أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الإلكتروني للدكتور أمين الساحلي, يمكنكم تصفح الأعمال الشعرية والفكرية والعلمية في صفحات الموقع, نتمنى لكم أوقاتاً طيبة

المقالات الفكرية >> مفاهيم علمية في التربية

مفاهيم علمية في التربية

 

مقدمة:

 

 

لم يكن يدور في خلدي أن التعليم يمكن أن تختلف وتتفاوت ممارسته إلى هذا الحد  فهي تكاد أن تتعدد بعدد المعلمين ، غير أن هذا التعدد قد لا يعبر عن تنوع بالضرورة ، فهو قد يكون تفاوتاً في حالات كثيرة . ففي حين أن التعليم علاقة روحية تامة لدى البعض ، فهو لدى البعض الآخر علاقة مبتورة يتخللها وسيط جامد اسمه "لوح الصف" . والأداء لدى الفئة الأولى عمل جماعي تام بكل ما للكلمة من المعنى ، ففيه تتناغم الكلمة (المعلومة) مع شكل النظرة وطبيعة الحركة وانتفاخ العروق ونوع الحماسة وقدر الابتسامة ومستوى العفوية ومتانة التركيز ، إذاً المعلم في صف كهذا لن يكون سوى الأرهف حساً في ضبط الإيقاع بين مجموعة هائلة من العناصر التي تريد أن تشترك جميعها في عزف لحن واحد لا يستغرق إلا ثواني معدودة .

 

ومن جهة أخرى فإن معلماً كهذا سوف يسمع طلابه من خلال عيونهم قبل أن يسمعوه بآذانهم ، فهو لديه فرق كبير بين العين المذهولة والعين الجاحظة والعين الغارقة والعين الباهتة الشاردة او الغافلة المنطفئة . كل واحدة من هذه العيون تعبر له عن حالة لها أسبابها وعلاجاتها وهو يصرف الوقت والجهد في البحث عن أدوية هذه الحالات المختلفة .

 

أما النوع الآخر فهو نوع المعلم الذي يخطف اللوح كل وجهه فهو يفرغ عليه معلوماته بطريقة آلية رتيبة ، محسوبة لا تختلف ، وعلى الطلاب في صف كهذا أن ينتظروا ريثما تنزاح اليد الثقيلة حتى تقوم الجوارح والملكات بدور الآلة الناسخة ، فتنتقل الرسوم من مكان إلى مكان حتى يخيل أن اللوح والدفتر هما أصلا المعاملة وأن المعلم والتلميذ ليسا سوى وسيطين ثانويين .

 

في صف كهذا يكثر التذمر بأشكاله المتنوعة : التلاميذ عبء ثقيل على معلمهم وهو عليهم أثقل وأثقل . وليس آنس للفريقين من نهاية وقت حصة الصف تلك .

 

في صف كهذا كثيراً ما تتحفز قسوة آثمة لدى الفريقين وابتذال محقور ونفور متبادل وتهمة متسرعة وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت أن أصعب العقد النفسية قد تكون عائدةً لما يدور في صفوفٍ كهذه مما يختبئ خلف الجدران الصامتة مدى الدهر .

وقاتل الجسم مقتول بفعلته

وقاتل الروح لا تدري به البشر[1]

 

وبين هاتين الحالتين اللتين تمثلان طرفي نقيض في هذا المجال مراتب كثيرة تعبر كل واحدة منها عن نوع خاص من أنواع التعليم له نجاحاته وإخفاقاته المهمة ، تجاربه الموفقة ، عثراته المؤذية ، تساؤلاته المتحيرة ... التي تشكل إضافةً ملموسةً في تسديد الخطى وترشيد المناهج والمضي قدماً على طريق النمو والإرتقاء .

 

سنحاول في هذا الأرواق مراجعة أبرز العناصر التي يتكون منها التعليم ، لنعيد قراءتها من وجهة نظرً تربوية عسى أن يكون في ذلك إشارات نافعة تساعدنا على رفعٍ في مستوى أدائنا لمهمتنا ليرقى التعليم بذلك من مجرد بمهنة إلى رسالة ذات أهداف سامية .

 

 

 

1- في الشرح 

 

إن مجرد الوقوف والتحدث أمام مجموعةٍ من الناس ـ أياً تكن مواصفاتهم ، أعمارهم ، كفاءاتهم إلخ ـ يحفز لدى المتحدث شعوراً عالياً يولد لديه رغبةً خاصةً في إحراز نجاحٍ باهرٍ يستولي على أفئدة وأسماع الحاضرين . ولهذا فإننا كثيراً ما نبحث عما يجعلنا الأكثر قوةً أثناء وقفتنا تلك ، وقد يتوقف على فهمننا واختيارنا لعناصر القوة مستقبل نجاح تجربتنا أو فشلها . إذاً فالسؤال الذي نطرحه عادةً هو ما الذي يجعلني الأكثر قوةً وذا الحضور الأكثر نفوذاً ؟ .

 

من البديهي أن المعلم الملتزم بإيصال مجموعة تخصصية من الأفكار والمعلومات سوف يشرع لدى هذا السؤال بالعمل على حيازة هذه المعلومات بالحد الأدنى لتكون حاضرةً ، واضحة ً ، ثابتة ومركزة في ذهنه لكي يقوم بعمله في داخل صفه على أتم ما يرام ، وهو لذلك يقوم بتحضير درسه في البيت قبل الدخول إلى الصف . هكذا يتضح ان مهمة التعليم لا تبدأ في الصف وإنما تبدا بعملٍ سابق يقوم به المعلم بمفرده ليؤمن نجاحه في مهمته وهذا العمل اسمه التحضير . إذاً فلنسلط  الضوء أولاً على مفهوم التحضير المذكور .

 

 

 

أ- التحضير :

 

ليس التحضير عملاً رتيباً متكرراً كما يعتقده ويمارسه الكثيرون مع الأسف ـ في بلادنا على الأقل ـ وذلك أن ما يمارس هو بالضبط وبالدقة إعادة تهيئة وتجهيز وتلميع نفس الأفكار بنفس حدودها وعباراتها وأمثلتها التي لطالما رددت على مدى سنوات التعليم المتعاقبة . وهذا هو بالضبط ما يجعل منه عملاً رتيباً يصيب صاحبه بالضجر والتذمر ، ولسوف يظهر هذا السأم وعدم التجدد على سحنة وجهه وهو يمارس عمله ، مما يخلق برودةً في الصف تدوس بثقلها على الأرواح الجديدة الوافدة المتوهجة وتعتقلها في حفر البلادة وتمنعها من الوثب لاقتطاف أسرار المعاني المودعة في تلك الأفكار .

 

إن أول تغييرٍ يجب أن يطرأ على فهمنا للتحضير هو في علاقته بما يحدث داخل الصف وكيف تتغير هذه العلاقة مع مرور السنوات . حينما يبدأ المعلم بالتحضير في أول أيام مهنته ، فإنه يقوم بعمل يتناسب تناسباً طردياً مع عمله داخل الصف :

حيث أن مضمون تسعة أعشار الوقت في الصف سوف يكون عائداً لتسعة أعشار العمل التحضيري أو ما يزيد ، وهو ما يخلق لديه حالةً من الحماس الواضحة تنعش أداءه في داخل الصف وتحفز لديه حيويةً جميلةً في
أثناء قيامه بمهمته . مع مرور الوقت ومع ثبات هذه المجموعة المحمولة من الأفكار في ذهن المدرس ، لن يصبح مضطراً إلى بذل نفس المجهود السابق لتهيئة ما سيقوم به في داخل الصف ، وقد يصل به الأمر إلى أن يتخلى بشكلٍ تام عن هذا العبء الإضافي الذي يزيد في ساعات عمله ، وهكذا لا يجد بداً من الوقوع في الرتابة التي تبدأ تدريجياً بإطفاء جذوته المشتعلة ، لينتهي به الأمر إلى التكرار الآلي الموقوت والمبرمج للمعلومات .

