أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> الغرب في قراءة معدّلة

 

 

الغرب في قراءة معدّلة

 

 

 

·      فهرس الأفكار :

مقدمة

قراءة النموذج الغربي

تكوّن الغرب الفكري والسياسي 

لائحة المزايا من خلال قراءة جديدة

الخليج إبان الحدث الاستعماري

 

 

 

1 – مقدمة

 

لا بد للباحث لدى معالجته تأثير نموذج حضاري على بيئة معينة ، أن يقوم بدراسة مكونات النموذج المؤثر والبيئة المتأثرة وذلك من خلال استعراضٍ تاريخيٍ تحليليّ لكلا الجانبين ، وهو مدخل طبيعي لازم في أي بحث جاد وموضوعي .

 

ولعل الجديد في بحثنا هذا هو أننا نصبو إلى تبيان خطأ في التصور الثقافي الإسلامي المعاصر في تناوله للنموذج الحضاري الغربي ، وذلك من خلال مناقشة المنطق الذي قسّم هذا النموذج[1] إلى طيب يصلح أن يكون نموذجاً يحتذى به لشعوب المنطقة ، كنظم الإقتراع والعدالة في التوزيع الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي ، وظلمٍ قبيح يجب التصدي له ومكافحته بكل الوسائل ، سواءً تجلى ذلك الظلم بأدوات الحديد والنار أو اتخذ شكل الحملة المقنعة الهادفة إلى المحو والهدم والإلغاء.

 

لقد أضحى هذا التقسيم ثابتاً في التصور الذي ينزع إلى الاستقلال ويريد أن يقف بصدقٍ وبوعي أمام تيارات النموذج الغربي الذي برزت تحدياته في عقر الدار ، في الصميم ، والعمق ، ومسّت الواقع وصارت عنصراً يريد أن يشارك (يستأثر) بصياغة مستقبل الواقع ، ليكون في النهاية سلعة مرقمة جاهزة لأن تأخذ موقعها في مدخراته وعنوانها في سجل إحصائه .

 

إن ما يهمنا هنا هو ليس محاكمة هذا التصور ، فليست هذه الأوراق قراراً اتهامياً أو صك غفرانٍ لهذا المنطق أو ذاك ، إنها تريد أن نعيد النظر في كل ما تم ذكره في قائمة إيجابيات الحضارة الغربية ، والتي تدفع إلى الاعتقاد أن التفرّس في أسارير هذا الوجه الحضاري يقودنا إلى تبين ثنايا إنسانية ليس لها علاقة بلغة التراب ولغة الحساب . مع الإشارة المثبتة إلى أن ذلك لا يلزم بحسب المنطق أن نضع أنفسنا في موضع الندِّ الواهم أو الغُرور الأبله ، فيتحول إطلاقنا في تعميم السلبية إلى تطرفٍ عمليٍّ غير واعٍ يعبر عن نفسه بضجيج صاخب وحركة دوران متخبطة لا يُتوقع منها خطوةً واحدةً إلى الأمام .

 

هكذا سيستأثر ما سلف ذكره على معظم بحثنا ثم نخصص في إشارة منه نبذةً نحاول من خلالها دراسة وتحليل البيئة التي تحيط بالخليج الفارسي ، وذلك أولاً من خلال عرضٍ موجزٍ لتاريخ زحف النموذج الغربي إلى هذه المنطقة بالذات ، العوامل الدافعة "سياسياً واقتصادياً" ، العوامل المساعدة ، الموانع . إن اللافت في هذا المجال أن ضفتي الخليج بقيتا بشكل أساسي منذ مطالع القرن السادس عشر تابعتين لسلطتين متحاربتين هما السلطة الصفوية والسلطة العثمانية ، ومن الجدير ذكره أن أكثر الكر والفر بين الجانبين كان يتم في مدينتي بغداد والموصل اللتين كانتا تقعا على طرق التجارة والتبادل الرئيسية بين هاتين الدولتين والغرب كما يرى بعض المؤرخين[2] . وإذا صح ما قيل أن كلا الدولتين أرادتا أن تستعين لصالحها بالنفوذ الغربي المتصاعد ضد الدولة الأخرى فإن الضحية الأبرز كانت الهوية الإسلامية في هذه المنطقة لصالح النفوذ الأوروبي الذي انتقل بعد ذلك بالوراثة إلى النفوذ الأمريكي ، ولذلك فإن الفهم الدقيق لانفعالات هذه المنطقة بالذات في جميع اتجاهاتها مع النموذج الحضاري الأمريكي يتوقف على هذه المطالعة التاريخية ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية .

 

إذاً ، ستكون خلاصة هذا البحث هي : إننا لا يمكن أن نتبنى في رؤية النموذج الغربي ورقة ذات قائمتين متجاورتين، واحدة تعدد إيجابيات بالمعنى الحضاري ينبغي الاحتذاء بها، وأخرى تعدد السلبيات التي يجب التصدي لها ، والبديل لن يكون ورقة سوداء ذات لون عدائي متهورٍ أحمق، بل ورقة تحليلية تميل إلى إطلاقٍ لا تطرف فيه، وتوازنٍ لا توسط فيه ، ووعي لا لبس فيه .

هذا من جهة ، أما من الجهة الأخرى فإننا نريد أن نشير بشكل موجز إلى ما يمثله الخليج من سجل مضغوط ومكثف للأدوار السياسية الغربية المتناقضة , وهي منطقة ذات انفعالات وحساسيات خاصة لم يسلط الضوء عليها كثيراً[3].

