا الشراب ليس بخمر فإنه سوف يعد مأثوماً وذلك لإنتهاكه حرمة الشارع من خلال مخالفته لما قطع أنه حكم صادر منه تعالى . وقد سمي هذا الفاعل بالمتجري .

 

إلا أن القطع قد قسم إلى نوعين : "القطع الطريقي " و "القطع الموضوعي" . وحتى يتضح هذان النوعان نبدأ بطرح المسألة التالية ثم نعمل إلى معالجتها على طريقة كلا المسلكين ليتضح أيضاً أثر هذا التقسيم وفائدته فلا يبقى تقسيماً نظرياً .

إذا قال المولى : "شرب الخمر حرام ومن قطع بحرمة الخمر فيحرم عليه بيعه" ، فهل يكون هناك فرق بين صيغتي تحريم شرب الخمر وبيعه ؟

إن نظرةً أولية تجعلنا نحار في إيجاد أي فرق بين الصيغتين ، ففي الحالتين لا نستطيع أن نقطع بالحرمة إلا بعد القطع بأن هذا الشراب خمر . إلا أن ثمة اختلاف دقيقاً بين معالجة المسألة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو على قاعدة حق الطاعة . فبناءً على الأولى لو شككنا أن هذا الشراب خمر أو لا جاز لنا شربه وبيعه ، فالصيغتان متساويتان إذاً في حالتي اليقين والشك بالنسبة لمسلك قبح العقاب بلا بيان . أما لو اعتمدنا قاعدة حق الطاعة ، فإن الشك في الشراب هل هو خمر أو لا لا يعطينا الحق في تناولة إلا برخصة من الشارع كما بيّنا ، أما بيعه فإنه سوف يكون جائزاً بخلال شربه ، وذلك لأن بيعه متوقف على القطع بعدم الخمرية ، فالقطع هنا هو أحد عناصر الموضوع وطالما أن الشك ألغى حالة القطع فإن هذا الشراب فقد المانع من بيعه وعليه فإن بيعه امر مباح .

فالقطع بأن هذا خمر هو طريق لحرمة شربه لا بد لها من المرور عبرها ، ولذلك فهو يسمى بالقطع الطريقي ، أما بالنسبة لبيعه ، فالصيغة أدخلت هذا القطع في صلب موضوعه كما بينا ولهذا فهو يسمى بالقطع الموضوعي . ومن الواضح أن المنجزية إنما تكون للقطع الطريقي دون القطع الموضوعي لأن الأول هو الكاشف أما الثاني فهو منكشف مع عناصر الموضوع الأخرى .

 

ومن تطبيقات هذا التقسيم أيضاً أن القطع بحكم ما يبرر اسناده إلى المولى ، فالقطع هنا موضوعي بالنسبة لجواز هذا الإسناد . وهكذا فالقطع بحرمة الخمر تعطينا الحق بالقول أن الله حرّم الخمر ، وذلك لأن الأحكام التي يجوز إسنادها إليه تعالى هي تلك التي قطعنا بصدورها عنه ، لأنه قول بعلم وقد أذن الشارع في القول بعلم .

 

 

 أمين الساحلي

الجامعة اللبنانية – كلية العلوم


 

[1]   Pairwisely disijoint

[2]  أن في ذلك إشكالية عقائدية لا نتطرق إليها هنا

[3]  A set defined by extenion

[4] A set defined by comprchension