 

لكن الصحيح أن التجدد يكمن في أن العلاقة  بين التحضير والأداء داخل الصف سوف تغير من طبيعتها مع مرور الوقت ، حيث ستتحول إلى علاقة عكسية يستند من خلالها عشر مضمون العمل داخل الصف إلى تسعة أعشار التحضير . حيث أن المعلم سيكتشف أن النوافذ الوحيدة التي سيتمكن من خلالها من تجديد نفسه هو تلك الإشارات اللامعة والمرهفة جداً التي يمكن أن يبثها بين الفينة والفينة والتي لا يمكنه االقيام بها  إلا بالمزيد من الإطلاع وتوسعة الآفاق وقراءة ومطالعة ما لا يمت بصلةٍ مباشرةٍ للمادة التي ستعرض داخل الصف ، وبما أن هذا الإطلاع دأب لا حدود ولا نهاية له ، فإن معلماً ملتزماً بهذا المعنى سوف يزداد غنىً مع مرور السنوات  وستزداد إشاراته المهمة تلك ، التي ستكون بمثابة التنبيه العاجل المؤثر والمؤثر جداً في بعض الأحيان لأنها تكون عادةً مصحوبةً ببريقٍ الإعتزاز والثقة في عيني المعلم وهو ما يعطيها دفعاً سحرياً في الولوج إلى مخيلة ووعي الطلاب وإحراز الأثر الأكثر عمقاً وربما الأطول عمراً . ومن العوائد الأكيدة لهذا النوع من فهم التحضير أنها ستضفي على المعلم حلةً من البهاء المتجدد الذي يعزز عناصر الجذب في شخصيته فيشد إاليه اهتمامم الطلاب الراغبين في الإنصراف عنه لأتفه الأسباب والحوافز .

 

من جهة أخرى ، لا ينبغي أن يكون معنى التحضير هو إعداد وتجهيز قيافةٍ متقنةٍ وتنسيقٍ لمعالم شكلية تعليمية ، حيث لا يجب الإعتقاد بتاتاً أن قوة المعلم تكمن في إلتزامه التام بما قرر فعله في الصف ودرب نفسه عليه وعدم الحياد عنه مطلقاً فقرةً بفقرة وكلمةً بكلمة ، لأنه بذلك سوف يبقى قلقاً خائفاً من عثرته متعاملاً بانفعال زائدٍ أو قل بقسوةٍ لا مبرر لها مع أسئلة الصف التي تأخذ به بشكل طبيعي إلى ما قد لا يكون قد فكر به قبل ذلك . وربما حدت هذه القسوة إلى إغلاق فم الطلاب وإلغاء رغبتهم في التساؤل الجاد والمثمر من خلال كلمات التسفيه والإتهام والتحقير وغير ذلك .

 

ينبغي أن لا يتحول التحضير إلى قيافة مزخرفة لا يجوز المساس بها ، وعليه ينبغي أن يترك الأستاذ متنفساً لعمله في الصف يكون خارج حسابات التحضير الدقيقة ، وفي هذه المساحة بالذات سيتمكن الطلاب من مشاهدة أستاذهم وهو في طور تصنيع الفكرة واختبارها وتشكيلها ولسوف يتعلمون من تخبطه وتردده ، ونهوضه بعد العثرة ، ونجاحه بعد الإخفاق ما قد  لن ينسوه على مدى العمر . وستكون هذه المساحة أيضاً المجال الأرحب لإكتشاف الطاقات المميزة المودعة لدى الطلاب حيث يمكن أن يسبقه طالب من الطلاب إلى اكتشاف الرأي الصائب قبله أو إلى البرهنة على خطأ ما قد اعتقده المعلم صواب ، فهنا سيكون ثناء المعلم الصادر عن حالةٍ من الإعتزاز والثقة بمثابة الجناح السحري الذي سيقلع به هذا الطالب المتميز في رحلته الطويلة عبر الأفاق .

 

ومن الواضح أن ما ذكر يحتاج إلى مستوى عالٍ من الإستقامة لدى المعلم وأن يكون ممن لا يشغله شيء عن قيمة الحقيقة بما في ذلك قيمته هو ، إذ ربما سوّلت نفس المعلم غير المستقيم له أن خسارته في مباحثة ما مع طالب من طلابه هو إحراج يخرب قيافته المتقنة ويفقده البريق والإحترام , فهو لذلك يحاول أن يخدع طلابه ـ عن عمدٍ وتصميمٍ ومعرفةٍ ـ بصحة ما يراه هو وبطلان ما يعتقده الطالب وذلك من خلال احترافه لفنيات المراوغة ، ومن خلال ميزان النفوذ المائل لصالحه واستخدامه لعبارات السخرية وغير ذلك ، كل هذا حفاظاً على نفسه بقطع النظر عن قيمة المعرفة وقيمة الحقيقة . وهنا سنعود على بدء قائلين أن هذا لن يكون سوى عملٍ منكر يؤدي إلى قتل أرواح بريئة صاعدةٍ بشكل هادئٍ متنكرٍ لا ضجيج فيه .

 

ولربما توهم معلم كهذا ان التفاوت في مستوى المعرفة بينه وبين طلابه سيمكنه من تمرير حيلته عليهم . يغلب على ظني أن أنظار الطلاب حينما تسلط في داخل الصف دفعةً واحدةً على أستاذهم ، فإن خداعهم على المدى الطويل سيكون متعذراً إذ أنه يبدو أنهم يتسلحون حياله ـ بشكلً طبيعي غير مرتبط بمواهبهم ـ بميزانٍ مرهفٍ لا يخطأ ، يستشعرون من خلاله عن بعد كل شيء عن شخصية معلمهم : قدرته العلمية ، درجة ثقته بنفسه ، مستوى إستقامته ، نقاط قوته ، نقاط ضعفه ، مستوى حماسته وحبه وتعلقه إلخ .

 

لقد حدث لي أن حضرت في صف أحد علماء الدين وكان يشرح آيةً قرآنيةً ، وحين فرغ من شرح هذه الآية رفعت يدي من بين طلابه وسألته مشكلاً على المعنى الذي اختاره وذلك من خلال عدم تناسبه مع إعراب بعض مفردات الآية ، فكانت أول ردة فعله أن أطرق مفكراً أمام الطلاب مردداً مبيناً الإشكال بدقة وقال لي بعدها إنني مسرور بوجود طالب مثلك يرغمني على المزيد من التحضير. ربما أكون قد نسيت تفاصيل عن نفس الدرس ومضمونه آنذاك لكن هذه الكلمة كانت بالنسبة لي درساً لا ينسى أمارسه على أوسع نطاقٍ في مهمتي التعليمية .

 

ب- المعنى :

 

ليست حدود الجملة حدوداً لمعناها ، فإن خطوط التي تبدو سوداء غائرة عند أطراف اللوحة لتستفز الفكر المستنير والنظر الثاقب لرؤية آفاقٍ واسعةٍ عبرها .

 

من المؤسف حقاً أن تقنع عيوننا بما ظهر ولاح على صفحة المعنى بدون بذل أي جهد أو إعمال أي نظر ، فإننا لو نظرنا إلى تاريخنا في الأحقاب الأكثر تألقاً ، لوجدنا هنالك كيف كان التأمل يفتح ألف بابٍ ويطل من النافذة الضيقة على الجنائن الرحبة الممتلئة بألف لون ولون .

 

من المؤسف أن لا يكون الورثة لهؤلاء الأسلاف نحن الحاملين لأسمائهم والناطقين بألسنتهم وحروفهم . لقد ورث الغرب هذه الحرفة وتعلمها وأتقنها وهو يمارسها الآن على أوسع نطاق .