 

 

2 - قراءة النموذج الغربي :

 

لقد انتهى البحث والتأمل في فوضى المواقف المتعارضة والمتفاوتة من الغرب إلى تقسيم هذه الرؤى جميعها إلى ثلاثة أقسام[4] :

القسم الأول هو الرفض الباتّ القاطع لكل ما هو غربي بدءاً من المشابهة وانتهاءً طبعاً بكل أشكال الاحتذاء . أما القسم الثاني فهو النقيض للأول وهو القسم الذي حصر التقدم والترقي في محض الاقتداء بالغرب والتشبه به في كل نواحي الحياة التقنية والإدارية والسياسية والحضارية . القسم الثالث هو القسم الذي لم يرَ في أصالته الدينية مانعاً من اقتباس المزايا وتصيّد المنجزات الإيجابية حيثما وُجدت على امتداد رقعة العمل البشري ، بل جعل من هذه الأصالة معياراً يميز من خلاله الصحيح من الفاسد فيتمكن بذلك من اقتباس الحسن بعد تخليصه من كل شائبة .

نحن هنا لا نريد أن نضيف إلى هذه الخطوط ، خطاً رابعاً ، لأننا لا نقترح مقاربة هذا الموضوع من خلال ثلاثة خطوطٍ متباعدةٍ متنافرةٍ غير متقاطعة تتنافس في ما بينها لحيازة الحق برُمته دون أي شراكة ، هكذا تكون مهمة الباحث مقتصرة في النهاية على إعلان الانتماء الكامل لأحد هذه الخطوط .

 

إننا نريد في هذه الفقرة من دراستنا أن نستبدل هذا المشهد ذا الخطوط الثلاثة المتباعدة بجملة خطوطٍ تقوم بعضٌ إلى جانب بعض نتبين من خلالها جميع ما طرأ على ذهنيتنا من رؤى وأفكار ما بين موقف المفارقة التامة والتماثل والاقتداء التامين .

 

إن هذا الطواف على تلك الخطوط المتقاربة سيمكننا من الحصول على تصور دقيق متكامل لكيفية قراءة النموذج الغربي وهذا ما سيوفر لنا الأرضية الصالحة لما سوف نعالجه في فقرةٍ لاحقة من هذه الدراسة .

 

إن المستحدث كان دائماً يُرى بريبة أو في حذر في أحسن الأحوال من قِبل الفكر الديني الذي كان سائداً في مختلف أقطار العالم الإسلامي في القرن الثامن عشر ، والذي زاد من صعوبة هذا الأمر أن المستحدث في تلك الآونة سوف لن يكون محلياً ، إنه شيء غريب مستورد من الأقطار البعيدة الكافرة وغير المقبولة بتاتاً في الوعي الديني .

 

وإذا كان أهل الحكم والسياسة في أقطار العالم الإسلامي يستندون في أعمالهم وعلاقاتهم إلى نظام حسابي مصلحي ، لا يحفل في غالب الأحيان بالدين بوصفه المبدأ الذي يجب اعتماده بل بوصفه جزءاً من مكونات معادلته الحسابية لما لهذا الدين من قوة تحريك وتوجيه على الساحة ، فإن من الطبيعي أن يكون التفاوت الهائل بين العالم الإسلامي والعالم الغربي كافياً لإقناع هؤلاء الحكام في الشروع بفتح أبواب الدار أمام هذا الوافد الذي يطرق على الباب بيده الحديدية التي تحفل من جهةٍ أخرى بالكثير من الحلي المزينة ذات البريق الأخّاذ . ولربما كان ضعف هؤلاء الحكام أصلاً ذريعة كافية للفعل الغربي القوي أن يقتحم عالمنا في معقله ، حاملاً معه كل بهارجه ليطرحها دفعة واحدة أمام تلك العيون التي لا تألفها ولا تستسيغها .

 

إذاً ، حسابات السياسة ومصالحها من جهة وضعف الحكم الإسلامي أمام قوة الغرب من جهة أخرى ، وضعا الفكر المحلي الحذر بطبعه من كل مستحدثٍ أمام تحدٍ لا مفر منه ومعركة من نوعٍ جديد ذات بعدٍ ثقافي وحضاري لم تكن قط من تداعيات ما تعود عليه تاريخه النضالي الطويل السابق .

 

لقد شهد القرن الثامن عشر إعادة إحياء للخط السلفي على يد " محمد بن عبد الوهاب " (1703-1791 م) في قلب الجزيرة العربية . وإذا كانت هذه الحركة قد راحت تعبر عن جملةٍ من الأمور ، فإنها وبلا شك جاءت لتعبر تعبيراً دقيقاً عن الهاجس العميق والقلق المضطرب مما هو مستحدث الذي يحمل تهمة البدعة المذمومة ، فكانت هذه الحركة بمثابة استحضارٍ قوي لأفكار إبن تيمية وانتقاداته المعارضة للبدع المستحدثة في الحياة الدينية والاجتماعية اليومية[5] .

 

إن الاعتصام بالسلف وجعلهم القناة الحصرية للمشروع ، يُعتبر لازمة من لوازم الشعور بالضعف والتقهقر أمام تحديات وتهديدات الحياة المعاصرة ، كما يُعبر هذا الاعتصام عن انفعال نفسي ثابت لدى كل حضارة تعاني من التصدع والخوار ولا تجد لديها العزم والقوة الكافيين لحماية نفسها من تهديد جديد وجدي . إنه الفرار من الجديد الذي يريد أن يبطش بلا هوادة إلى القديم المليء بصور الأمجاد والبطولات . ومهما كان من أمر هذه الحركة بالذات ، فإننا نريد أن نتمثل من خلالها ذلك الهاجس الذي كان يسود جميع أقطار العالم الإسلامي ، وإن بدرجاتٍ متفاوتة ، وكان هذا الهاجس شديداً في ممارسة الإحجام وإدارة الظهر لكل ما هو غربي أو قل غير محلي ، وقد وصل في هذا الاتجاه إلى نتائج مؤذية من قبيل رفض الكثير من الحقائق العلمية التي باتت مسلّمة ككروية الأرض وغيرها[6] .

 

لقد بقي هذا النفوذ قوياً بل حاكماً فترة من الزمن يخشى من مواجهته كبار رجال الإصلاح الديني ، ولعل في المحاورة التالية بين "محمد رشيد رضا" وأستاذه الشيخ حسين الجسر (في المدرسة الوطنية بطرابلس) والذي حدث بعد أن أهدى إليه "الشيخ الجسر" مؤلفه "الرسالة الحميدية" ، وطلب منه رأيه حولها : "قلت (رشيد رضا) : إن الحاجة إليها شديدة ، ولم يسبق مولانا أحدٌ إلى مثلها في الدفاع عن الإسلام ، ولكن لي عليها أنكم توردون المسألة القطعية في العلم ، ككروية الأرض بعبارةٍ فرضيةٍ تدل علك شككم فيها ؟ " قال (الشيخ الجسر) : أنت تعلم تعصب الجاهلين بهذه العلوم في بلادنا ، فلا نترك لهم مجالاً للقيل والقال . قلت : إذا كان مثلكم في ثقة الأمة بدينة وعلمه لا يجرؤ على التصريح بالحقائق فممن نرجو ذلك[7] ؟ .

 

إذاً من الواضح أن هذا الهاجس كان ماثلاً بقوة في وعي المسلمين حين بدأ المدّ الغربي يرمي بثقله على الواقع من خلال عدة أشكال كان أبرزها الحملة التي قادها نبوليون على مصر والتي يمكن اعتبارها ، قبل أي شيء ، استعراضاً للمعطيات الحضارية التي أنتجت هذه القوة الوافدة ، فبينما كان "كليبر" يستعرض أمام المقاومة شبة العزلاء نظام جنوده المتراص المدجج بأنواع المدافع الحديثة والأسلحة المتقدمة ، كان الدستور والقانون وفلسفة الحكم والسياسة ومناهج العلم التقني والبحثي في مختلف صنوف المعرفة تحدث أثراً أعمق وأكثر ترويعاً وهي تستعرض نفسها أمام علماء ومفكري هذه الأقطار الإسلامية .

 

لم يكن بطش الجنود الفرنسيين ودق الثائرين على الأعواد أكثر فتكاً من الرسالة الضمنية التي ستحملها مثل هذه الحملة بطبيعتها ، من دعوة هذا المجتمع المتداعي إلى محاكاة وتقليد هذه الحضارة القوية الوافدة من خلال الأخذ بأسباب تمدنها ، وهو ما سيعني بالضرورة ، قبول نوعٍ من الوصاية التعليمية والتدريبية ، يكون ثمنها ثروة هذه الأمة وخيراتها .

 

مهما يكن من أمر ، لقد أثارت هذه الحملة – وهو الأمر الطبيعي – رجالاً كالشيخ "حسن العطار" (1766-1835م) وهو ممن قُدر لهم أن يتصلوا بعلماء الحملة الفرنسية ويطلعوا على كتبهم وآلاتهم وكتبهم الفلكية والهندسية وعلى بعض تجاربهم العلمية , مما أثار  لديهم الدهشة والإعجاب[8] ، كما أثارت لديهم رغبة في تعلم عددٍ جديدٍ من العلوم التي يحوزها الغرب ويفقدها المجتمع الإسلامي ، وقد قال "العطار" : ( إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها)[9] . لقد كان هذا النوع من التفكير نقطة البداية لتاريخ طويل من الأسفار المتتالية إلى الغرب التي ما تزال مستمرةً إلى اليوم من أجل نقل علوم وأفكار هذا الغرب إلى بلادنا . لقد كانت هذه الأسفار كما سنرى ،سلاحاً ذا حدّين ، جعلت من تقييم هذا الأمر برمته بعد مئتي عامٍ من بدايته ، أمراً شائكاً ومعقداً .

 

لقد عكف "رفاعة الطهطاوي" (1801- 1873م) وهو إمام أول بعثة للدراسة في فرنسا ، بعث بها محمد علي باشا سنة 1826 إلى فرنسا ، عكف على دراسة وتعريب العديد من الكتب الفرنسية ككتاب "تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم" "لمونتسكيو" ، كما عرّب القوانين الفرنسية ، وقد وضع كتاباً بعد عودته من فرنسا ، تحت عنوان " تخليص الإبريز في تلخيص باريز " ، الذي وصفه أحد أساتذة الطهطاوي (المسيو جومار) بأنه أهدى إلى أهل بلد المؤلف نبذاتٍ صحيحة من فنون فرنسا وعوائدها وأخلاق أهلها وسياسة دولتها[10] .

 

وبعيداً عن التقييمات التي تناولت شخص رفاعة الطهطاوي ، مثل وصف الأمير "عمر طوسون" بأنه أحد أركان النهضة العربية أو وصف "عبد الرحمن الرافعي" الذي اعتبره أول من مزج بين الثقافتين[11] ، فإننا نريد أن نلاحظ هنا بشكل خاص أننا أمام بداية خطٍ سوف يطول ويتشعب حيال مسألة التعاطي مع الغرب لأجل إنتاج نهضةٍ محلية ، وبدءً من هنا سوف نحاول أن نتلمس بدقةٍ حدود أي طرح سوف ندرجه مع الإشارة – قدر المستطاع – إلى الخط الخلفي الذي يحكم هذا الطرح .

 

من المؤكد أن طرح الطهطاوي يشتمل على الإيمان بضرورة الأخذ عن الغرب في سبيل بناء النهضة ، وللإجابة أولاً على استفهام حدود هذا الأخذ، نقول أن كل ما له علاقة بالتقدم التقني والصناعي ومختلف صنوف المعرفة المادية فهو ملحوظ بشكل واضحٍ في نصوص الطهطاوي ، أما ما هو إنساني ، فإن الشق الإداري التقنيني منه يبدو أنه أيضاً من ضمن ما يعتقد الطهطاوي أنه متضمن في أمورٍ لدى الغرب جديرة بالاقتباس والتطبيق في العالم الإسلامي ، وذلك يتأكد من خلال إحالته لكتاب " أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك " (لخير الدين التونسي 1810- 1890م) وذلك من خلال قوله بعد الحديث عن مخترعات العصر التي عدها من أشرف ثمرات العقول : " وهو ما بسطه أحسن بسطٍ حكيم السياسة ، "خير الدين باشا " في كتابه أقوم المسالك ...." .