 

من المهم الإعتقاد بإن إعمال النظر وبذل المجهود الذهني والتأمل في جملةٍ (لغوية أو صورية أو ذهنية) يؤدي دائماً أو غالباً إلى نتائج باهرة غير متوقعة . هكذا قاد التأمل في المركبات البديهية إلى اكتشاف جملة من الخصائص العميقة جداً التي استخدمت على نطاق واسع ، والأمثلة على ذلك قد يأتى بها من كل الفروع ومجالات العلم ، ففي الرياضيات مثلاً يأتي المثلث في قائمة أكثر الأشكال الهندسية بساطةً ، أي أنه يلي مباشرةً المركبات الفوضوية العبثية ، لكن التأمل فيه جعل منه مركباً سحرياً يشتمل على خصائص أدهشت الباحثين وملأت عشرات بل مئات الصفحات[2] .

ولذلك يجب إشعار الطالب دائماً أن لا شيء البتة يمكننا الحكم عليه بالتفاهة ، فكل معنى يمكن أن يكون مشتملاً على الأسرار التي لو نبشت ونقّب عنها بأدوات التفكير المرهفة لنالتنا منها الدهشة والإستغراب ، تماماً كحكمنا على الأرض البلقع بالعقم والضحالة بينما سوف تبدو من خلال أدوات التنقيب على هيئةٍ جديدةٍ وهي تعرض لنا ما تخفي في داخلها من الكنوز .

 

في هذا المجال بالذات يجدر بنا أن نذكر أن التعمق في المعاني التي تبدو بسيطةً واضحةً سيجعلنا قادرين على تذليل الكثير من المصاعب وذلك أن الكثيرين يرون أن القضايا العلمية والصعبة والعسيرة على المعالجة ليست سوى قضايا بسيطةً أحكمت تنكرها عوامل طبيعية عديدة .

 

لن يسعنا هنا أن نتعمق كثيراً في هذه الأمور لكننا سنضرب المثال التالي لتوضيح الفكرة :

 

هناك حقيقة منطقية بديهية تقول إذا نقل (أ) خبراً ما عن (ب) وكنا نعلم أن أحدهما فقط كاذب والآخر صادق فإن الخبر المنقول سيكون كذباً بصرف النظر عمن هو الكاذب . لن يجد أي أحد صعوبة بتاتاً في فهم هذه القضية والإعتقاد بها . لكن أكثر الناس يخفقون في إيجاد حلٍ لأحجية المحكوم عليه بالموت وقد أعطي مجالاً بسؤال واحد لأحد اثنين , كاذب وصادق , عن باب النجاة بين بابين أمامه ، فإنه بناءً على المعلومة الأولى يكفي أن يختار أيهما ويطلب منه أن ينقل خبر هذا الباب عن صديقه . فنحن هنا أمام نفس القضية الأولى متخفية في صيغة متنكرة جعلت الأمر يبدو أكثر تعقيداً .

 

كذلك يمكننا من خلال أمثلة أخرى أن نتثبت كيف يمكن أن تشتمل جملة بسيطة عادية متكررة على لغزٍ معقدٍ قد لا يمكن حله إلا في إطار نظرية عميقة الغور[3] .

 

يروون[4] أن أستاذاً في الرياضيات سويدياً كان يستمع إلى الراديو أثناء الحرب العالمية الثانية وهي تذيع خبراً عن التدابير الإستثنائية التي ستقوم بها فرق الإسعاف في تلك المرحلة . قال خبر صغير أنه سيكون هناك تفتيش مفاجئ في الأسبوع المقبل لكشف جهوزية هذه الفرق . أخذ هذا الأستاذ يحلل في مضمون هذا الخبر إلى أن قاده الأمر إلى مشكلة لا يمكن حلها إلا في إطار اعتماد نظريات رياضية معقدة . وسنصوغ ما وصل إليه في المثال الآتي :

 

لو طرح أي واحد منا السؤال على نفسه هل بإمكانه أن يقول لطلابه أنه سيجري لهم اختباراً مفاجئاً في الأسبوع المقبل بمعنى أنهم سيأتون إلى الصف بدون أن يكونوا عارفين بأنهم سيقومون بهذا الإمتحان ؟ إن الإجابة البديهية السريعة هو أن هذا القول لا مشكلة فيه ، لكن ذلك لن يكون إلا تسرعاً وقناعةً متعجلةً بما بدت عليه الصورة في مظهرها الإعتيادي ، وذلك لأن التأمل يفضي إلى نتائج متناقضة. فلو سألنا هل بالإمكان القيام بهذا العمل في يوم الجمعة ، لجاءت الإجابة بالنفي لأن الطلاب سيكونون في يوم الخميس عارفين بما سيحدث لهم في غدهم ولن يكون الإختبار إذاً مفاجئاً . هذا المنطق نفسه يسري على يوم الخميس الإربعاء ... الاثنين ، وهذا يعني أن بإمكان أحد الطلاب أن يقنع أستاذه بان الأمر غيرممكن من الناحية المنطقية ، ثم يأتي الأستاذ الذي أقنعته الحجة المنطقية في يوم الأربعاء مثلاً ويقيم اختباره المفاجئ من دون ان يكون أحد عارفاً بذلك . فأين يكمن الغلط وأين يكمن الصواب ؟

إن تفحص هذه المسألة التي بدت سطحيةً مهملةً لأول وهلةٍ ستقود إلى التفكير بمبادئ رياضية متقدمة كمبدأ الإستقراء ( induction  ) .

 

 وللطلاب حيال التعاطي مع المعنى بهذه الطريقة نوعان من ردود الأفعال هما أولاً الإستيعاب وثانياً إثارة التساؤل وسنتطرق إلى هذين العنوانين هنا أيضاً .

 

ت- الإستيعاب :

 

الإستيعاب لدى الطلاب يتم عادةً بمستويات متعددة ، فالمستوى الأول الذي ينبغي أن يحرزه المعلم لدى جميع الطلاب بدون استثناء هوالمعنى الظاهر من القضية المطروحة . المستوى الذي يلي هو استيعاب منشأ هذه القضية حيث أن القضايا تعرض عادةً في سياقٍ متسلسل ضمن نظريةٍ معينة ، ولذلك فلا بد أن تكون هذه القضية نتيجةً لما سبق عليها من الأمور التي لا تعرض معها بالضرورة كما ستكون هي أصلاً وسبباً لقضايا أخرى سيأتي الحديث عنها . المستوى الثالث هو فهم ما ستؤدي إليه هذه المعلومة من النتائج ولو بشكل أولي مبهم وهذا سيكون مستوىً أرقى من مستويات الإستيعاب . وللكلام هنا صلة بما قد تم ذكره سابقاً حول الإشارات التي بإمكان المعلم أن يبثها خلال شرحه لتكون تنبيهاً فعالاً يأخذ بأذهان الطلاب إلى الأفاق البعيدة ، فهو حين ما يقسم مستويات الإستيعاب بهذه الطريقة سيعرف كيف يختار بمهارة مواضع إشاراته تلك ، مع الإفتراض حتماً أن يكون قد أعدّ نفسه لمثل ذلك من خلال التحضير الأعمق من المعتاد .

 

أما من جهة الأثر النفسي فإن الإستيعاب يأتي عادةً متبوعاً بنوع من الأنس والنشوة تفتح قلب الطالب أمام معلمه (الشارح الذي تمكن من إيصال المعلومة) فهو سيصبح هدفاً سانحاً أمام سهامه الإرشادية والتربوية ، حيث أن السهم الذي سيتم اختياره بعناية في هذه اللحظة الثمينة بالذات سيكون الأكثر ولوجاً والأعمق أثراً والأطول عمراً في عمق هذا الطالب . ولذلك فإنه ليس من المستغرب أن ترسخ الجمل التي جرت على لسان المعلم الناجح في أعقاب حالات الاستيعاب المتعددة في أذهان وقلوب المتعلمين ثم لا تمحى أبداً ، لأنها قوة وهبتها طبيعة العلاقات الإنسانية للمعلم ، في حين قد تخفق جمل أكثر متانةً وعمقاً في سوق الوعظ المتخصص من إحراز نفس الأثر . ولذلك ينبغي على المعلم أن يلتفت إلى ما بإمكانه أن يستفيد منه بعد لحظات الإستيعاب تلك من إسداء النصيحة والإرشاد بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة ليكون بذلك قد عمل على استبعاد كل الشوائب السلبية التي تعيق الجوارح والملكات من التفرغ والتركيز في بناء المستقبل .

 

ث- إثارة التساؤل :

 

إن أكثر شيءٍ يجب أن يوصل المعلم طلابه إليه بإلحاح هو أن يحفز لديهم سلسلة من التساؤلات التي لا تنتهي والتي يزود كل واحد منها بالمزيد من المعلومات وهي تفتح بدورها آفاقاً جديدة أكثر رحابةً . فاللوحة والكلام عود على بدء لتشتمل على خطوط سوداء يرى فيها التساؤل اللا محدود آفاقاً أجمل وأزهى من أكثر خطوط اللوحة بريقاً ، فهو ينتقل من معنى إلى معنىً متحفزاً دائماً في رحلته الغنية تلك .

غلط    القائل  أن الخمر بنت الخابية

فهي قبل الزق كانت في عروق الدالية

وحواها قبل رحم الكرم رحم الغادية

إنما   من   قبل   هذا أين     كانت

لست  أدري[5]

 

ولعل من أجلّ المهام التربوية هي اكتشاف موهبة الإبداع المبثوثة لدى عينات خاصة من الطلاب والأخذ بيدي هذا الإبداع عبر رعاية خاصة لتمكينه من أن يتحول إلى ثروةً لمجتمعه وعالمه . فالتربية بهذا المعنى تلعب دور أدوات الحفر والتنقيب في ما تشتمل عليه شخصيات الطلاب من المكنونات ، وبهذا فإن الإبداع سيكون على رأس قائمة ما ستكتشفه هذا الأدوات من الجواهر والأحجار الكريمة. ولذلك كان يقال دائماً لا تفتش عن المبدع وإنما فتّش عن من يستطيع أن يفتش عنه .

 

إن تعوّد إثارة التساؤل بالمعنى المذكور آنفاً هو من أهم السبل التي تمكّن المعلم من تمييز ما لديه في صفه من المواهب الإبداعية في المجالات المختلفة ، وهو عليه لأجل ذلك أن يلعب دوراً حاسماً في تسديد الخطى وتدريب الطلاب على احتراف لياقة الإنتقال من موضوع إلى آخر في هذا المجال . ولعل أبرز العناوين التي يجب أن يحدو من خلالها مسيرة التساؤل لدى طلابه هي التعميم والصدمة وتبيان الروابط الخفية بين الموضوعات وخلق الذوق الجمالي لدى الطلاب , وهذه عناوين لها تفصيلاتها التي لن نستطيع التطرق إليها هنا .

 

2- في الموانع والحوافز :

 

 

التعليم هو من العقود النادرة التي لا يمكن أن تستوعب مستقبلها بالكامل أو أن تحكي سلفاً عنه ، وهذا ما يجعل منه عقداً إنسانياً أولاً وفي الأساس يتفرع عنه إلتزامات مادية أو مهنية . في الوقت الذي يستطيع أي عقد تجاري بدلي أن يشتمل على كل تفاصيل مستقبله ، كالاتفاق على تبادل بقرة في مقابل كيسين أو ثلاثة من الحنطة ، نجد أن عقد التعليم نفسه يكفي بإلزام البعض بإنتزاع الكلمات من قلبه ومن مهجته ليقدمها لطلابه ، بينما لا يفهم منه آخرون غير الإلتزام بإفراغ جملة من المعلومات بطريقة آلية مبرمجة . إن الطبيعة الإنسانية للتعليم تجعل من هذه المهمة مركباً معقداً لا يحرز النجاح فيه إلا بعد إحرازه في كل واحدٍ من مكوناته. فالمعلم ـ المسؤول عن إيصال الفكرة بشكل أساسي إلى وعي طالبه ـ سيجد أمامه الكثير من العوائق التي لا يكون أكثرها من نوع قصور الذهن عن رؤية الأمور كما ينبغي ليحتاج تذليلها إلى المزيد من الجهد الحرفي والمعلوماتي ، بل هي أحياناً أمور تبتعد بشكلٍ كبير عن معطى المعلومات وفهمها .

 

سيجد المعلم أمامه عوائق جمةً من قبيل الشغب والمشاكل النفسية والعاطفية والبلادة المتأتية من أسباب مزاجية ، وأسماعٍ مقفلةٍ أمامه بسبب ظروف إجتماعية أو إقتصادية . عليه لا يعقل أن يدخل كل معلم إلى صفه مصحوباً بشرطة لمكافحة الشغب وبمحلليين نفسيين للقيام بدراسة الحالات الخاصة أو بفرق إستقصاء لمعرفة جميع خلفيات طلابه ، لن يكون أمامه سوى الإضطلاع بمفرده بتذليل جميع هذه الصعاب ليحرز أعلى مستوىً من النجاح المتوقع لمهمة كهذه . هكذا سنقتنع أن معالجة المشاكل ذات الصلة بالأنواع التي ذكرت هي في صميم المهمة التعليمية ، وفيها منتهى الأمانة في إيصال الفكرة عبر جميع الحواجز والعراقيل التي تعترض طريقها من أي نوع كانت . لهذا وجدنا ان تكون معالجة الموانع ـ وفي مقابلها الحوافز ـ جزءً لا يتجزأ في دراستنا هذه ، ونحن سنتناولها كما يلي:

 

أ- الشغب :

 

لقد كان الشغب ولا يزال العنصر الأبرز في إعاقة المهمة التعليمية داخل الصف . وهو آفة لها الكثير من الأسباب والمكونات التي كثيراً ما لا يتم الإعتناء بها مقتصرين في معالجة هذه الظاهرة على العنف بكافة أشكاله (إبتداءً من كلمة التوبيخ وإنتهاءً بالتدابير القاسية جداً ) .

غير أن ثمة أمراً في موضوع الشغب تؤيده التجربة تجدر دراسته والتعمق فيه :

إن وجود الشغب غالباً ما يعبر عن حيوية لم تتمكن من حبس نفسها داخل المساحات الوقتية المعطاة لها من قبل برنامج منظم والتي ضاقت عنها ، فلم تجد لها بداً من اقتحام الممنوع والتعبير عن نفسها بالشغب في الصف في كافة أشكاله المتوقعه (كالتهريج والمزاح وإثارة الضحك إلخ ... ) .

 

لو أقتنعنا أن للشغب طبيعةً كهذه ، فإن هذا يضعنا أمام تحدٍ من نوع جديدٍ لا يمكن الإعداد له مسبقاً ، وهو تحويل الشغب المفسد إلى حيوية مفيدة ونافعة . ذلك أن الإعتقاد بأن الشغب هو مادة أولية لم يطرأ عليها بعد أية أداة تستطيع بمهارة أن تغير في هيئتها لإعطائها الصورة الجميلة ، وذلك بالإستفادة من إستجابتها لمثل هذا التحليل ، كالمقارنة بين الأخشاب المهملة الملقاة في الأدغال على هيئة عبثية فوضوية وبين الآنية الفنية الجميلة التي هي نفس تلك الأخشاب بعد أن امتدت إليها اليد القادرة الملهمة .

 

لم يكن لدي هذا الإنطباع عن الشغب حتى تكرر إقترانه بالحيوية ـ أو قل ولادة الحيوية منه ـ في السنة الجامعية الأولى في كلية العلوم حيث يفتح العدد الهائل من الطلاب شهية المشاغبين على إظهار جميع ما لديهم من المواهب ، فيكون أمام الأستاذ مهمةً عسيرةً في إيقاف هذا الشغب الهادر وتهيئة أكبر عدد ممكن من الطلاب للإنصات والإستماع . لقد كان ولا يزال الأساتذة المؤمنين بأن هذا الشغب يخبأ وراءه حيويةً ستولد من رحمه على يد الآلة التربوية المحترفة هم الأقدر على إدارة صفوف كهذه وتحويلها إلى صفوف ممتلئة بالحياة والإنتعاش والتجدد ، بينما أخفق آخرون ممن حمل على هذا الشغب بالأسلوب التقليدي كالطرد وتوجيه الإهانة من الحصول على نتائج مرضية ، وظل نزولهم إلى صفوف كهذه بمثابة عبءٍ يحاولون ما استطاعوا تفاديه والإبتعاد عنه ، وذلك أن التعثر أمام شغبٍ بهذه القوة ليتسبب بنتائج يشق على أي إنسان تحملها وتقبلها عادةً .