 

ولعل أدلّ نصٍّ على وجهة نظر "خير الدين التونسي" وهو الذي عُيّن رئيساً للوزراء في عهد "عبد الحميد" هو ما يلي : " إن التمدن الأوروباوي تدفق سيله في الأرض ، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع ، فيُخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار ، إلا إذا حذوا حذوه وجَرَوا مجراه في التنظيمات الدنيوية ، فيمكن نجاتهم من الغرق "[12] .

 

لقد كان في ربط "خير الدين " بين التقدم العمراني وبين العدل والحرية بُعداً جديداً بعيداً عن منطق اقتصار أخذ المعارف على الأمور المادية[13] ، وهو قد استعان لدعم منطقه من خلال الاستناد إلى بعض الأصول الشرعية في تسويغ المشابهة المشروعة كإحالته إلى حاشية "الدر المختار" "لابن عابدين الحنفي" الذي يرى "أن صورة المشابهة في ما تعلق به صلاح العباد لا تضر"[14] . وتبدو هذه الإحالة ضرورية ، خصوصاً إذا عرفنا أن مفكرين آخرين كالشيخ "محمود قبادو" التونسي وهو ينتمي إلى نفس العصبة التي كان قد تزعمها "خير الدين " وهي عصبة المدرسة الحربية وجامع الزيتونة " ، كانوا لا يريدون أن يتعدى الأخذ عن الغرب مسألة العلوم العسكرية تحديداً وذلك من أجل التوازن معهم في الحرب القائمة .

 

 ومع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته ، برزت شخصية نهضوية ، وقف عندها الكثيرون وهي شخصية "جمال الدين الأفغاني " . لقد كان "الأفغاني" رجلاً شديد العزيمة ، نشيطاً متحفزاً ، يطوف عالمه الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ، دون الاكتراث بعوائق القوميات أو الدول أو المذاهب . لقد كان يحمل هماً يلازم جميع ما قام به وهو هم النهضة ببيئته ومجتمعه . إن أبرز ما يمكن التوقف عنده في فكر "جمال الدين" من الغرب ، هو تصوره لهذه المدنية على أن "ليس لها من مميز سوى التفنن باختراع المدافع المريعة والمدمرات والقذائف وباقي المخربات القاتلات للإنسان "[15] ، كما صور هذا الرقي بقوله : " فالرقي والعلم والتمدن على ذلك النحو وفي تلك النتيجة إن هو إلا ... وغاية التوحش "[16] . وهو كان قد أكد في غير موضع على عدوانية الغرب للشرق وللإسلام على وجه الخصوص وهو لذلك شَرَطَ أن يكون التكافؤ في القوى الذاتية والمكتسبة ، هو الحافظ للعلاقات والروابط السياسية "فإن فُقِدَ التكافؤ لم تكن الرابطة إلا وسيلة القوى لابتلاع الضعيف"[17] .

 

والذي يبدو واضحاً من خلال تتبعنا لمواقف الأفغاني السياسية أن مواجهة الغرب كانت بالنسبة إليه ميزان العمل وبوصلة التوجه ، فلقد وقف موقفاً متشدداً من السلطان القاجاري "ناصر الدين شاه" (1848-1896م) الذي جال سنة (1890) على بعض المدن الأوروبية لتوطيد الحكم القاجاري ، وذلك من خلال توزيع الامتيازات الاقتصادية على دول أوروبا . ولعل أشهر هذه الامتيازات هي الاتفاقية التي أعطت الشركة البريطانية "ماجورتالبوت" والتي قضت بأن تحتكر هذه الشركة ، لمدة خمسين عاماً محصول التبغ الإيراني ، الذي كان يمثل آنذاك 20% من الاقتصاد الإيراني[18] .

 

وقد بعث الأفغاني برسالة إلى المرجع الأعلى للشيعة في وقته ، "الميرزا محمد حسن الشيرازي" حثه فيها على القيام بمواجهة هذه التدابير محذراً من مغبة أن يعبث الأجانب بحوزة الإسلام : " وإنك أيها الحجة إن لم تقم بناصر هذه الأمة ولم تجمع كلمتها ولم تنزعها بقوة الشرع من يد هذا الأثيم لأصبحت حوزة الإسلام تحت سلطة الأجانب ، يحكمون فيها بما يشاؤون ويفعلون ما يرويدون ...[19] . ومن الجدير ذكره أن "الأفغاني" كان قد أصدر مجلتين : الأولى تحت عنوان "ضياء الخافقَين" وكانت تعنى بالشؤون الإيرانية وقد أصدرها من لندن بعد نفيه من إيران، والثانية : تحت اسم "العروة الوثقى" أصدرها من باريس ، ويُذكر أيضاً أن الحكومة التي نادى بها الأفغاني هي نتاج انفتاحه على التراث السياسي الأوروبي وعلى فكر "روسو" بوجه خاص[20] .

 

لقد أردنا من خلال إدراجنا لهذه الملاحظات الأخيرة ، أن نتلمس لدى الأفغاني شيئاً من الإشارة الدقيقة إلى أنه يمكن الفصل بين الغرب ككيان سياسي عدواني متوحش لم تستطع جميع أقنعته أن تخفي وجهه الحقيقي عن نظر "الأفغاني" الثاقب وعن فكره المستنير وبين بعض من أسس لفكر هذا الغرب السياسي حيث يمكن أن نجد ما نستعين به في نهضتنا للوقوف بثبات أمام هذا الغرب نفسه . وذلك بالضبط ما نحاول رصده في ثنايا هذه الفقرة من أجل أن نخرج بأدق تصور ممكن عن قراءتنا للغرب خلال القرنين الماضيين .