 

لقد أقنعتني هذه التجارب مجتمعةً بان تحويل الشغب إلى حيوية هو أمر علمي تربوي معقول لا دعوة وهمية تشبة تحويل الحجارة إلى ذهب ، فزيادة على ما ذكر كان يلفتني لقائي بنفس الطلاب الذين إلتقيتهم في السنوات الأولى في الصفوف العليا (أي في السنوات الأخيرة) حيث أجدهم بشخصية هادئة أبعد ما تكون عن  كل أشكال الشغب ، لكن الحقيقة المؤسفة أن هذه الشخصية قد لا تكون حائزة على الحيوية المطلوبة ، بل هي أحياناً كثيرة أبرد مما كان متوقعاً ، وهو ما يعزز أيضاً عقد المقارنة بين مفهومي الشغب والحيوية .

 

ولقد ذكرت ذات مرة أمام طلابي في السنة الأولى أني أصبحت أشتاق إلى شغبهم بعد أن أودعهم على طريقة البيت القائل :

 

وما صبابة مشتاق على أمل

من اللقاء كمشتاق بلا أمل[6]

 

 

ب- الكسل والبلادة :

 

المقصود بالكسل عموماً هو القصور عن اللحاق بركب المعلم السائر في شرحه وفي دروسه ، ومعلوم أن هذا الكسل له أسبابه العديدة وأقلها يكمن في محدودية ذهنية للإمساك بطرف التحليل المعروض من قبل المعلم ، حيث تنأى أكثر أسباب الكسل عادة عن هذا الأمر المذكور لتتصل بأنواع عديدة من الإشكالات .

 

يعترف الأساتذة ، وحتى المحترفين منهم أن مهمة تسيير الطالب على طريق "أدرس لتنجح" هي مهمة ستكون في نهاية المطاف سهلة المنال ، وأن المهمة الأصعب هي تمكين الطالب من المسير على طريق "أدرس لتحب لتنجح" حيث أن توسط الحب بين المقدمات والنتائج أمر ينتج عنه الكثير الكثير من الثمار . وهنا تطل من جديد أهمية أن لا يكون المعلم مجرد آلة مبرمجة للإدلاء بكمية من المعلومات ، بل على العكس فهو ملزم بترصيع صفحته بجمالات حقيقةٍ وواقعيةٍ

( روحية ومعنوية ) يستفيد منها كعناصر جذبٍ تأخذ بأزمّة الطلاب ليقبلوا على معلمهم بوجوههم إقبالاً تاماً ولا تصرفهم عنه أية شوائب تافهةٍ ، فهم في أسرٍ محكم دخلوه بطوع إرادتهم ووجدوا فيه تبدلاً في أرواحهم وفي نفوسهم ، وأخذ هذا التعلق وهذا الأسر يسري إلى ما جرى على لسان معلمهم فهو جزء لا يتجزأ منه ، وهذا ما سيكون بالنسبة إليه نهاية مطاف رحلته ، فهو سوف يكون قد تمكن من عقد روابط محكمة بين طلابه ومادتهم العلمية قبل أن ينسحب ويتلاشى لأقناعهم ـ وهوأمر جوهري في التربية ـ أنه لم يكن سوى وسيط لا أصالة له أمام طرفي المعادلة ، وهو لعمري من أسمى ما في مهمة التعليم من الأمور

 

وإني وإن كان الدفين حبيبه

حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي[7]

 

وقد يقال أن الوعظ وسيلة نافعة في معالجة ظاهرة البلادة والكسل ، غير أن المرجح في هذا الأمر بالذات هو قصور الوعظ المباشر عن إعطاء أي جدوى وذلك لتعقيدات ليس هذا محل ذكرها . ولكن الحماسة ، وهو ما يقابل البلادة ، والعزيمة والجلد يمكن إنتاجها من خلال وعظٍ صامتٍ يتأتى من الأنسام التي تهب من عمق روح المعلم ومن واقعه الذهني والنفسي والعملي لتلفح أوجه طلابه المحدقين به بدون أي تكلم :

 

 

ضيّعت عند الواعظين سعادتي

ووجدتها في واعظٍ لم ينطق

 

 

 

ت- السيادة :

 

يجب على المعلم أن لا يقبل بأقل من أن يكون سيداً في صفه ، نافذ الرأي حراً مصاناً ومحترماً ، لأن أي فقدانٍ لمعنى السيادة هذا سيقود إلى حالة من الإستخفاف لدى الطلاب تقنعهم بعدم ضرورة بذل أي جهد للتعلم طالما أن بإمكانهم التعويض عن ذلك بتدابير أخرى أتاحتها لهم شخصية معلمهم المترهلة .

 

هناك معادلات خفية لا يعرفها إلا من مخر عباب سوقنا التربوي ـ لا سيما في القطاع الخاص ـ وذاق طعم سياطه الموجعه . فالتعليم الخاص هو أولاً يقوم على مؤسسةٍ تعيش وتستمر على قواعد مادية تجارية من الربح والخسارة ، ولذلك فهي مهما كانت حائزة على مقاصد تربوية نبيلة لن تتمكن من الإخلال بأي بندٍ أو أساسٍ لمنظومتها المالية والتجارية ، وهذا أمر مفهوم تماماً متناسب مع قواعد ومعطيات هذه المؤسسة واقعاً . والسؤال بدءً هو ماذا لو تصادمت هذه البنود والأسس المالية مع بنود أخرى ذات صلة بالأهداف التربوية ؟ إننا نستطيع أن نؤكد ومن دون أي تردد أن الأمر سيحسم لصالح المال طالما ان حياة المؤسسة متوقفة عليه . هنا نعود إلى قاعة الصف ونحدق بعيون مرهفة في المشهد الذي سنراه أمامنا : من هو السيد الحقيقي في هذا المكان ؟ إن المعلم في مثل هذه الأمكنة ، والتي غالباً ما تدر عليه عوائد مالية كبيرة جداً بالمقارنة مع كثير من الأمكنة الأخرى ، سيكتشف أن المعادلة الحقيقية هي كالتالي : لو لم يحز لأي سبب من الأسباب على رضى طلابه فإن هؤلاء سوف يبدؤون بالتذمر أمام أهليهم أولاً على الأقل ، وحينما سيتدفق هؤلاء الأهالي على الإدارة التي تأخذ منهم مبالغ مرتفعة ، فإن هذه الأخيرة لن يكون لها سوى هم إرضاء هؤلاء أولاً وقبل أي حساب ، لأن الدخول معهم في نقاش مبني على الصح والخطأ سيكون محفوفاً بخطر خسرانهم أي بخسران أموالهم ، ولهذا فإن الحل غالباً ما يكون بحمل هذا المعلم المسكين على أن يطوع لطلابه بصرف النظر عما يشتمل عليه ذلك من هدمٍ لسموه ولكرامته .

 

وحينما كان هذا الأمر غير خافٍ على الطلاب فإنهم سوف يجدون في ذلك ملاذاً آمناَ يتمكنون خلاله من فعل ما يريدون ، فهم سيجتمعون لإرغام معلهم على كثيرٍ مما يريدون هم ، وبالتالي فإن عملية التعلم تكون قد تعطلت بعد أن أمكن التحكم بالكثير من الأمور ، وخصوصاً بمستوى الإختبارات ونتائجها .