 

ومع الشيخ "محمد عبده" وهو من تلامذة "الأفغاني" الذي شاركه في إصدار "العروة الوثقى" ودعا معه إلى العودة إلى الذات ومحاربة "الجمود على الموجود"، فقد بدا واضحاً أن الشيخ "عبده" يرى التقدم الغربي حائزاً على عددٍ من الأصول الإنسانية الراقية وهي التي بررت هذا التقدم ، معتبراً إياها "شعاع سطع عليهم من آداب الإسلام ومعارف المحققين من أهله "[21] .

 

وهكذا بدا التصور الإسلامي للغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية  القرن العشرين مستقراً على ورقةٍ ذات قائمتين ، قائمة الإيجابيات التي لا ضير ولا حرج من الأخذ بها ، وقائمة السلبيات التي يجب التصدي لها ، وهذا ما يمكن أن نجده شديد الوضوح في رسالة "الشيخ محمد حسين النائيني" ، "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" ، التي فرغ من تصنيفها عام (1907م) وذلك إبان السجال الفقهي المتصاعد بين فريقي المشروطة والمستبدة .

 

لقد دافع "النائيني" في رسالته عن الديموقراطية وأثنى في غير مكان على الذين كشفوا الصيغة المثلى للسلطة ، إشارة إلى الأوروبيين . يقول : " ولا يسعنا في هذا المقام إلا الاعتراف بجودة استنباط أول حكيم التفت إلى هذه المعاني وبنى السلطة العادلة الولايتية وكونها مسؤولة وشوروية ومشروطة على أساس الأصلين الأولين : الحرية والمساواة ... أما اليوم وقد حصلنا بعد التي واللتيا على شيء من التنبه والشعور ، وكنا نأخذ مقتضيات ديننا من الأجانب مع تمام الخجل قائلين هذه بضاعتنا ردت إلينا[22] .

 

إذاً فإن "النائيني" يتحد مع "محمد عبدو" في نسبة أصولٍ راقيةٍ كالحرية والمساواة ، تلبَّسَ بها الغرب في فكره وفي منظوماته ، وهذه الأصول هي التي مكنته من السمو والارتفاع ، كما أنه يتحد معه ، وهنا بعبارة أوضح، أن هذه الأصول الراقية ليست سوى أصول إسلامية ، وأننا بأخذنا إياها عن الغرب تكون بضاعتنا قد رُدّت إلينا .

 

لقد نوقش هذا الموضوع بشكلٍ مفصل في نفس العام أي سنة (1907م) من قِبل "الشيخ محمد رشيد رضا" وهو من تلامذة "الشيخ محمد عبده" في مقالةٍ حملت عنوان "منافع الأوروبيين ومضارّهم" ، فهو يتحدث مثلاً عن أثر تأليف الجمعيات فيقول : "هي السبب الأول والعلة الأولى لكل ارتقاءٍ ، بها صَلُحت العقائد والأخلاق في أوروبا ، وبها صلحت الحكومات ، وبها ارتقت علومها وفنونها ، وبها عزّت وعظُمت قوتها ... وبها سادت على المشرقين والمغربين[23] .

 

لقد بات جلياً إذن أن النظرة ذات القائمتين كانت قد رسخت وأُحكمت وأضحت هي الغالبة على الفكر النهضوي – ذي الدوافع المخلصة – وهذا الفكر كان واضحاً وقاطعاً في عدائه لقائمة سلبيات هذا الغرب وهو يحض للثبات في هذه المواجهة على ضرورة الأخذ من قائمة إيجابيات هذا الغرب بوصفها قيم راقية إنسانية أو حتى إسلامية ، فإن عباراتٍ من قبيل "صلاح العقائد والأخلاق" و "شعاعات من آداب الإسلام" تجعل ما ذُكر في غاية الوضوح . ولقد برز في تلك الآونة جهدٌ فكريٌ متحمسٌ لاعتبار أن كلما نراه من التمدن المعاصر ، ينتمي إلى الإسلام ، ونتمثل ذلك من خلال كتابين ، الأول بعنوان "المدنية والإسلام" "لمحمد فريد وجدي" وكان قد أصدره سنة (1898م) وكان قد أكد فيه أن : "كل ما نقرأه من قواعد المدنية العصرية ، ليس بالنسبة لقواعد الديانة الإسلامية إلا كشعاع من شمس أو قطرة من بحر"[24] أما الكتاب الثاني فهو الذي وضعه "الشيخ مصطفى الغلاييني " سنة (1908م) وهو تحت عنوان "الإسلام روح المدنية " وقد جاء رداً على ما وضعه معتمد الدولة البريطانية في مصر "اللورد كرومر" الذي دعا -بحسب عرض الغلاييني – إلى أن ينبذ المسلمون دينهم حتى يمكنهم الترقي في سلم الحضارة والتمدن . وقد ضمن "الغلاييني " كتابه رأيه القاطع في أن أوروبا تدين برُقيها وتمدنها لما اكتسبته من تآليف علماء الإسلام[25] . يقول "الغلاييني" ... فما من تقدمٍ يرى ولا من تمدنٍ يشاهَد إلا وترى لهما آثاراً في الأصول الدينية ويجهلها من يجهلها"[26] .