 

كان يتحدث رئيس رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية في سنة من السنوات وفي إطار لقاءٍ مع الأساتذة في كلية العلوم قائلاً ( وهو من الأساتذة الذين عملوا في الجامعات الخاصة ) : إن الجامعة اللبنانية هي المكان الوحيد الذي يمكن أن نكون فيه أحراراً . إننا لا نريد هنا ان نناقش هذه المقولة بالذات لكنها تعبر بدون شكٍ عما يدور في أروقة المؤسسة التعليمية الخاصة من الأمور التي تختفي وراء القيافة الخارجية المتقنة . لقد اتفقت روايات الكثيرين ممن عملوا في هذه القطاعات على أن المتحكم الأول في مؤسساتٍ كهذه سيكون الطالب لا المعلم ، ولذلك فإن القبول بهذه الوضعية المعكوسة لا يمكن أن يفهم إلا في إطار نهم الحصول على الأموال بأي طريق ، بصرف النظر عن الكرامة والقيمة والرسالة وغير ذلك ، ولطالما أسرع المعلمون الشرفاء بالإبتعاد والهجران عن أمكنة كهذه سعياً وراء أمكنة أخرى أكثر عزاً وسيادةً حيث سيمكنه من أداء رسالتهم على وجهٍ أتم وأكمل .

 

 

ث- حفظ وتدوين الخبرة :

 

لعل واحداً من العوائق التي لا يتم الإنتباه لها والتي كثيراً ما تربك العملية التعليمية هو عدم اعتناء المعلم بتدوين تجربته وتجميعها ورفدها وإغنائها من تجارب السنوات المتعاقبة ، في رصيدٍ يكون في متناول يده السنة بعد السنة في صيغةٍ تراكمية ، حلوها ومرها . ذلك أن ضياع هذه الجهود يمثل خسارةً حقيقةً لا يمكن أن يعوضها ما نقوم به عادةً من استيراد تنظير تربوي تعليمي من الأمكنة البعيدة. فهو وإن كان عملاً نافعاً جداً وبه إثراء لثقافة المربي والمعلم وإغناء له من خلال التعرف على تجارب الآخرين ، لكنه سيبقى عاجزاً عن الحلول محل تدوين التجربة التربوية المحلية ،وذلك لعدد من الأسباب ، أهمها أن كل واحدة من التجارب التربوية تنبت في بيئة خاصة ، فتتأثر رؤيتها بشكل طبيعي بكل عناصر هذه البيئة الخاصة ، وعليه ففي أي ورقة تربوية سطور ممحوة تعبر عن سلم القيم الإجتماعية ، طبيعة العلاقات ، شكل النظام السياسي ، تعريف الأخلاق إلخ .

 

قد يكون الوعظ على سبيل المثال أمراً غير مرغوب به في أطروحة تربوية تعمل في مجتمع لا يعطى الأبوان فيه أي إمتباز معنوي أو نفوذٍ تربوي ذي تقديرٍ واحترامً خاصين ، أو أنه يستبدل فيه الصحيح والخطأ الأخلاقي بالمسموح والممنوع القانوني . بينما يكون ذلك الوعظ أمراً شديد التأثير في مجتمع تستفز الفضيلة مثاليته سواء كانت متروكة أو كانت معمولاً بها . كذلك يمكن أن يكون الحديث عن الشأن العام أمراً غير مرغوب به في تربية مدنية لمجتمع ملكي أو استبدادي ، بينما يكون شديد الضرورة في مجتمع يتساوى فيه عموم الناس ، وهكذا.

 

من المؤسف جداً أن التجارب والخبرات التربوية تضيع عندنا ولا تدون ، ولسنا هنا بصدد البحث في الأسباب التي تحول دون أن يهتم المعلم عندنا بحفظ خبراته وتدوينها لكي يحترف من خلالها مهمته التربوية ويرثها بعده من هو خلفه على نفس الطريق ، لكننا نريد أن نشير فقط إلى تلك الأرصدة الهائلة التي تهدر وتدفن مع أصحابها ، وذلك على عكس ما نقوم به من توريث الأموال والثروات .

 

لا شك أن هذا الخسران ليس بالضرورة خطيئة فردية تصدر عن مزاج معتكر وعزيمة متكاسلة متواكلة ، إنه طيف من أطياف المشهد الإجتماعي لا يخفيه التنكر: إن اللاهث تعباً لا يمكن أن يكون حكيماً ، والجوع المقلق المفزع يشرد الناس من صفوف التأمل الآمنة المطمئنة ويتركهم فريسة الدروب الطويلة التي لا نهاية لها.

 

 

3- التربية والقدوة الحسنة :

 

يمارس المعلم شاء أم أبى نوعاً من المرجعية غير المعلنة على نطاق ضيق في مجاله ، وهذا بالذات ما يرتفع بإيجابياته من مجرد الفضائل الحسنة إلى عناصر جذب تشد إليه أفئدة الطلاب وتسير به ليكون قدوتهم وإن بشكل جزئي محدود  مؤقت على نحو من الأنحاء . بناءً على ما تقدم ينبغي على المعلم ـ الناجح على وجه الخصوص ـ أن يغلب على ظنه أن عدداً من طلابه قد يقع في شرك الإعتقاد بقدوته الحسنة ، وهذا ما سيدفعه إلى استشمار وتوظيف هذا الأمر في إحراز المزيد من الأثر الطيب لدى هؤلاء الطلاب .

 

قد يقع بعض المعلمين ـ خصوصاً في السنوات الأولى لمهنتهم ـ عندما يبدؤون بتلمس ما ذكر لدى طلابهم في فخ التعاطي المراهق والأناني مع هذه الظاهرة ، حيث تستولي عليهم رغبة جامحة في إحراز مستوىً عالٍ من النجومية لتتحول إلى هدفهم النهائي ، وهو هدف رخيص كما هو معلوم قد تسقط دونه الكثير من العناصر القيمة في شخصية ذلك المعلم في تفصيلٍ ليس هذا محل ذكره .

 

وهناك نوع آخر ممن ينشأ لديه بموجب تلمسه لظاهرة الإقتداء في ممارسته التعليمية ترفع زائد عن حده ، وإطلالة من فوق برج عاجي مصطنع تريد أن ترسخ لدى الطلاب الاعتقاد بأنهم " تحت"  بالنسبة إليه وأنه بالنسبة إليهم "الفوق" الذي لا ينال .

 

وجدت أثناء مناقشة مثل هذه الأمور مع بعض زملائي في الجامعة حرصاً شديداً على إبقاء مسافة بعيدة بينهم وبين الطلاب ، وكان ذلك يبرر دائماً بما للقرب من محذور التعود والإلفة الذين قد يدفعان الطلاب إلى فقدان هالة الإكبار والإحترام لدى المعلمين . لكن رأياً نادراً نجده بين الفينة والفينة في بطون بعض الكتب أو على ألسنة بعض المعلمين يعتقد بأن صفة القدوة الحسنة المنتجة والنافعة والحقيقية والمؤثرة هي تلك التي تولد بالإحتكاك عن قرب لا بوسائل وأساليب إستعلائية فارغة من المعنى وإن أحرزت مؤقتاً بعض الهالات المزيفة .

 

إن إيماننا الراسخ بوجود ميول الإقتداء في صفوف التعليم المتعددة ليدفعنا إلى ضرورة اتخاذ موقف راشد ، حكيم ومنطقي منها من أجل أن تكون دراستنا تامة ، علميةً وجدية .