 

بعد هذا الوقت وتحديداً بعد الحرب العالمية الأولى التي سقطت فيها الدولة العثمانية ووجد المسلمون أنفسهم تحت الاحتلال الغربي العسكري بشكلٍ مباشر . كان الفكر والروح هما اللذين قد مُنياً أولاً بضربة عنيفة أدت إلى ظهور نزعة تغريبية كاملة تمثل لدى الفئة المغرضة ، الميَلان الطبيعي والارتماء بين يدي القوي والخضوع التام له من أجل الفوز بالنجاة والدعة . كما مثلت بالنسبة لفئة أخرى ضرباً من التخبط والهذيان ، بعد حالة عدم التوازن و السقوط تحت ضربة الغازي وخيبة الأمل في ما كان ينبغي أن يمثل حماية ومنعة وقوة . لقد علت في هذه الفترة أصواتٌ تحدثت جهاراً عن ضرورة نبذ الدين[27] ، وأن نصبح أوروبيين في كل شيء قابلين ما في ذلك من حسناتٍ وسيئات[28]

 

لقد برز في العالم العربي جملة من الأسماء تحدثت بهذا اللسان في تلك الحقبة من الوقت من أمثال "سلامة موسى" و "أحمد لطفي السيد" و "طه حسين" و "محمود عزمي" . كما برزت في إيران عدة أسماء هي الأخرى تُنَظِّر لضرورة تقليد الغرب . فقد أصدر "ميرزا مالكوم خان" جريدة "قانون" حيث كان يعتبر أن تقدم الأوروبيين يكمن في كلمة "قانون" ، وكان يستهدف التوسل بالقوانين الغربية في سبيل إحداث تطورٍ حضاري في إيران ، وكان يعلن صراحةً أن تقليد الغرب  ضرورة حضارية[29] . وقد تبع "مالكوم خان" عددٌ من المثقفين المتأثرين بالفكر الغربي ، مثل "تقي زادة" وهو أحد تلامذته ، أحد محرري جريدة "قانون" وقد كتب في عددها الأول : " لا بد من تأييدٍ تام لرواج الحضارة الغربية بلا قيدٍ أو شرط والتسليم المطلق لأوروبا وأخذ الآداب والعادات ...."[30] .

 

بعد ذلك ، جاءت حقبة الحركات الإسلامية الكثيرة والمتنوعة التي شُكِّلت على المدى الواسع الإسلامي وقد حملت في طيات أفكارها تنوعاً كبيراً في ما يتعلق برؤية الغرب ومواجهته .

 

ولعلنا حالياً نجد في آراء السيد محمد خاتمي وتطلعاته مواصلةً واستمراراً للرؤية ذات القائمتين التي تم الحديث عنها آنفاً ، فهو يضع عنواناً لهذا الخط من خلال توكيده على الدعوة إلى العودة إلى الذات وإحياء الهوية التاريخية للأمة والتعامل الإيجابي مع معطيات التمدن البشري[31] .

 

ولإثبات النظرة ذات القائمتين فهو يقول : " الحضارة الحديثة هي الحدث المهم في العصر الحديث من التاريخ البشري الذي رافقته إنجازات مدهشة لجميع بني الإنسان بيد أن مساوئها ليست قليلة أيضاً[32] . وفي نصٍ أكثر تفصيلاً يقول : "ينبغي ألا نغفل ونحن نتطلع إلى الحضارة الحديثة في مرآة العلم الحديث والتكنولوجيا وآرائها في الحرية وتشكيلاتها وحق سيادة الشعب وإيكال السلطة السياسية إلى إرادة الشعب وإشرافه ونظائر ذلك التي تُعد من إنجازات تاريخ الإنسانية الذي يستحق التقدير ، ينبغي ألاّ نغفل الوجه الآخر لهذه الحضارة أي الاستعمار والاضطهاد والقمع الدموي الذي مورس ويُمارس بحق غير الغربيين"[33] .

لقد بدا واضحاً في هذه المقتطفات أن هذه الأفكار ليست سوى استمرار لخطٍ أو قل لخطوطٍ بدأت منذ مطالع القرن التاسع عشر ، ولا تزال تتفاعل وتنشعب حسب الأحوال والظروف والتبدلات .

 

غير أن الذي يميز هذه الأفكار هو الموقع الذي يشغله حاملها في دولةٍ لم يفارق التنظير لها رتابةً تقليدية فحسب ، بل وأيضاً لم يجد في مناقشة الفكر السياسي الحديث والقيم الغربية طريقاً حصرياً لا بد من سلوكه لأجل الإعداد لخطةٍ نظرية للنهضة والحكم والإدارة . وقد أورد فؤاد إبراهيم تعليقه على هذه النقطة بالذات بقوله بأن السيد الخميني لم يُقم مشروعه السياسي من خلال سياسة حديثة لكونه لم يقتف أثر معاصريه في التوفيق بين مفاهيم إسلامية محددة في الحكم والإدارة والمفاهيم السياسية الغربية كما هي سيرة المنظرين والحزبيين الإسلاميين[34] .

 

وفي الحقيقة إن ما ميز الإمام الخميني ، نقطتان أساسيتان في موضوع النموذج الغربي ، فهو أولاً ، أخذ بالنظم التمثيلية والانتخابية التي سبق أن مارسها الغرب حتى باتت سمةً من سماته ، من دون إدراجها - أي النظم - ضمن العناوين الأصيلة لأطروحته التي لا بد له من تسويغها فقهياً وتبريرها شرعياً وتسويقها واقعياً ، وهذا ما يعني أن هذه النظم ليست سوى آليات منزوعة العنوان السياسي والحضاري تستطيع أي أطروحةٍ أن تستخدمها كوسائل فحسب ، تماماً كما تستخدم الأدوات التقنية كعربات النقل أو مكبرات الصوت ، فهي يمكن أن تكون عرضةً للاستبدال والتغيير في أي لحظة ، لذلك فهي ليست سوى أمورً ثانوية تخص الشق التطبيقي للأطروحة عنده ، ولا يمكن أن ترقى بأي حال إلى مصاف القضايا الجوهرية والأساسية .

 

والنقطة الأخرى وهي الأكثر أهمية ، تكمن في نظرة الإمام الخميني للنموذج الغربي برمته ، حيث أن الطريقة التي تعامل من خلالها مع موضوع اعتماد ما كان الغرب قد أخذ به ، لم يدفع به إلى الاعتقاد بالرؤية ذات القائمتين كما نحسب. إن المتتبع لآراء الإمام الخميني حول النموذج الغربي – و الأميركي بصورة خاصة – يجد لدى الإمام تصوراً قاطعاً أن ليس للقيم الإنسانية أي محلٍ في بناء الأفكار والمنظومات الغربية . حيث أننا لن نجد تحت أقنعة الخداع غير منطق المصالح والحسابات الأكثر أنانية . لقد أشار في غير موضع إلى أن هذا – أي المصلحة والحساب – هو لباب الغرب ، أما ما بقي من مظاهر العدل والمساواة فهي ليست سوى القشور ذات الألوان الخادعة . لكنه رغم كل ذلك ، لم يُرد أن يستبدل الورقة ذات العامودين بورقةٍ سوداء ليس فيها سوى طرحٍ عدواني غير متعقل ، إنه يريد اجتثاث كافة التبعيات السياسية والفكرية والاقتصادية والثقافية لأمريكا[35] ... ثم بعد ذلك يمكن أن تكون هناك علاقات عادية مع أميركا كغيرها من البلدان .

 

ولقد تحدث عن خديعة الحضارة الغربية بقوله : " الكلمات هي الكلمات ولكن المعنى مختلف ، إنها تحمل معنىً آخر "[36] . وقد وصل به الإيمان بهذه السمة لدى الغرب إلى حد القول : " إننا لا نقبل أمريكا حتى بقولها "لا إله إلا الله " فإنها خدعة لنا "[37] .

 

ولعل في إجابة الإمام الخامنئي على تساؤل "لماذا ينبغي علينا الهروب من الثقافة الغربية والأوروبية والأمريكية ، ولماذا يجب إغلاق أذهاننا دونها ؟ " ما يقدم شرحاً وافياً لهذا الخط ، فهو يقول : " إن الثقافة الغربية هي مشروع لإفساد الإنسان ، وإنها ثقافة العداء والبغض للقيم والإشراقات والفضائل الإنسانية ، وليست سوى وسيلة بيد أرباب القوة والثروة وأباطرة السلطة الذين هم بصدد تجريد البشرية من شتى الفضائل الإنسانية . إن ما يسمى بالديموقراطية في قاموس العالم ويفتخر به (الغرب) لا وجود له مطلقاً في أمريكا وإنكلترا وحتى في فرنسا التي تعتبر نفسها مهداً للديموقراطية ، إلا أن الغربيين دأبوا على تغليف أقبح الظواهر وعرضها في إطارٍ حسنٍ كشأن أمريكا التي هي نموذج واضح لذلك"[38].

هذه هي جملة الرؤى التي أردنا استعراضها بإيجاز في هذه الفقرة ، وهي تضع أمامنا صيغة أكثر تفصيلاً من صيغة الخطوط الثلاثة ، وهو ما سوف يعيننا في صوغ بعض الإستنتاجات في فقرة لاحقة .

 

3 – تكون  الغرب السياسي والفكري :

 

ليس الهدف من هذه الفقرة وضع رسمين بيانيين يتألف الأول من جملة المحطات التي مر بها التكوّن السياسي الغربي ، ويتألف الثاني من جملة المحطات الفكرية (الفكر السياسي والاجتماعي) التي تعبر عن نمو الفكر الغربي ، إذ أن هذين الخطين البيانيين قد رُسما بعنايةٍ في المؤلفات التاريخية والفكرية السياسية والاجتماعية المتخصصة . لكن الذي لا يبدو واضحاً رغم وضوح هذين الخطين ، هو المشهد الذي يمكن فيه إبراز هذين الخطين معاً وقراءتهما على إحداثية واحدة. إنه مشهد شديد اللبس يمثل كل جزءٍ منه موضع نقاشٍ واختلافٍ حادٍ . من السهل علينا مثلاً التعرف على حدث التوسع والاستيلاء والاستعمار واستيراد الثروات الهائلة ، وهو الحدث الذي يستند إلى امتلاك القوة الكبيرة ، كما يسهل علينا أيضاً التعرف على الأفكار التي طرأت على الذهنية الغربية ودعت إلى مناهضة الاستبداد واستبدال أنظمة الحكم ، بنُظمٍ شعبية تمثيلية . لكن الذي يبدو صعباً وشاقاً هو تمييز السبب من النتيجة بين حدثين أحدهما فكري وآخر سياسي . إذ يصح من الناحية النظرية أن يكون اعتماد النُظم التمثيلية الشعبية وإلغاء النظم الاستبدادية القمعية ، باعثاً لحالةٍ من الاستقرار الاجتماعي وهو الذي سيؤدي بدوره إلى نمو مصادر الطاقة والقوة من خلال مشاركة جميع طاقات المجتمع ، هذه القوة التي يمكن أن تؤدي دوراً حاسماً في سياسة توسعية واستيلائية . كما يصح بالمقابل أن تؤدي الثروات المتدفقة على مجتمع معين إلى نشوء طبقة اجتماعية جديدة ، هي طبقة الأثرياء التي سيوفر لها المال أسباباً تحفزها على مناهضة سياسات القمع والاستبداد التي كانت تمارس عليها وهي مستسلمة لها من جراء فقد الوسيلة التي تمكنها من القيام والمواجهة . أما الآن ومع امتلاك وسائل القوة فهي تجد ما يشد عضدها ، في وقفةٍ تعيد من خلالها النظر في صلاحيات الملك وحاشيته أو في سلطة الكنيسة ورجال الدين وتعمل على استبدالها بنظمٍ تفتح أمامها الطريق لبلوغ غاية بعيدة في مسألة رفع الاستبداد وإلغاء الفوارق . إذاً ، الفكرة السياسية المتقدمة عن النظم الشعبية والتمثيلية ، يمكن اعتبارها سبباً لتكون قوة المجتمع من نتائجها ويمكن أيضاً أن تكون القوة سبباً أدّى إلى التوسع وتملّك الثروات الهائلة مما دفع بالذكاء المصلحي إلى اكتشاف التدابير السياسية الأمثل للمحافظة على هذه الوضعية ، وعليه تكون النتيجة هي تبني فكرة سياسية متقدمة عن الحكم الشعبي التمثيلي .