 

إذاً نحن أمام معتقدٍ يؤكد أن المعلم الذي سيحوز على احترام طلابه وإعجابهم مرشح بإمتياز أن يلعب معهم دور القدوة الحسنة ولو في صيغة تجزيئية موقوتة ، فهو إذاً إما أن يتعامل معه بالطرق المغلوطة وغير الراشدة التي تم ذكرها آنفاً ، وإما ان يتجاهله وهو بذلك يفوت فرصةً عظيمةً من فرص فعل الخير وتحقيق النجاحات الباهرة في التربية ، وإما ان يتنبه لأهميته ويحاول أن يوظفه في المزيد من إحراز الأثر الطيب كما ذكرنا . وهناك فرق بين مصطلحي "التأثير" و "الأثر"، وذلك أن التأثير يمكن أن يساهم في إنتاجه أتفه خصائص المعلم كشكله وطوله وما إلى ذلك ، وهو لذلك سراب زائل مهما كانت قوته ومهما اعتقد الطالب وصدّق قيمته العظيمة المزيفة . أما الأثر فهو كالسنبلة التي تنبت في عمق روح الطالب وتنتج كل حبةٍ فيها مئة حبة جديدة قبل وبعد أن تطوى صورة ذلك المعلم القدوة الذي أحرز هذا الأثر مع طيات النسيان . لذلك ستكون شخصية هذا الطالب آهلةً بمعلمه من خلال ما يحمله من الخصائص ، بعد ان تكون قد بادت صورته وأقفرت في ذاكرة ذلك الطالب

 

لك يا منازل في القلوب منازل

أقفرت أنت وهنّ منك أواهل

 

 

ولذلك فإن المعلم مدعو على لسان الطبيعة للإضطلاع تدريجياً والإرتقاء بعمله إلى مستوىالقدوة الحسنة التي تحدث أثراً باقياً دائماً مستنداً إلى مقومات حقيقية ، لا تأثيراً زائفاً يستند إلى مقومات واهية فارغة . ومن المناسب أن نتحدث بشكل موجز عن بعض أدوات إحراز هذا الأثر الموعود .

 

 

 

أ- القلب :

 

لكل واحد من الناس ثلاثة أنواع من الطموحات الثابتة لديه ، فهو أولاً يريد أن يكون ناجحاً في تخصصٍ ما في حياته يكفل عيشه بكرامة وعيش من هم مرتبطون به ، ويحب بعد إحراز نجاح في طموحه الأول أن يكون ذا فكرٍ مستنيرٍ يكشف من أمامه الغموض والإلتباس والضياع ويتعرف من خلاله على نفسه وواقعه ومحيطه وتاريخه ويتفرس من خلاله أيضاً فيما ينتظره ، ومن وراء ذلك فهو لديه طموح يكاد يكون الأرقى وهو ان يلعب بنجاح دور المربي على نطاق معين (في عائلته بالحد الأدنى) . يغلب على الظن أن النجاح في المهمة التعليمية يقترب من مستويات راقية كلما كان التعليم مشتملاً على تلك الطموحات الثلاثة المذكورة مجتمعةً ، وذلك بخلاف غيره من المهام والمهن ، ولعل المعلم المربي هو ذلك الذي فرض على نفسه أن يسير في أصعب السبل ولكن أكثرها إرتقاءً وسمواً . والقلب لدى المربي أداته الثمينة الأولى التي سيختزن فيها جميع ما لديه من أرصدة التربية . فإن عملية التربية لا يمكن ان تكون قد بدأت وليس لدى المعلم في قلبه تعلق وحب لطلابه يثير لديه شعوراً نبيلاً مبهجاً كلما مروا في مخيلته .

 

إن هذا الحب العميق لن يكون كامناً على الإطلاق بل سيفضحه الوجه والنظرة والكلمة والإنفعال والحرص واللهفة والشدة وغير ذلك في حالات المعلم المتنوعة، وستكون أول ثمار هذا الحب حباً مثله أو أكبر منه سيولد في قلب المتعلمين :

 

كما في قلب الزارع كذلك في قلب السنبلة[8]

 

لا زلت أذكر أن أكثر الإخفاقات في تجربتي التعليمية الخاصة كانت تتم حين مواجهتي لموقف ما بقلبٍ يسكنه النفور والشعور بالضيق ، فإن هذا كان يجعلني ضعيفاً متسرعاً ، أعالج بخفةٍ لطالما كانت تؤرقني بعد ذلك . أما في الحالات التي كنت أنتظر فيها دخولي إلى قاعة الصف بشوق وبي رغبة ومحبة لرؤية طلابي ، كنت أجدني مسلحاً ببداهةٍ قويةٍ تمكنني من الخروج بنجاح امام تحديات جمة (وبعضها يكون صعباً حقاً) .

 

سأذكر هنا ما حصل معي في سنة من السنوات حيث كنت أشرح في قاعة من قاعات كلية العلوم (وكان فيها حوالي مئتي طالب) عن العلاقات المتبادلة symmetric relations ، فضربت لهم مثلاً عن علاقة الصداقة وقلت لهم أن الصداقة لن تكون إلا إذا كانت متبادلة ، فمثلاً أنا صديق لكل واحد منكم في هذا الصف ، هل هناك من يرفض صداقتي ولا يبادلني إياها ؟ فما كان من طالبٍ في وسط القاعة إلا أن قام وقال أن أرفض هذه الصداقة . لقد كان الإختبار دقيقاً حيث يجب أن يتم التنبه لما يمكن أن يقف وراء ردة الفعل هذه من الخلفيات (وهي كثيرة ومتنوعة) وذلك من أجل ان تكون ردة الفعل متناسبة مع ما حدث لا أقل شدةً وقسوةً مما هو لازم ولا أكثر وأزود ممن ينبغي . إذاً كان علي أن أحدد طبيعة الموقف بالإستناد إلى تخمين لخلفية الطالب وتحديد مستوى الشدة واللين بشكل دقيق في هذا الموقف ، كل ذلك يجب أن يتم بثوان قليلة أمام هذا العدد الكبير من الوجوه المتفرسة التي تنتظر ردة فعل معلمهم على هذه الكلمة غير المتوقعة . الذي فعلته هو أنني حدقت به أولاً ثم قلت له بهدوء إنك تضعني في موقفٍ حرج وصعب . فسألني هو : وكيف ذلك  ؟ قلت له : لأنه لا توجد محنة أصعب من الحب من طرف واحد . لقد كانت نتيجة هذه الكلمة أن انفجرت قاعة الصف بضحكٍ سعيدٍ مبتهج ، وجاءني هذا الطالب في نهاية الحصة مدوناً على ورقةٍ بعض كلماته الرقيقة ، ولا تزال علاقتي به خاصة حتى هذا الوقت .

 

 

ب- الرقبة :

 

كثيراً ما يضطر المربي إلى ممارسة نوعٍ من الإنحناء الذي لا ضعة فيه ونزولٍ لا تنازل فيه . وفي هذا الإنحناء ما يميزه تمييزاً دقيقاً عن مفهوم التواضع الذي يقابل الغرور عادةً ، حيث أن التواضع لدى المربي وإن كان أمراً مسلماً بضرورته ، غير أنه لا يكفي بمفرده لحل ما يستعصي من المشكلات أحياناً ، ولذلك يضطر المربي إلى ممارسة الإنحناء المذكور للتغلب على هذه المشاكل .

 

إن التعليم هو علاقة قبل أي شيء بين طرفين غير متكافئين في مستوى الوعي والمعرفة ، ولا ريب أن هذا التفاوت في الوعي سيؤدي أحياناً إلى إيجاد تعقيداتٍ تعيق المهمة التعليمية . المعلم هو الأكثر وعياً والأوسع معرفةً وهو بموجب ذلك يتحمل المسؤولية في اقتراح ، وأحياناً في فرض ، جملةٍ من الأمور لتصبح على عاتق الطالب شاء ذلك أم أبى . وغالباً ما يكون نفوذ المعلم مستنداً إلى تهديدٍ خفيٍ من قبل من يحيطون بهذا الطالب ويتولون أمره .

 

غير أن ثمة عوناً للمعلم سيكون إن وجد الأكثر فعاليةً والأكثر ضماناً لقوة المعلم ونفوذه في ساحة الطالب ، وهذا العون يتمثل ببساطة بقناعة الطالب مباشرةً بالمصلحة التي تكمن وراء ما أمر المعلم به من تدابير تحضيرية أو علمية ، أو قناعته بأن جميع أو أكثر ما يصدر عن هذا المعلم سيكون في مصلحته . ولذا ينبغي أن يلتفت المعلم إلى أهمية هذه القناعة التي لو استطاع إيجادها لدى الطالب فإنه سيعفي أي قوة أخرى أو تهديد من أي نوع كان من التدخل الذي لن يسلم من إلحاق الأذى في أحسن أحواله .