 

السبب والنتيجة هنا يرتبط تحديد كلٍ منهما بتحديد الآخر ، ونريد في هذه الفقرة أن نعيد توصيف الأسباب والنتائج في قراءة موجزة لأبرز معالم التكون الغربي ، وهي مهمة تحتاج إلى دراسة مفصلة نظراً لتداخل المؤثرات السياسية ، بالاجتماعية ، بالاقتصادية ، بالإنسانية ، بالتاريخية ، بالنفسية وما إلى ذلك .

 

بعد إخفاق أوروبا في البقاء في الشرق الإسلامي الذي حاولت الاستيلاء عليه من خلال الحروب الصليبية , بدأت تتخذ مساراً يلم شتات الإقطاعيات في وحداتٍ مركزية أكثر اتساعاً . هذا ما فتح في القارة حروباً هائلة ضربت نيرانها في كل اتجاه وتداخل فيها الشعار القومي بالشعار الديني المصلحي إلى سلسلةٍ من الشعارات التي زحفت تحت لوائها الجيوش والعساكر الكثيرة والواسعة .

 

وبرزت هذه الصراعات أكثر ما يكون في أسبانيا والبرتغال من القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر , وفي إيطاليا من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر ، وفي بريطانيا من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر وكذلك في فرنسا ، من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر ، وبقيت تتجاذبها الصراعات الداخلية إلى أن انفجرت الأزمة الكبرى في القرن الرابع عشر في مختلف مناطق غرب القارة. وشهدت ساحات ألمانيا وأسبانيا وبريطانيا ، وإيطاليا وفرنسا وسويسرا سلسلة حروبٍ ومعارك ، اختلطت فيها الصراعات الاجتماعية بالصراعات السياسية ، وتداخلت حروب السيطرة على السوق الداخلية بحروب السيطرة على أسواق الإقطاعيات والدويلات المجاورة .

كما نشبت في القرن الرابع عشر الحرب الإنكليزية السكوتلاندية واستمرت إلى نهايته ، واندلعت حرب المئة عام بين بريطانيا وفرنسا عندما حاولت الأولى احتلال الثانية عام 1337م[39] .

 

إذاً ، كان هذا هو الحال السائد في أوروبا حتى ذلك الوقت . وفي القرن الخامس عشر برزت وحدة أسبانية مركزية قوية من خلال اتحاد مملكتي قشتالة والأرغون التين أسقطتا معاً آخر ممالك المسلمين في غرناطة وكان من الطبيعي أن يحتدم الصراع بين القوى الكبرى للسيطرة على الممالك والإمارات المجاورة والممتلكات أو الأراضي المحتلة فيما بعد . فقد نشب في أواخر القرن الخامس عشر نزاعاً بين أسبانيا وفرنسا على مملكة نابولي أدى إلى حربين سنة 1496 و 1503م ، أدت إلى استيلاء أسبانيا على مملكة نابولي[40] ، وقد أضحت أسبانيا في عهد "شارلكان" (1516-1556م) من أعظم الممالك في أوروبا بعد أن ضم شارلكان لحكمه البلاد الواطئة : هولندا – اللوكسمبورغ - .......الخ كما ضمت إليه جزر البليار وسردينيا ونابولي وصقلية ، والأهم من كل هذا أن حكمه كان يشمل ألمانيا أيضاً[41] .

 

ومن الجدير ذكره أن الاكتشاف الذي هزّ العالم وقلب الصورة رأساً على عقب هو اكتشاف القارة الأمريكية ، قد وقع برعاية وتمويل أسبانيا للقبطان البحري "كريستوفر كولومبوس" ، فقد حدث ذلك سنة 1492م وكان ذلك مقدمةً لتسيير حملاتٍ منظمة تهدف إلى اجتياح واحتلال وتملّك هذه الأراضي الجديدة الشاسعة، المملوءة بالثروات والكنوز التي كانت تحدِّث عنها أخبار البعثات العجيبة ، وقد أقدم الأسبان على اجتياح أكثر أماكن أميركا الجنوبية وبعض مناطق الشمال ، قبل انتهاء القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر . وكان قد شهد مطلع القرن دوران الأساطيل البرتغالية حول القارة الإفريقية من جهة الغرب والوصول إلى "رأس الرجاء الصالح" .

 

بذلك فقد شهد القرن السادس عشر بالذات ، تدفقاً للثروات على المجتمع الأوروبي (كتدفق الفضة من البيرو على سبيل المثال) وهذا المال لم يأخذ طريقة إلى الجيوب فحسب بل أضحى عاملاً مؤثراً جداً في النفوذ والسياسة وترتب على ذلك ظهور طبقةٍ وسطى ذات نفوذ وقوى ومصالح مادية ، فكم من تاجرٍ أو مصرفي كبير ، بز بنفوذه كبار النبلاء الإقطاعيين ، بسيطرته على المال حر التداول وأضحت الدول تعتمد على البنوك في مشروعاتها الكبيرة ، وعلى العموم فقد نمت التجارة في كل الأقطار الغربية[42] .

غير أن تدفق الثروات وتحول أسبانيا إلى قطب أوروبي مركزي كان سبباً لتفجر الصراعات في كل اتجاه ولأسباب مختلفة ، وأكثر ما قد يعني دراستنا هذه ، هي حروب التنافس والسيطرة، أما الحروب التي حملت الطابع الديني ، فهي ، وإن كان الدين عاملاً من