 

إن ما نبتغي التطرق إليه في هذه النقطة هو بالذات الموقف الدقيق الذي ينتج عادةً عن اختلافٍ بين المعلم وتلميذٍ من تلاميذه حول مسألة أو سلوكٍ رآه المعلم صواباً أو ضرورةً بينما رأى فيه التلميذ ظلماً أو تجنياً . كأن يقوم المعلم مثلاً بتدبيرٍ توبيخي لمعاقبة طالبٍ على سوءٍ اقترفه في الوقت الذي لا يرى الطالب في عمله أي سوء .

 

إن حسم هذه المواقف دائماً عن طريق ميزان القوة المائل لصالح المعلم والإستناد إلى التهديد بعد التهديد قد يؤدي إلى تعقيدٍ يكون الطالب ضحيته ويدفع ثمن ذلك غالياً من خلال رسوبه وإضاعته لسنوات من عمره . ولكم حالت علاقة صعبة معقدة بين الطالب ومعلمه من تمكن هذا الطالب من إحراز أي تقدم ، في الوقت الذي لا يكون لديه أية مشكلة مع معلميه الآخرين . هنا يبدو بجلاء ما تنطوي عليه ممارسة إنحناء المربي أمام من يربي من فضيلةٍ سترى بإجلالٍ وإكبار يرفعانه من جديد في نظر طلابه إلى المستوى الأرقى والأسمى .

 

إذاً فللمربي رقبة تملك فضيلة الإنحناء في الوقت والموقف اللذين تراهما مناسبين، وهو يريد أن يذلّل بها ما يعترضه من التعقيد في علاقته بطلابه ، ويريد أن يبطش بقوتها بعناصر السلب التي دفعت بالطالب إلى إتخاذ الموقف الأناني التافه وغير العاقل . إن بطشاً كهذا لن يكسر القوة المواجهة ولن يحبسها أو يعتقلها بل سينجح في تجنيدها لخدمته بعد أن يقنعها ـ بالإنحناء هذه المرة ـ بضرورة أن تتصالح معه وأن تعمل لخدمته .

 

وقد يثار في مقابل هذا الكلام الكثير من الأمور ، حيث أن الإنحناء في غير موضعه يشتمل على خطرٍ كبيرٍ كتجريئ الطالب غير المسؤول على النيل من هذه الرقبة والإزدراء بها عوضاً عن التأثر بفضيلتها وانحنائها . ونحن نؤيد ما ذكر ، لكننا أردنا أن نلفت إلى ضرورةٍ إدراج الإنحناء بين وسائل تطويع الرفض والتمرد المتوقع في داخل الصفوف ، وأن لا يقتصر في ذلك على أدوات القمع التي تستند إلى القسوة بزعم انها الأضمن والأكثر فعاليةً ، إذ ربما عجزت كل هذه الوسائل عن تذليل عقبةٍ ، بينما تفلح بامتياز رقبة منحنية في القيام بذلك .

 

ت- الجناح :

 

إن هذا العنوان هو استمرار طبيعي لما ذكر آنفاً ، إذ ما من شكٍ أن المربي يجب أن يحتفظ بصفة المهابة وأن لا يفرط بها أبداً . فبدون أن يكون المربي مهاباً ، فإن جهوده ستكون مهددة بالضياع بعد أن تصبح مخالفته وعدم الإلتزام بتعليماته أمراً سهلاً لا يشعر بأي حرجٍ أو وخز ضمير . لكننا هنا نحاول أن نفهم المهابة على نحوٍ أوسع وأعمق من المعتاد . حيث أننا تعودنا أن نفهم المهابة في حدود التهديدات التي يحملها صاحب المهابة تلك ليستخدمها في حالة التمرد والعصيان . لكن هناك نوعاً من التهديد المخيف جداً والقوي للغاية بإمكان المربي ذي القلب المحب والرقبة المنحنية القريبة إستخدامه وهو ببساطةٍ الإقلاع بجناحه مبتعداً .

 

إن قلبه وإنحناءه الذين طالما مشى بهما في أروقة الصف وعالج من خلالهما المواقف المتنوعة والمتعددة ، سيقنعان العديد من الطلاب بأن قربهم من معلمهم هو بمثابة امتيازٍ معنوي خاص ومنزلة ودرجةٍ رفيعةٍ قد منحت لهم لأنهم يستحقونها ، وهم أصبحوا بالتالي مطالبين بالمحافظة عليها وعدم خسرانها . ولذلك فإن إقلاع المعلم بجناحه مبتعداً عمن كان قرّبه إليه سيمثل تهديداً أكثر إيلاماً من كل أشكال التهديد الأخرى ، ولهذا لن يعدم المعلم الذي يؤمن بما ذكر من صنف الطلاب اللذين تحمل أرواحهم قابلية الإستجابة لهذه الإنفعالات وتعلم مفردات هذه اللغة الرفيعة .

 

 

خاتمة

 

في النهاية فإننا لن نغادر قبل أن نتذكر أن القدوة الأعلى والأسوة الحسنة التي جادت بها الرحمة السموية عبر التاريخ تمثّلت في الأنبياء العظام (ع) . ولقد ذكر القرآن الكريم عن النبي محمد(ص) ما يجدر التنبه إليه والحديث عنه ، فلقد قال تعالى : "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً" . هذه الآية لو قرنت إلى الآية الأخرى القائلة : "يا أيها اللذين آمنو استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..." ستوضح أن هذا الدعوة النبوية تصبّ بالكامل في مصلحة المدعو ، وعلى الرغم من ذلك فإن قلب الداعي ليعتصر ألماً إن أعرض الناس عن دعوته فهو يكاد يقتل نفسه من الأسف والأسى لرفض الناس دعوةً لهم ولا تعود بالخير والمنفعة إلا عليهم ، ومعلوم ان في ذلك منتهى الحب ومنتهى التعلق والإحساس المرهف ، ولقد ذكرت هذه السجايا في العديد من الآيات المباركة التي تفتح العين على كل جوانب هذه المنزلة الرفيعة لدى النبي (ص) .

 

حري بالمربي إذاً أن يسير في تربيته على منهاج الأنبياء متخذاً منهم الأسوة الحسنة مغذياً نفسه وروحه من فيض حبهم العظيم ورحمتهم الواسعة التي لا حدود لها .

 

إن وجود المثل العليا في حياة الإنسان يحفز عزيمةً لديه على النمو والإرتقاء ، وكلما قطع في إرتقائه أشواطاً كلما تحررت مثله العليا من أشخاص معينين يحيطون به وحلّت في كيانات أكثر تجرداً وأكثر سمواً . وسأختم بأبيات قالها مثل وقدوة متخيل كان قد حل في القمر وراح ينشد :

 

 

أنا  قمر يعذبه السطوع

ويبكي  والسناء له  دموع

 

ويشقى في منازله وحيداً

وتخطب ود طلعته الجموع

 

أراني ناصعاً طلق المحيا

وأخفي ما يشقّ وما يروع

 

وأقنعة الأنام ستار زيفٍ

وأقنعتي الطلاقة والنصوع

 

ولي نور يسير على حياءٍ

مخافة ان تعاتبه الشموع

 

يطأطئ خاضعاً ويغور ذلاً

فيرفعه التذلل والخضوع

 

ويخفي في أديم الأرض حسناً

فتفشيه الجنائن والربوع

 

ويسقي وردة  الأحلام  حباً

لتعبق بالسعادة إذا تضوع

 

يدافع كل مأساةٍ وكربٍ

وقوته التضرع والخشوع

 

 

الله من وراء القصد وهو ولي التوفيق.

 

 

 

 

د. أمين الساحلي

الجامعة اللبنانية – كلية العلوم


 

[1]  المواكب

[2] Euler كخاصية دائرة

[3]  كمثال نظرية الألوان الأربعة

[4]  The paradoxicon-  Nicholas falletta أنظر

[5]  أنظر الطلاسم لإيليا أبو ماضي

[6]  من قصيدة للمتنبي

[7]  من قصيدة للمتنبي

[8] كرم على درب